-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الذّهابُ بعيدًا في محاولة إسقاط المقدّس!

(نقاش مع دعيّ الفكر المتطاول على حبيب الرّحمن)

سلطان بركاني
  • 829
  • 2
(نقاش مع دعيّ الفكر المتطاول على حبيب الرّحمن)

أحد الكتاب المعروفين بلمز كلّ ما له علاقة بالدّين، عاد بداية الأسبوع الماضي ليصنع الحدث في مواقع التّواصل، بجرأته على حبيب الرّحمن صلّى الله عليه وسلّم، بعدما يبدو أنّها ضمانات تلقاها من جهات داخلية وخارجية ضاغطة بأنّ أسوار السّجن لن تتشرّف بطلعته أو طلّته! وبشارات أغرته بأنّ زمن المقدّسات قد ولّى! وأنّ “الفكر الحرّ”! قد بدأ نجمه يسطع في سماء الوطن العربي بأوامر وتوصيات غربية لا يعنيها كثيرا من حرية هذا الفكر إلا كسر الطّابوهات والتّشكيك في المسلّمات!

عاد الكاتب المشار إليه ليدخل من باب الإشادة بنصّ مقتبس من كتاب مدرسي يُطبع في المغرب، يتضمّن إساءة بالغة إلى نبيّ الإسلام عليه الصّلاة والسّلام، حيث نشر المجترئ صورةَ الصفحة التي تتضمّن الإساءة مزهوا بمحتواها وعلق بلغة دارجة يقول: “لو كان تسير برامج التعليم كلها بهذا المنطق، نروحو بعيد”!

الغريب في الأمر أنّ الإساءة التي رأى “الكاتب الباحث”! أنّها تساهم في ترقية برامج التعليم لتذهب بعيدا في حرية الفكر والبحث ولمَ لا سبر أغوار الكون وطبقات الأرض! تتعلّق بزواج النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- من عائشة بنت الصدّيق -رضي الله عنها وعن أبيها-!!! ورغم كمّ التّوضيحات والإجابات المتعلّقة بهذه القصّة، ممّا يغني كلّ باحث عن الحقّ ويزيد، لكنّ أمثال دعيّ البحث المشار إليه ليس هدفهم الوصول إلى الحقيقة، إنّما هلهلة ثقة عامّة المسلمين بدينهم وكسر اعتزازهم به، في سنوات ما يزداد فيها دين الله الحقّ إلا ثباتا ورسوخا، بل عزّا وشموخا، أمام الاكتشافات العلمية الحديثة وأمام نتائج الأبحاث المتجرّدة التي تُنشر في مختلف العلوم، خاصّة الإنسانية والاجتماعية.

حمّال الحطب الجزائري، ربّما لا يزال كغيره من أصحاب العقد المستحكمة يتميّز غيظا من تصريحات مهندسة الفضاء التونسية “رانية التكابري” التي أطلقتها قبل أسبوعين وأكّدت من خلالها أنّ دراسة علوم الفضاء قرَّبتها مِنَ الله تعالى، وأنَّ ما ذكرَهُ القرآن الكريم منذُ قرون أكَّدتهُ الاكتشافات العلمية المعاصرة.. ولأنّ باحثنا الملهم! لم يجد تصريحات مقابلة لأيّ باحث في الجوار تنفّس غيظه، فقد رأى في صفحة الكتاب المغربيّ ما يمكن أن يعوّض الصّفعة التونسيّة!

حمّال الحطب، يريدنا أن نغضّ أبصارنا عن فضائح الاعتداءات الجنسية التي طالت الأطفال في كنائس أوروبا وأزكمت أخبارُها الإعلام الغربيّ في الفترة الماضية، ونستلهم من حامل شهادة “ليانس” معايير البحث العلميّ الحرّ التي تجعلنا نحكم على زواجٍ حصل في بيئة عربية تنتمي إلى القرن الساّبع الميلاديّ، بموازين النّاس وأحوالهم في القرن الحادي والعشرين! ونحكّم أمزجة صاغتها شعارات لا حقيقة لها على زواج مبارك متّسق مع أعراف عصره لم يجد فيه أهل ذلك الزّمان من مطعن مع حرص أكثرهم على إيجاد أيّ ثغرة يدخلون منها للنيل من صاحب الرسالة.

