هذه روح التضامن التي نريد
نوعية التضامن الذي يسود المجتمع هي التي تضبَط في حدودٍ كبيرة طبيعة الدولة التي ينتمي إليها، فأي نوع من التضامن قائم اليوم بيننا؟ وأي نوع ينبغي أن يكون في المستقبل لنزعم أننا بحق نسير باتجاه إقامة دولة اجتماعية كما حلم بها دوما الشعبُ الجزائري؟ هل تضامننا اليوم هو تضامن أُخوَّة قائم على وعي شعبي بحقيقة مجتمعنا المسلم مدرك لدوره في بناء الدولة؟ أم هو تضامن “موضوعي” قائم على مفاهيم مادية كما هو الشأن في المجتمعات الغربية لأجل تحقيق سلم اجتماعي وتسهيل نشاط الرأسمال؟ أم هو تضامن فردي معزول لا تحكمه سوى بعض الدوافع العاطفية بقدر حرارتها اليوم لا يُمكن الاعتماد عليها في المستقبل؟ وما الذي علينا أن نعتمده بين هذه البدائل للمستقبل؟
بلا شك إن أَشكال التضامن التي عرفتها بلادنا في المدة الأخيرة، وأشكال أخرى عرفناها في سنوات سابقة (زلازل، كوارث طبيعية، مواسم وأعياد دينية، حالات خاصة للمرض أو الفقر… الخ) جميعها تكون قد وضعتنا أما سؤال رئيس: أيّ نوع من التضامن لدينا؟ وأي فلسفة نعتمدها كخلفية له؟ وهل نسعى بالفعل إلى أن نجعل منه محورا من محاور بناء الدولة الاجتماعية؟ وإلى أي درجة نذهب في عمق معانيه؟ أم نحن نأخذه فقط كشكل أو كتقليد لا بد منه في مجتمع فيه كثير من الفوارق الاجتماعية وعانى كثيرا من المآسي خاصة أثناء وغداة العشرية السوداء؟
يبدو لي من خلال تقييم أولي لأشكال التضامن التي ما فتئت تعرفها بلادنا في المدة الأخيرة أننا لم نتمكن من إيجاد رؤية مشتركة لهذه القيمة السامية على أساس ديننا الحنيف وثقاتنا الوطنية وتاريخنا العريق، ولم نتمكن من تجسيد هذه الصورة في شكل سياسات واعية وقادرة على أن تساهم في صوغ مجتمع متماسك يكون الركيزة الأولى لبناء الدولة.
كل ما عملنا على تحقيقه هو نوعٌ من التضامن الموضوعي القائم على محاولة تصحيح بعض الاختلالات المادية التي يعرفها المجتمع من خلال توفير بعض الآليات التي تُمكِّن الأكثر حرمانا من الانتقال إلى وضعيات أكثر إنسانية (العناية بالفئات الهشّة نموذجا) أو إلى تلبية بعض الحاجات الضرورية في أوقات معينة (قفة رمضان مثال على ذلك)، وهذا يعني أننا لم نكن نعمل على علاج المرض بقدر ما كنا نُعالج أعراضه مخالفين جوهر عملية التضامن التي تقوم على أساس اقتلاع جذور الظلم ومنع تكراره في المستقبل، بالطريقة المتماشية مع خصوصيات مجتمعنا لا تلك المتماشية مع المجتمعات الغربية.
في المجتمعات الغربية، الغلبة هي لتطبيق التضامن الموضوعي (الميكانيكي) بصيغته المادية بعيدا عن الأبعاد الأخلاقية أو القيمية أو الروحية: المجتمع يعيش في بيئة واحدة ينبغي أن يتضامن لحمايتها، الرأسمالي في حاجة إلى سلم اجتماعي لتشجيع نشاطاته، ينبغي أن يتضامن مع المحرومين والفقراء حتى لا يلوِّثوا بيئة الاستثمار التي يتحرك ضمنها، السياسي يحتاج إلى استقرار اجتماعي لممارسة الحكم، عليه أن ينظر للفئات المحرومة ويسن القوانين التي تحميها لكي يوصف حُكمه بالناجح ويستمر فيه… الخ، هذا النوع من التضامن هو الذي أفرز كافة القوانين الاجتماعية المفيدة التي نعرفها اليوم، كالضمان الاجتماعي والتأمين والتقاعد… وأدى بالأوربيين إلى الرفع من قيمة التضامن في المدة الأخيرة إلى درجة المبدأ الأساسي مثله مثل الحرية، المساواة والعدالة…
يُعتَبر غير متضامن مع المجتمع كلُّ متهرِّب من الضرائب، وكل مبذِّر للثروات الوطنية، وكل من لا يقوم بعمله على أحسن وجه، وكل من لا يحترم قانون الأسعار أو قانون العمل..
