هل ضلّت الأمّة في “زكاة الفطر”؟!
مع الإعلان عن قيمة زكاة الفطر، منتصف الشهر الفضيل، حفلت مواقع التواصل الاجتماعيّ -هذا العام وككل سنة- بمنشورات ومقاطع تحرّم إخراج زكاة الفطر نقدا، وتتّهم من يختار ذلك بأنّه يخالف السنّة ويشاقّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ويحيد عن سبيل أصحابه! وقد زاد حماس بعض هؤلاء حتى قال أحدهم إنّ إخراج زكاة الفطر نقدا يعدّ مساسا بأركان الإسلام، وإنّ أئمّة المساجد يخونون الأمانة عندما يسوّغون للنّاس ما يبطل صيامهم!!!
صحيح أنّ ما قاله بعض هؤلاء المتحمّسين شذوذ لا يقبله حتّى القائلون بعدم إجزاء القيمة في زكاة الفطر، ولكنّه نتيجة غير مستغربة لمنهج “الرأي الأوحد” الذي يعرِض الأقوال المختارة على أنّها القول الفصل الذي ليس بعده إلا الجهل! والصواب المحض الذي ليس بعده إلا الخطأ المحض الذي لا يحتمل الصواب أبدا، وربّما عرض الأقوال المختارة على أنّها وحدها التي تمثل سنّة النبيّ عليه الصلاة والسلام.. فإذا انضافت إليه تلك التقريرات التي تحذّر أشدّ التحذير من مخالفة سنّة النبيّ -عليه الصّلاة والسلام- ولو كانت سنّة خفيفة لا تتعلّق بأساسيات الإسلام! كانت النتيجة حماسا فوارا يحمل صاحبه على مصادرة كلّ خلاف أقرّه العلماء قرونا متطاولة، انتصارا لظاهر حديث؛ لا يلتفت إلى مناطه ولا يرفع رأسا بفقهه وأقوال العلماء في مدلوله، بل ربّما لا يلتفت إلى عمل من نقلوا الحديث ورووه وكانوا أحرص النّاس على طاعة النبي صلّى الله عليه وسلّم.
ما زاد الطّين بلّة أنّ أكثر من يحتدّون في هذه النقاشات هم من أصحاب المستويات العلمية والدراسية المتواضعة الذين لا يعرفون للفقه طريقا ولا للفهم قيمة، ولا يحفظون لأعلام الأمّة ومجتهديها مكانة إلا من قيل لهم إنّهم “العلماء الأكابر” الذين لا يؤخذ الفقه إلا من طريقهم! هؤلاء المتحمّسون ينظرون إلى فقه الدليل على أنّه عقلانية مضلّلة واتباع للرأي والهوى! حتى إنّ أحدهم وصف مذهب جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر بإنّه “تفلسيف”! ومنهم من زعم أنّ من يقول بإجزاء القيمة يقدّم قول أبي حنيفة على قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ومنهم من ألزم من يتبنّون قول أبي حنيفة في جواز القيمة في زكاة الفطر، بأن يأخذوا بقوله في جواز نكاح المرأة من دون وليّ! وهكذا…
صحيح أنّ هناك في مقابل هؤلاء من يسفّه الرأي القائل بإخراج زكاة الفطر طعاما، ولكنّ هؤلاء قلّة قليلة وصوتهم خافت ونشاطهم باهت، في مقابل الحماس الكبير الذي يظهره أولئك المسفِّهون للرأي القائل بإجزاء القيمة؛ فهؤلاء لا ينظرون إلى القضية على أنها خلاف فقهي، بل ينظرون إليها على أنّها تمسّكٌ بالسنّة في زمن الآراء والأهواء! ولزومٌ لغرز النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في زمن الغربة! ولذلك فمن الصّعب إقناعهم بأنّ القضية لا تعدو أن تكون خلافا فقهيا سائغا، يعذر فيه المختلفون بعضهم بعضا، فضلا عن إقناعهم بأنّ الإسلام يواجه واقعا مستجدا يحتّم على الأمّة أن تتّجه إلى الآراء التي تيسّر على أتباعه ومعتنقيه، وتغري به المنصفين في هذا العالم.
