نَحسب للآخرين.. وننسى أنفسنا!
لدينا مشكلة كبيرة في الجانب السياسي، نَنْسى أنه علينا قبل أن نضع حسابات للآخرين في فرنسا أو أمريكا أو روسيا أو أي بلد آخر في العالم أن نَضبط حساباتنا في الداخل، أنْ نَعلم أن التغيير الذي يحدث في البلدان القوية اقتصاديا، إنما هو في الواقع مؤشر على نوعية السياسات التي ستتبعها هذه الدول في المستقبل، وليس أبدا نزوة ديمقراطية أو خيارا غير عقلاني اتخذه الرأي العام لأجل عيون الديمقراطية ورفاه الإنسانية…
يربط البعض مستقبلنا بالتبدلات التي تحصل بالعالم وبخاصة في أمريكا وفرنسا، بدل أن يسعى للتفكير في أساليب تكييف سياساتنا الاقتصادية وعلاقاتنا الدولية مع التطورات المتوقعة نتيجة هذا التبدل أو ذاك بالربح أو الخسارة. يَبني هؤلاء كل سياستهم على أساس متغير واحد: إرضاء القوى الكبرى… مَن ترضى عنه أمريكا وفرنسا وبقية المجتمع الدولي فقد فاز، في احتقار يكاد يكون واضحا لدور الجبهة الداخلية. هذا الأسلوب في العمل هو في حقيقة الأمر أساس عدم انطلاقنا انطلاقة حقيقية نحو التقدم. دائما نعتقد أن العامل الخارجي هو الأكثر حَسما في معادلة الصراع الداخلية، ولذلك لم نعط الأهمية اللازمة للداخل. كان الهم الأكبر، باستمرار في تجاربنا السياسية السابقة رأي باريس وواشنطن وأحيانا موسكو وغيرها من العواصم، في ما نفعل أو لا نفعل… أما ما بقي بعد ذلك فهو تفاصيل لا حاجة إلى الخوض فيها (الشعب، المثقفون، أصحاب الرأي، الصحفيون…) هؤلاء؟ ومَن يسمع بهؤلاء؟
أنتج هذا الأسلوب التقليدي في العمل سياسات هشة غير قائمة على قواعد شعبية حقيقية، وأعطى فرصة كبيرة للدول الأجنبية للتدخل في شؤوننا واحتقار ما نزعم أنه تجربة ديمقراطية… جميعها كانت تعرف، وأحيانا أكثر مِنَّا، ومازالت، أننا لا نُجري انتخابات نزيهة وأننا نسارع إلى دعوتها إلى تزكيتها أو السكوت عن عدم نزاهتها مقابل ضمان مصالحها الاقتصادية. كانت باستمرار تسمع نفس المقطع من نفس الأغنية السياسية: نحن (الحاكمين الآن) وإن كُنَّا نِتاج عمل سياسي غير ديمقراطي وغير نظيف أفضل لكم من “مجهولين” قد يسببون لكم المتاعب أو قد يتصرفون معكم كدولة لها مصالح يُمكِنها أن تتضارب مع مصالحكم…
مثل هذا الخطاب مازال سائدا لدى أوساط سياسية اليوم، باسم العقلانية تارة والواقعية أخرى أو عدم إغضاب سادة العالم تارة ثالثة. وكان من بين ما ترتب عليه الحصول على تأييد خارجي مُزيف وغير محترِم لنا وهش، نُصوِّره للناس كعنوان لسياسة رشيدة وللاستقرار، وهو في الواقع ثمن غال نُقدِّمه في كل مرة للآخرين لتحقيق مصالحهم كل حسب موقعه وحاجته: بترولا أو غازا أو سوقا لمنتجاته أو حتى ثقافته وهيمنته في المنطقة.. كل هذا على حساب أن يمتلك بلدنا رؤية مستقلة أو مشروعا وطنيا أو أهدافا يريد تحقيقها على المدى البعيد تكون بداية حقيقية للانطلاق نحو تقدم غير مزيف. كيف لا يكون ذلك ونحن مَن كدنا نعتقد أننا لسنا في مستوى صوغ مشروع وطني بل لا حاجة لنا به لدى البعض، مادام آخرون يتكفلون بتلبية حاجاتنا ونحن جزء غير منفصل عنهم.