لأنّ حمّال الحطب متيّم بما يكتبه “الآخرون” عن تاريخنا وديننا، ولا يرفع رأسه بما يكتبه علماء الأمّة في الردّ على أحبولات اليهــود والمنصّــرين والملاحـدة والمستشــرقين والعلمــانيين، لعلّه من المناسب أن ننقل ما خطّه البروفيسور الإنجليزي المعاصر، “كولين تيرنر”، الأستاذ بجامعة دورهام في إنجلترا، وخبير قسم دراسات الشّرق الأوسط، في كتابه “الإسلام: الأسس” الذي ألّفه بُعيد أحـداث الـ11 سبتمـبر 2001م، حيث يقول عن زواج خليل الرّحمن محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- بالصدّيقة عائشة: “عقَد محمد قرانه على عائشة قبل أن تبلغ العاشرة من عمرها تقريبا، ولا تذكر المصادر التاريخية سنها مباشرة عند الزّواج، لكنّها تذكر أنّ عائشة كانت تقضي معظم وقتها عند انتقالها إلى بيت الرسول وهي تلعب بدميتها، وكثيرا ما كان يشاركها الرسول اللعب بنفسه.. في الحقيقة قد تثير العلاقة بين رجل في نهاية الخمسينات من عمره وطفلة لا تتعدى العاشرة من عمرها عجب الكثيرين اليوم، خاصّة من عقليات العالم الغربي الذي يعاني حساسيةَ اعتداء البالغين على الأطفال القاصرين. ومن دون اندهاش، فمن التُّهم التي وجهها قادحو الرسول إليه، كانت علاقته بعائشة باعتبارها اعتداءً صريحا على الطفلة. ومن الناحية الأخرى، فإنّ زواج رجل كبير ناضج من فتاة صغيرة كان لا يزال أمرا طبيعيا في المجتمع البدوي، وينتشر حتى الآن في العديد من المجتمعات حول العالم؛ إذ كان من المعتاد عند العرب في عهد محمد خطبة الأولاد والبنات بعضهم لبعض بمجرد ولادتهم، ولاسيما إذا كان هذا الجمع ذا أهمية سياسية مباشرة للعائلتين المعنيتين. وعلى كل حال إنّ مثل هذه الزيجات لم تكن تتم إلا بعد بلوغ ونضج العروسين.. وهنا لنا وقفة، فمن المهمّ أن نعلم أنّ العرب خلال القرن السابع الميلاديّ كانوا يبلغون في سنّ مبكّر عن السنّ التي يبلغ فيها أبناء الغرب اليوم. ولهذا فمن المؤكد أنّ الرسول لم يمارس حقوقه الشرعية مع عائشة إلا بعد بلوغها أوائل سني المراهقة على الأقل، الأمر الذي كان يعتبر مناسبا تماما لأعراف المجتمع في ذلك الوقت، وفي سياق لا يمسه العيب من قريب أو بعيد” (الإسلام الأسس: كولين تيرنر، 65- 66).