إلا أنه بجانب هذه النظرة الميكانيكية إلى التضامن في هذه المجتمعات، استعادت الكنيسة دورها في هذا المجال في العقود الأخيرة، وبدأت تُعيد للتضامن ذلك البُعد الإنساني الذي أفقدته إياه المدنية الغربية المعاصرة، وبدأ يتجلى ذلك في كثير من النشاطات ذات البُعد الإنساني التي تبتعد عن تلك الميكانيكية الغربية الغالبة.
ولعلّ هذا ما جعلنا اليوم نطرح سؤالنا المركزي: ونحن، إلى أين في هذا المجال؟
بلا شك أن للأوروبيين خبرتهم، وهناك حديث عن اعتماد الصينيين والهنود والبرازيليين مقاربات خاصة في هذا المجال، وللأمريكيين أيضا سياستهم، وعلينا نحن أن نجيب بطريقة صحيحة عن هذا السؤال بعيدا عن كل انفصال عن ذاتنا الحضارية أو عن حقيقة الواقع الذي نعيش.
والبداية في تقديري ينبغي أن تبدأ بتحديد أننا ينبغي أن نستفيد من النموذج الغربي الموضوعي في نقد الواقع المُنتِج للظلم واللامساواة والتهميش والإقصاء، أن ننطلق من ذلك المفهوم الذي يُعرَف بالمسؤولية التضامنية؛ أي أن الفرد لا يتضامن مع الآخر لأنه مُخيَّر، إنما على أساس أنه يتحمَّل جزءا من المسؤولية عن الوضعية التي يوجد عليها، حيث يُعتَبر غير متضامن مع المجتمع كلُّ متهرِّب من الضرائب، وكل مبذِّر للثروات الوطنية، وكل من لا يقوم بعمله على أحسن وجه، وكل من لا يحترم قانون الأسعار أو قانون العمل… جميع هؤلاء مسؤولون تضامنيا مع الآخرين ولا يحق لهم الحديث عن التضامن ما لم يتوقفوا عن المساس بحقوق الآخرين. ولا يمكننا أن نصفهم بالمتضامنين أو بالمؤمنين بالتضامن حتى وإن ساهموا بأموالهم أو بمساعدتهم لمن يحتاجونها، ذلك أن مساهمتهم الأولى ينبغي أن تكون بالتوقف عن تلك السلوكات التي أنتجت بطريقة أو بأخرى المحتاجين إلى التضامن.
عند تجاوز هذه الحالة، وهي المَهمَّة التضامنية الأولى لمؤسَّسات الدولة، ننتقل إلى ربط هذا المفهوم بالحقيقة الاجتماعية التي نعيشها، والتي ينبغي أن تقوم على مبدأ واضح يقول: التضامن هو جزءٌ من الأخوة؛ أي هو قيمة متفرعة سامية حقا ولكنها متفرِّعة عن قيمة الأخوَّة الأعلى منها. وضمن هذا المستوى يتحوَّل تضامنُنا بالفعل إلى معناه الحقيقي المتميِّز والمتأصِّل في ثقافة الشعب ولا يضير بعد ذلك أن نستفيد من خبرة الآخرين الموضوعية، أو الميكانيكية.
اما أن نبقى ضمن الحالة التي نعيشها الآن، فإننا لا نكاد نملك إدراكا لطبيعة التضامن الذي نقوم به، هناك جهاتٌ رسمية تقوم بما تراه تضامنا من غير التفاتةٍ إلى المتسبِّبين في اللاّتضامن الحقيقي، وهناك جهاتٌ شعبية تقوم بما تراه مناسبا بدافع ديني وأخلاقي في غالب الأحيان، وفي حالات مُحدَّدة تغلب العاطفة الإنسانية على الموقف ويختلط مفهوم التضامن لدى الكثرين بمفهوم الصدقة أو فعل الخير، التي هي قيمٌ جزئية تقترب من التضامن ولكنها لا تشمله، وجميعها تتفرَّع عن الأخوَّة، القيمة الأخلاقية الأولى في المجتمعات المسلمة التي تصنع الحضارة مع العدل كقيمةٍ اجتماعية مركزية في هذه المجتمعات.
ونحن اليوم نريد أن نَضَع “التضامن” ضمن سيّاق صناعة الحضارة، لا أن نتركه فعلا فرديا يعبِّر عن ردة فعل لحظية، لا شك مفيدة ولكنها غير صانعة للفاعلية الاجتماعية، كما أننا لا نريده أن يبقى ضمن قوالبه الميكانيكية الرسمية التي تقترب من النظرة الموضوعية ـ الماديةـ للغرب التي لا تنطلق من إدراك التضامن كروح للمجتمع إنما من كونه من وسائل تمكين المتحكِّمين فيه من البقاء كذلك اقتصاديا وسياسيا، لأنهم من دونه قد يفقدون الأرضية التي يقفون عليها ولا يحققون مصالحهم.
هذه النظرة ينبغي أن تتغير، وفلسفتنا للتضامن ينبغي أن تُصحَّح إذا أردنا بناء دولة تُعبِّر بحق عن روح شعبها.