الرأي

هل ماتت الأساليب البديلة لحل النزاعات؟

محمد سليم قلالة
  • 1883
  • 5

إلى حد الآن،‮ ‬مازلنا نُصر أن الأساليب الكلاسيكية وعلى رأسها العلم والنصيحة وإصلاح ذات البين،‮ ‬وغيرها لحل النزاع بين الفرقاء في‮ ‬الداخل لم تَعد مُجدية‮. ‬وأنه لا بديل عن سياسة ليّ‮ ‬الذراع والضّغط والإصرار على الموقف لكي‮ ‬يَتراجع هذا أو‮ ‬يَرضخ ذاك للآخر‮. ‬ويَصل الأمر بالبعض مِنّا إلى حد القول إن هذا الصنف من البشر المُتمسِّك بالحُكم إلى الأبد،‮ ‬لا تَنفع معه إلا القوة الخشنة لكي‮ ‬يعود إلى جادة الصواب‮…‬

هل فعلا ماتت الأساليب البديلة لحل النزاعات القائمة بيننا؟ أم نحن الذين لسنا في‮ ‬مستوى إحيائها؟

كثيرا ما سمعت هنا أو هناك عبارة تقول‮: ‬لا بديل عن القوة لإفهام هذه السلطة بأنها على خطأ،‮ ‬ولا‮ ‬يمكنها بأي‮ ‬حال من الأحوال أن تقبل بالحلول السِّلْمية لإيجاد حل للمشكلات العالقة أو للاستجابة لما تحمله الاحتجاجات الاجتماعية من مطالب،‮ ‬من التربية إلى السكن إلى المحروقات إلى الصحة،‮ ‬إلى كافة القطاعات التي‮ ‬لا شك تعرف مشكلات حادة وأحيانا مُزمنة،‮ ‬عجز المسؤولون عن إيجاد حلول لها‮. ‬وكثيرا ما كان الحِجاج بالحلول السلمية فاشلا،‮ ‬من خلال ما‮ ‬يُقدَّم من أمثلة كثيرة عن عدم استجابة أصحاب القرار للمطالب المرفوعة إلا تحت الضغط،‮ ‬وأحيانا الضغط المباشر وفي‮ ‬عمق الأزمة‮.‬

نادرا ما كانت الاستجابة للمطالب قبل أن تتحوّل بهذا الشكل أو ذاك إلى احتجاج ضاغط‮. ‬وأبدا ما كانت الاستجابة استباقية للحدث،‮ ‬أي‮ ‬قبل وقوعه بأشهر أو سنوات‮. ‬هي‮ ‬ذي‮ ‬سمة أسلوبنا في‮ ‬التعامل مع التحوّل الحادث على كافة المستويات،‮ ‬من التحول على مستوى السلطة السياسية إلى التحول على الصعيد الاجتماعي‮ ‬والثقافي‮. ‬وهذا نِتاج ضعف القدرة على الاستشراف من خلال معادلة الاستباق والاستحداث،‮ ‬ونِتاج طبيعة عَقلٍ‮ ‬مُشَكَّلٍ‮ ‬بطريقة الاستجابة فقط للضغط العنيف،‮ ‬وفي‮ ‬آخر اللحظات إن لم‮ ‬يكن في‮ ‬آخر الثواني،‮ ‬إن لم‮ ‬يكن بعد فوات الأوان‮.‬

‭‬لعلّنا اليوم نعيش هذه الحالة بطريقة أو بأخرى،‮ ‬نَنطلق من فكرة مسبقة،‮ ‬نكاد نصدّقها جميعا بأننا قوم لا نَستجيب إلا للضغط ولا تَنفع معنا إلا القوة‮. ‬السلطة تعتقد ذلك،‮ ‬والمعارضة أيضا‮. ‬السلطة تستعرض قوتها من خلال ما تَملك من أدوات قمع،‮ ‬والمعارضة من خلال ما تَملك من وسائل ضغط‮.‬

ولعلّنا اليوم نعيش هذه الحالة بطريقة أو بأخرى،‮ ‬نَنطلق من فكرة مسبقة،‮ ‬نكاد نصدّقها جميعا بأننا قوم لا نَستجيب إلا للضغط ولا تَنفع معنا إلا القوة‮. ‬السلطة تعتقد ذلك،‮ ‬والمعارضة أيضا‮. ‬السلطة تستعرض قوتها من خلال ما تَملك من أدوات قمع،‮ ‬والمعارضة من خلال ما تَملك من وسائل ضغط‮. ‬وتكاد هذه الحالة تُصبح مُسلَّمة عندنا،‮ ‬هي‮ ‬التي‮ ‬تَحكُم سلوكنا وتُوجِّه فِعلنا وتَتَحكم في‮ ‬مصيرنا،‮ ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬مازال بإمكاننا فيه أن نسأل أنفسنا ما إذا كنا بحق قد استنفدنا كافة البدائل،‮ ‬وما إذا كُنَّا قد بادرنا إلى اختبار أساليب أخرى‮ ‬غير التي‮ ‬تَعرَّفنا عليها واعتدنا على ممارستها لدفع هذا الطرف أو ذاك للاستجابة لما نَطلب ونَعتقد أنه صواب‮.‬

