هذا ما أثار استغراب الوزير رامون!
طيلة 15 شهرا من الحرب على غزّة، صدرت مئات التصريحات والمقالات التي اعترف فيها جنرالاتٌ سابقون وسياسيون ومحللون وإعلاميون وكتّاب صهاينة كبار بخسارة الحرب، وحذّروا مرارا من أنّ الاستمرار فيها يعدّ ضربا من العبث، ولا يعني سوى تراكم الخسائر البشرية والمادّية لجيش الاحتلال واقتصاد الكيان.
في الأيام الأخيرة، تزايدت هذه التقارير بشكل لافت وكادت تُجمع مجددا على هزيمة الاحتلال ولاسيما في شمال غزة؛ فبالرغم من كلّ ما يفعله هناك من تقتيل وتهجير وتجويع للسكان، وتدمير واسع للبيوت وتحويل بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا إلى أطلال، إلا أنّ المقاومة صامدة وتكبّد الاحتلال خسائر يومية فادحة، حتى إن الوزير الصهيوني السابق، حاييم رامون، كتب مقالا في صحيفة “معاريف” قال فيه إنّ الحقيقة مرّة ويجب رؤيتها كما هي؛ فهناك فشلٌ استراتيجي مدو لتل أبيب في الحرب على غزة، حماس لا تزال تسيطر على معظم الأراضي، وعلى السّكان، وعلى المساعدات الإنسانية، وتحتفظ بمائة أسير، وتستمرّ في إطلاق الصواريخ، وقتل الجنود!
وأبدى الوزير رامون استغرابه لهذه الحقيقة، فلو قيل لهم في بداية الحرب إنه بعد ثلاثة أشهر ستكون هذه هي الحقيقة، لما صدّق أحدٌ أنّ هذا قد يحدث، لكنّ الآن، وبعد 15 شهرا من القتال لم تتحقَّق أيٌّ من أهداف الحرب!
لكنّ أكثر ما أثار استغراب رامون هو أنّ جيش الاحتلال استطاع التغلّب على أعداء أقوياء، لكنّه فشل أمام أضعفهم وهو حماس، يقول: “إسرائيل ضربت حزب الله بشدّة، ودمّرت الوسائل العسكرية الرئيسة للجيش السُّوري، وقضت على نظام الدِّفاع الجوي الإيراني، وأضعفت بشكل كبير السيطرة الإيرانية على المنطقة، وهذه إنجازاتٌ استراتيجية هائلة، ولكن في غزة لا تزال حماس -وهي أضعف أعدائنا- تسيطر على معظم المناطق التي لا يتواجد فيها الجيش الإسرائيلي، وتحتجز 100 رهينة، وتنجح في إدارة القتال بشكل فعّال، وقوّتُها العسكرية لا تزال تعمل برغم الضربات القاسيّة التي تلقّتها السنة الماضية ومقتل الآلاف من عناصرها، ولا يزال بإمكانها إطلاقُ الصواريخ نحو (إسرائيل) حتى الوقت الحالي كما لو أننا لا نشنّ حربًا هناك منذ 15 شهرًا”!
وفي ضوء قدرة حماس على إعادة بناء قُدراتها بسرعة في كل مرة في كلّ منطقةِ يخرج منها جيش الاحتلال، يخلص الوزير رامون إلى أنّه لم يعد هناك أيُّ معنى للاستمرار في الحرب، والعودة إلى مناطق دخلها الجيش من قبل مرتين أو ثلاثا، لأن الجنود الصهاينة سيستمرّون في الموت في مهمّة بلا هدف استراتيجي.
ما قاله رامون، ردّده قبله الكثيرُ من الضباط الصهاينة السابقين والمحللين الذين نصحوا حكومة نتنياهو بإنهاء هذه الدوامة، وعقد صفقة تبادل أسرى، ووقف الحرب، والخروج من مستنقع غزة، لأنّ الحرب هناك تحوّلت إلى استنزاف خطير لجيش الاحتلال، حتى في المناطق التي يقول إنّه “طهّرها” من المقاومة وهجّر سكانها بعد تسوية مبانيها بالأرض مثل بيت حانون، تقع فيها عمليات مقاومة نوعية، مثلما يحدث في الأيام الأخيرة لجنود لواء “ناحال” وضبّاطه، وهو لواء نخبة فقد العشرات من جنوده في كمائن ناجحة للمقاومة في هذا الحيّ الصغير.
إذا عقد نتنياهو صفقة في السَّاعات القادمة، وأوقف الحرب، وسحب جيشه من غزة، فسيحدث ذلك بفضل الصُّمود الأسطوري للمقاومة وحدها، ولسنا سذّجا لنصدّق أنّه فعل ذلك استجابة لطلب حليفه ترامب أو “ضغوطه” المزعومة وكأنّ ترامب هذا رحيمٌ بالفلسطينيين. لقد أظهر نتنياهو الكثير من الصَّلف والغرور والغطرسة طيلة 15 شهرا من الحرب، وتوعّد بسحق حماس، والقضاء على حكمها بغزّة، وتحرير الأسرى الصهاينة بالقوّة… لكن يبدو أنّه قد اقتنع أخيرا، وبعد هذه المدّة الطويلة من الحرب، باستحالة تحقيق “النَّصر المطلق” على المقاومة وتحقيق ما وعد به، وأدرك أنّه لا مناص له من وقف الحرب لتحجيم خسائر جيشه عند هذا الحدّ، وأن يقبل السلّم الذي قدّمه له ترامب للنزول من أعلى الشجرة قبل أن يسقط وتُدكّ عظامُه.