هكذا نجح سكان أفقر حي بوهران في تحقيق حلم الفنان بن زويكة
حكيم، بيبي، عبد القادر، محمد جزيرة، مراد بلحاج، نبيل، رضا، طاهيرو… هم مجموعة كان لهم شرف تبني قضية الفنان الشاب بلال بن زويكة الذي يعاني منذ سنوات من ورم خبيث على مستوى الفك السفلي، وقد عرفت قضيته التي فجَرتها جريدة الشروق التفافا شعبيا خرافيا قلّما نشاهده في أيامنا الحالية، الكل تجند لتحقيق حلم بلال في الخضوع لعملية جراحية بإحدى العيادات المتخصصة بباريس.
الشروق عادت إلى الحي العتيق الدرب بوهران لتسليط الضوء على السر الذي أنجح عملية جمع قيمة مالية معتبرة حددها الأطباء بمليار ونصف، وذلك على لسان جيران ورفقاء بلال أو كما يصطلح على تسميتهم جنود الخفاء.
أول متبرع طفل يبيع البيض الطازج في المقاهي
خلال شهادة بعض ممن واكبوا الحدث الشعبي، أكدوا أن أول من فكر في المبادرة هو المدعو حكيم، وهو جار بلال، نام بدموع الحزن والحسرة على صديقه بلال الذي استسلم للمرض الذي شوه وجهه، وقتل فيه الأمل فما كان أمامه سوى الخروج باكرا ليعلن لبعض رفاقه أنه قرر خوض غمار حملة واسعة لجمع المال، عبر كل تراب الولاية، ليكون المقر بحي الدرب الشعبي، فكان أول من تبرع بماله طفل لم يبلغ الـ12 سنة فقط، حيث يمتهن تجارة بيع البيض الطازج عبر الحانات والمقاهي، وحين سمع بالمبادرة فكر في منح كل ما يملكه للمجموعة التي قررت شراء حافظات مال حديدية، وتغليفها بصورة بلال بين الأمس واليوم. فكانت البداية مشجعة بعد التحاق المئات من المتطوعين من حي الدرب والأحياء الأخرى التي قررت المشاركة في أكبر تليطون شعبي لإنقاذ حياة بلال.
بعدها، انضم عقلاء الحي للحملة، حيث كان دورهم تنظيم انتشار جامعي المال، واختيار الأماكن بدقة حتى يتمكنوا من العودة بنتيجة مثمرة، وقد سرد لنا أحد المنظمين كيف قسموا العمل على الفرق الناشطة، فمنها من يبدأ عمله مع الثامنة صباحا، يصلون للمكتب الذي تبرع به أحد المحسنين، يحملون القنينات الحديدية، ثم ينطلقون نحو التجمعات الشعبية، والساحات العمومية، المساجد، حديقة التسلية، المطاعم، غابات الترفيه، الشواطئ، وحتى الفنادق و حلات السوبر ماركت، المهم يكون اللقاء مع غروب الشمس، ليسلموا تلك الحصالات المعدنية، ثم الانصراف للراحة لتنطلق مجددا فرق أخرى تعمل طيلة الفترة الليلية ويكون طريقها المطار أو المطاعم الليلية، المهم الأماكن التي يتواجد فيها الناس.
نساء يغزين الحافلات والترامواي والأطفال معادلة رابحة
لم تبخل النسوة عن المساهمة الفعالة في هذه المبادرة الإنسانية، بل اجتهدن في طهي الطعام، وتنظيف أماكن التجمعات التي كان حي الدرب مسرحا لها نهاية كل يوم، والأكثر من ذلك انطلقن في رحلة جمع المال عبر وسائل النقل الحافلات وقاطرات الترامواي، حيث نجحن في كسب ود الكثير من المارة وقد جمعن نصيبا معتبرا من المال حسب شهادة المنظمين، ونفس الشيء مع أطفال الحي الذين ضحوا بأموال اللمجة من اجل وضعها في صناديق التبرَع، ولعل أبرز اللحظات المؤثرة هي ما ذكرها أحد رواد الحملة، حيث ذكر أن هناك فتاة كانت مارة بالقرب من التجمع الشعبي، ولما علمت بقصة بلال نزعت سلسلتها الذهبية قائلة: “هذا ما أملكه في جعبتي، ولكن سأتصدق به، لأجل هذا الشاب الذي لا يزال في ريعان الشباب”.
في حين لفت انتباهنا قصة شاب آخر، كان مارا بالصدفة بالقرب من ساحة الدرب، فتم دعوته من باب الإحسان لتناول طبق الكسكسي الذي تم إعداده من طرف نساء الحي، ولما سمع عن حكاية بلال نزع من أصبعه خاتما من الذهب الأبيض، الذي تقدر قيمته بـ30 مليون سنتيم، راجيا من المولى ان يشفيه ويعيده لأهله سالما معافى. ولعل أكثر القصص تأثيرا حكاية طبيبة سمعت بحالة بلال عبر الفايسبوك، فما كان أمامها سوى التوجه للبنك لاستخراج راتبها الشهري الذي تبرعت به كاملا، معربة عن تضامنها المطلق مع بلال.
يحدث كل هذا بوهران التي لم يتحرك فيها أي مسؤول أو رئيس جمعية لمد يد العون لبلال ورفاقه، رغم ان مكان التجمع الشعبي لا يبعد سوى أمتار عن بلدية وهران، التي تحضَر هذه الأيام للحملة الانتخابية ومعارك الظفر بالكرسي، وقد وجه المنظمون رسالة شديدة اللهجة لبعض الجمعيات الخيرية والرياضية التي تحاول اليوم ركوب الموجة وتبني القضية، طمعا في الشهرة وهو ما رفضه بلال ورفاقه رفضا مطلقا، مؤكدين ان الحملة بدأت شعبية وستنتهي شعبية، ولا مكان للانتهازيين يقول سكان حي الدرب بوهران.
بلال بن زويكة: أشكر الجميع ولن أستسلم!
أما بخصوص بلال، فقد رحب بنا في بيته المتواضع بحي الدرب، ورغم آلام المرض والتعب، إلا انه لا يزال يملك روح الدعابة وخفة الدم، وقد شكر بالمناسبة كل من ساهم في إنجاح هذه الحملة الشعبية، معبرا عن فخره الكبير بأبناء حيه، وولايته الذين هبوا كرجل واحد لإعادة له الأمل الذي سيقوده قريبا إلى باريس للعلاج، مثمنا كل المجهودات التي يقوم بها زملاؤه الفنانون من عروض وسكاتشات تعود مداخيلها للحملة، ومؤكدا أنه ازداد قوة بفضل الهبة الشعبية لن يستسلم كما قال للمرض.