غالبا ما نوصد هذا الباب،‮ ‬رغم المخاطر الكثيرة التي‮ ‬نَعرف جميعا أنها تأتينا من محاولة فتح الباب الآخر أو الإبقاء عليه مفتوحا على مصراعيه‮.‬

لقد بدا لي‮ ‬أنه من السهل أن ندعو إلى مؤتمر للخبراء حول الغاز الصخري،‮ ‬يَحضره مَن مع هذا المصدر الجديد للطاقة ومن ضده،‮ ‬لينقل حوارهم على المباشر إلى الجميع،‮ ‬ويستمع الناس إليه بأذن واعية،‮ ‬وبالتفصيل المفيد‮… ‬وبدا لي‮ ‬أنه‮ ‬يمكن لكافة الجزائريين القادرين على الحديث في‮ ‬الموضوع وحتى على الاستماع حضوره وإبداء الرأي‮ ‬فيه‮… ‬وبدل أن‮ ‬يكون الموقف من الغاز الصخري‮ ‬سياسيا أو بخلفية سياسية أو مُنطلقا من حسابات ضيّقة لهذا أو ذاك،‮ ‬يكون مَبنيا على تحليل علماء جيولوجيا وطاقة وسياسة واقتصاد وبيئة واجتماع وقانون ممن‮ ‬يَعرفون بعمق الجوانب التقنية والرهانات الإستراتيجية وما‮ ‬يُحاك خلف الستار بشأن هذا الموضوع‮… ‬وإذا كانوا بحق علماء ـ ويوجد من هم كذلك فعلاـ فإنهم لن‮ ‬يُجاملوا السلطة ولا المعارضة ولن‮ ‬يتعاملوا إلا بما تُمليه الحجة العلمية والضمير الأخلاقي‮. ‬وعندها سيُصَحِّح الناس مواقفهم،‮ ‬وسيوضَع كل أمام مسؤوليته‮… ‬

لماذا لا نفعل ذلك؟ ما الذي‮ ‬يَجعلنا نمتنع عن مثل هذه الأساليب في‮ ‬التعامل مع قضايانا المختلفة؟

لعل المشكلة تكمن في‮ ‬النخبة العلمية بالأساس التي،‮ ‬إلى حد الآن،‮ ‬مازالت مُغيَّبَة عن الساحة أو تَشتغل في‮ ‬فلك السياسي‮ ‬تُبرّر سلوكه ورغباته بدل أن تَنصحه وتُوجِّهه إلى الطريق الصحيح‮.‬

بدون شك لو انعقد مؤتمر مثل هذا لوجدنا من‮ ‬يُدافع عن الغاز الصخري‮ ‬مثلا،‮ ‬أو عن هذا القرار أو ذاك بخلفية الدفاع عن السلطة أو بعض الأشخاص في‮ ‬السلطة،‮ ‬أو بخلفية تعزيز موقف المعارضة أو بعض الأشخاص في‮ ‬المعارضة،‮ ‬ولكن هناك من المختصين المخلصين الكثير من هم ليسوا مع هؤلاء أو هؤلاء،‮ ‬إنما‮ ‬يقولون رأيهم بكل موضوعية ووفق ما‮ ‬يقتضيه المنهجُ‮ ‬العلمي‮ ‬وقواعد التحليل الموضوعي‮.‬

لماذا نُلغي‮ ‬هذه الفرضية بالذات؟

وما‮ ‬ينطبق على الغاز الصخري‮ ‬ينطبق على الدستور وعلى المنظومة التربوية وعلى الشغل والسكن والصحة وغيرها‮. ‬هناك تغييبٌ‮ ‬شبه كلي‮ ‬لدور العالم والخبير،‮ ‬أو وضع في‮ ‬خدمة السياسي‮ ‬كأجير‮ ‬يُبرر،‮ ‬بدل أن‮ ‬يفسر ويوجه ويَنصح ويُوفق بين هذا وذاك لتنتصر بلاده في‮ ‬الأخير‮…‬

مقالات ذات صلة