قد لا يعلم حمّال الحطب أن عائشة بنت أبي بكر، كانت مخطوبة لجُبير بن المطعم بن عدي، قبل أن يستخلصها منه أبوها الصديق، ويخطبها حبيب الرّحمن -عليه الصّلاة والسّلام- بإشارة من خولة بنت حكيم، ومثل هذا الارتباط كان مألوفا ولا يلقى النّكير من أحد، فقد يخطب الرّجل لابنه ابنة صديقه والبنت لم تبلغ الخامسة، فتسمّى باسم خاطبها، وتظلّ عند أبيها حتّى يرى صلاحها للزواج فتنتقل إلى بيت زوجها، وربّما يخطب الرّجل ابنة صاحبه الصغيرة لنفسه طلبا لتوطيد العلاقة بينهما، ويكون الزّواج بعد بلوغ البنت أو مناهزتها البلوغ، ومثل هذا حصل قبل زمان النبيّ وف زمنه وبعده، وكان يحصل بعد ذلك قرونا متطاولة في بيئات كثيرة، وفي بلدنا الجزائر كانت جدّاتنا ربّما تخطب الواحدة منهنّ وهي صغيرة لا تعي بعدُ معنى الزّواج وتُعيّن لرجل يكبرها بعقود من السّنوات، وتمكث حتى يبدو صلاحها للزّواج، فربّما تكون حينها في الخامسة عشر وربّما في الثانية عشر، هذا عايشته النّساء قبل 60 أو 70 سنة، كيف بعقود وقرون قبل ذلك؟ حيث كانت النّساء تظهر عليهنّ علامات النّضج في سنّ مبكّرة، مقارنة بنساء هذا الزّمان حيث حياة الدّلال والأغذية المعلّبة والجاهزة والبديلة التي تؤثّر -ولا شكّ- في البلوغ.

حمّال الحطب وأمثاله من أدعياء “البحث” لا يقرؤون السّيرة بعيون منصفة، لذلك لا يقفون على حقيقة أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- لم يتزوّج عائشة رغبة في النّساء إنّما رغبة في صلة أبيها رفيق الدّرب وصديق العمر، ولو كان همّه الرّغبة في النّساء لتوجّه إلى الاستكثار من زواج الأبكار بعد نجاحه في الاشتغال بالتجارة منذ سنّ الـ25، لكنّه تزوّج حينها امرأة تكبره بـ15 سنة، وظلّ وفيا لها حتى سبقته إلى الدّار الباقية بعد عِشرة دامت 25 سنة، وبعدها عرضت عليه خولة بنت حكيم امرأةً كبيرة في السنّ هي سودة بنت زمعة العامرية، فتزوّجها الحبيب -صلّى الله عليه وآله وسلّم- ليجبر خاطرها ويؤنس وحشتها بعد وفاة زوجها السكران بن عمرو، وبالتّزامن مع ذلك تزوّج عائشةَ بإشارة من خولة بنت حكيم، ولم يدخل بها حتى كان شوال من السنة 2هـ، عائشة التي يكفيها فخرا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “رأيتكِ في المنام ثلاثَ ليالٍ، جاءني بك المَلَك في سَرَقةٍ من حريرٍ (أي: في قطعة من الحرير الجيد)، فيقول لي: هذه امرأتك، فأكشفُ عن وجهكِ فإذا أنتِ هي، فأقول: إن يكُ هذا من عندِ الله يُمضِه” (رواه الشيخان).

هكذا كان زواج النبيّ المختار من عائشة، وتلك كانت غايته، ضمن غايات أخرى نبيلة قصدها بزواج بقية نسائه رضي الله عنهنّ، فماذا يفعل الأقزام المتطاولون أمام هذه العظمة؟ وماذا ينفعهم النّبش في سيرةٍ كلّها مسك لا يتضرّر بشمّها إلا جُعَل أو دنيء؟ سيظلّ النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- عظيما، ولن تزداد البشرية المتعطّشة إلى الحقّ إلا إقبالا على سيرته ودينه، فليهنأ مرضى النّفوس وأصحاب المآرب الدنيئة بعقولهم الصّغيرة ونفوسهم العليلة التي لن تخرج بهم من مستنقع التفاهات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • سفيان 19

    بارك الله فيك.

  • زوبير

    جزاك الله خيرا استاذ، نحن في زمن كثر فيه ضجيج الرؤوس الفارغة من عشاق ما وراء البحار، لكن ضجيجهم قد يلقى "صدى" في رؤوس من يفتقر للعلم بالدين و السيرة، فالتذكير قد لا يصد أمثال هذا النكرة عن حماقاته، بل سيظهر غيره. لكن صد الذباب لا يكون باصتياده واحدا بواحد، بل بتنظيف السطوح من كل ما يجذبه. و لا يجذب ذباب البشر سوى ضعف الثقافة الدينية عند من يرجون منه شراء كتبهم و مناشيرهم.