العالم من حولنا يتّجه إلى رقمنة كلّ المعاملات وإلى الاستغناء عن العملات الورقية والمعدنية والاستعاضة عنها بالعملات الإلكترونية، حتى يصبح في وسع كلّ إنسان في هذا العالم أن يقتني حاجياته من أيّ مكان في هذه الأرض من دون أن يكون في حاجة إلى حمل المال في جيبه، بل تكفيه بطاقة يستعملها في المتاجر ومراكز الخدمات المختلفة.. وهذا سيحقّق لنا نحن المسلمين مقصدا مهما من مقاصد ديننا هو رفع الحرج عن الباذل والآخذ في الزكوات والصّدقات، فيمكن الغنيّ أن يوصل زكاته أو صدقته إلى الفقير من دون أن يراه أو يلتقي به أو يحرجه بطرق بابه وهو يحمل المساعدات في يديه، ويمكن الفقير أن يأخذ بطاقته -بعد أن تدخل الإعانة إلى حسابه- وينطلق إلى أيّ متجر ليقتني حاجاته من دون أن يضطر إلى طرق أبواب الجمعيات الخيرية أو حتى أن يحرج نفسه عند أبواب المساجد.
الحكمة من زكاة الفطر إغناء الفقير يوم العيد، وقديما كان الفقير يستغني يوم العيد عندما يجد طعامه وطعام أبنائه، لأنّ الحاجات الأخرى من ملبس ومسكن ودواء ووسائل نقل وطبخ يستوي فيها كلّ الناس.. أمّا حاجات الفقير التي تحرمه فرحة العيد في زماننا هذا فقد تعدّدت؛ فلو أنّه -مثلا- عجز عن دفع فاتورة الغاز، ما نفعه أن نملأ بيته سميدا وعدسا وحمصا، ولو أنّه عجز عن توفير كسوة العيد لأبنائه ما رفع عنهم الغبنَ والحسرةَ أن تمتلئ زاوية بيتهم بمختلف أنواع الأطعمة… وهكذا.
هؤلاء الذين يشتطّون في إنكار القول بإجزاء القيمة في زكاة الفطر استنادا إلى الحديث المشهور: “فرض رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين”، لا يلتفتون إلى أنّ من معاني “الطّعمة” في قواميس اللغة العربيّة “الرزق”، والعرب تقول: “فلان طيّب الطّعمة”: أي إنّ كسبه حلال.. ولا خلاف في أنّ أحبّ رزق إلى النفوس في زماننا هذا هو المال الذي أصبح عصبا للتجارة والمعاملات.
بعض هؤلاء المتحمّسين يتقدّمون خطوة إلى الأمام في الإقرار بالحكمة من إخراج زكاة الفطر، لكنّهم يعقدون مقارنات مائلة لإثبات أنّ الطّعام أنفع للفقير؛ فتجد الواحد منهم يقارن زكاة عائلة مكونة من 5 أفراد مثلا، تتنوّع بين أوزان متقاربة من السميد والعدس والحمص واللوبياء، وتتعدّى قيمتها 2500 دج، وبين زكاة عائلة أخرى من 5 أفراد تخرج قيمة، حيث تقدّر بـ600 دج فقط، وهؤلاء ينسون أنّ العائلة الأولى انتقلت من الواجب الذي هو إخراج الزكاة من غالب قوت أهل البلد (السميد) إلى التطوّع بأصناف أخرى غير واجبة، وأنّ في وسع العائلة الثانية أن تتطوّع هي الأخرى بالزيادة على المقدار الواجب من المال، فتخرج 6000 دج بدلا من 600 دينار.. هذا فضلا عن أنّ الفقير الذي تجتمع لديه موادّ غذائية قيمتها آلاف الدّنانير، لن يستفيد منها شيئا إذا كانت مصالح سونلغاز قد قطعت عنه الغاز بسبب تأخره عن تسديد الفاتورة، أو كان لا يملك الزّيت أو الطّماطم أو البصل والثّوم…
مسائل الدّين تحتاج إلى فقه ونظر، لبلوغ المقاصد السامية التي جاء الدّين لتحقيقها، وما دام في الأمّة من ينظر إلى الفقه على أنّه مخالفة للنصوص واتباع للهوى، فليس من السّهل أن تنتهي مثل هذه النقاشات، لكنّ ما يشرح الصّدر ويبهج القلب أنّ هذه النقاشات لا تكاد تجد لها أثرا في الواقع؛ فجمهور الأمّة وسوادها الأعظم يخرج زكاة فطره مالا، ولا يعنيه هذا النقاش الدائر في ساحات مواقع التواصل.. هذه الأمّة مرحومة، لذلك أوصى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بلزوم ما عليه سوادها الأعظم عند حصول الخلافات ما دام على رأي تحتمله نصوص الشرع وقواعده، قال -عليه الصّلاة والسّلام-: “لا يجمع اللهُ هذه الأمةَ على الضَّلالةِ أبدًا”، وقال: “يدُ اللهِ على الجماعةِ، فاتَّبِعوا السوادَ الأعظم”.. والأمّة عندما اتّجه سوادها الأعظم إلى العمل بالرأي القائل بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر لم تضلّ، بل هي على خير وهدى، تقتفي فيه آثار أجلّة من الصّحابة والتابعين والأئمّة المتبوعين.