وتم تسقيف مطالبنا وفق هذا الأداء ضمن حدود تلبية حاجاتنا الاستهلاكية للسلع غير المُعمِّرة، وبدرجة أقل تلبية بقية متطلبات الحياة الكريمة وبخاصة الشغل والسكن.. ونتج عن ذلك أن استمر اقتصادنا تابعا وأموالنا مُحوَّلة باستمرار إلى الخارج. المهم أن يأكل الشعب ولا تحدث ندرة في المواد الاستهلاكية في السوق. أما التقدم الاقتصادي، الانطلاقة الحقيقة النابعة من الجهد الوطني الخالص التي قد تفضي إلى الانضمام إلى مستوى الدول الصاعدة، فذلك حلم بعيد المنال يمكنه الانتظار، والانتظار طويلا… وهو ما حدث وما زال يحدث إلى الآن…
فهل باستطاعتنا تغيير هذه المعادلة اليوم، بأن يُصبح لدينا مشروع وطني ونرى كيف نُجسِّده من خلال آخر المستجدات في الساحة الدولية؟ هل باستطاعتنا أن نُقنِع القوى الكبرى أن لدينا سياسة اقتصادية واجتماعية وطنية عليهم تقبلها والتعامل معها وفق ما يحقق المصالح المشتركة، بما في ذلك الأهداف التي نرمي إلى تحقيقها على الصعيد الخارجي؟
يمكننا ذلك في حالة واحدة، إذا شعر هذا الخارج القَوى أننا أصبحنا نمتلك حقيقة نظاما ديمقراطيا صلبا قائما على مؤسسات شرعية ويقوده ممثلون حقيقيون للشعب. وهي حالة بكل تأكيد لن نستطيع بلوغها هكذا بسهولة، باعتبار ما ينبغي أن يتغير تبعا لها من ممارسات ووسائل حكم بائدة مازالت إلى اليوم هي المتحكمة في أي ممارسة سياسية، مثل اختيار الرجال والنساء وفق قوالب معينة وتهميش ومَنع كل من لا تبدو عليهم علامات عدم الولاء الأعمى أو الاستعداد للقَبول بمرتبة الأسياد أو الساسة المزيفين…
ولعل الانتخابات التشريعية القادمة هي محطة أخرى تتوفر لنا لتصحيح الخطإ والتأكيد الفعلي أننا نملك مؤسسة تشريعية منتخبة وممثلة لكافة شرائح المجتمع تحظى بمصداقية في الداخل وباحترام في الخارج. فهل نفعل لتكون كذلك؟ أم سنهدر هذه الفرصة مرة أخرى كما فعلنا في السابق وتستمر الحياة؟
يبدو أن الاتجاه اليوم يسير نحو الإبقاء على الوضع القائم، يما يعني تأجيل مسألة البروز أمام العالم في ثوب البلد الذي يبني ديمقراطية حقيقية، والاستمرار في استعراض قدرة البعض على التحكم في زمام الأمور باسم انتخابات شكلية يعرف كل العالم قبلنا وأفضل منا حقيقتها. وهذا معناه أننا سنؤجل مرة أخرى، إلى أجل غير معلوم، انطلاقة حقيقية لبناء دولة عصرية تتعامل معها الأمم المتقدمة وفق قواعد التعامل الدولي المتعارف عليها بين الأمم ذات السيادة.
والنتيجة ستكون في آخر المطاف بدل الانطلاق ضمن مسار الدول القادرة في ذات الوقت على ضمان الاستقرار السياسي وتحقيق الإقلاع الاقتصادي، مثل الصين أو البرازيل أو روسيا أو كوريا الجنوبية أو جنوب إفريقيا أو الهند، أي ضمن كوكبة الدول الصاعدة في المجال الاقتصادي وتعرف استقرارا في المجال السياسي… سيبقى يُنظر إلينا على أساس أننا مازلنا ننتمي إلى ذلك النوع من الدول التي يزعم بعض أفرادها، وأحيانا فرد واحد فيها، أنهم هم مَن يجسد شعوبها، وهم مَن يعرف أحسن منها حقيقة ما تريد أو لا تريد، بل هم الشعب وهم الدولة وما على الآخرين سوى التعامل معهم على هذا الأساس…
هذه حال، ينبغي أن تتغير، إذا كنا نتطلع إلى الخروج من أسلوب عمل في المجال السياسي ما كان صالحا ذات يوم ولن يكون صالحا لبناء الأمم، ذلك أنه لم يحدث عبر التاريخ أن ارتبطت أمة بمستقبل غيرها وبنت لنفسها مستقبلا أو حققت لنفسها وجودا.. أبدا لم يحدث ذلك ولن نكون نحن الاستثناء…