هل نتحوّل من جيل facebook إلى جيل الـMooc؟
بقدر ما يُمكن للأنترنت أن تكون ضارة بالمجتمع بقدر ما يمكنها أن تكون العكس تماما، نحن الذين ينبغي أن نتحكّم في اختياراتنا ونُوجِّه أبناءنا إما إلى الفاسبوك أو ما شابهه أو كان أسوأ منه، أو إلى “الموك” وما شابهه أو كان أحسن منه… ذلك أنه يوجد خيطٌ رفيع بين أن تُصبح الأنترنت نعمة أو نقمة، مجرد “كليك” Clic قد يُغيِّر من مسار متتبِّع لها، من الأحسن تماما إلى الأسوأ تماما، كيف نتحكّم في هذا؟ وما الذي ينبغي أن نعمله لتوجيه الأجيال القادمة نحو ماهو أفضل في الأنترنت؟ ذلك هو السؤال، وتلك هي المعركة القادمة.
جميعُنا يعلم ما هو الفاسبوك، حتى الذين لم يُبحِروا يوما في عالم الأنترنت، يعرفون أنه أصبح جزءاً من حياة أبنائهم وبناتهم، جميعا أصبحنا نخشى هذا الوافد الجديد الذي لا طعم له ولا لون، ولا يُمكن الشعور بوجوده إلا من خلال الآثار التي يتركها على من هُم على علاقة به.. أمهات وأباء، مربّون وساسة، تجّار وخبراء تسويق، سماسرة حرب ومثيرو قلاقلٍ وفتن، دول ومؤسسات وأفراد، كلهم، أصبح فاسبوك أحد أدوات عملهم ومن بين اهتماماتهم الرئيسة لِما له من تأثير وما سيكون له، ولغيره، في المستقبل مما يُسمّى بمواقع التواصل الاجتماعي أو التضليل الاجتماعي بتعبير أكثر دقة وارتباطاً بالواقع..
هذه حقيقة أصبحت بارزة للعيان، لا تحتاج إلى دليل أو برهان، وعلينا أن نتعامل معها كما هي، ما الذي ينبغي أن نفعله؟ نفتح حربا خاسرة من البداية مع فاسبوك وتويتر وغيرهما، ونَسُنّ القوانين الرادعة للمواقع الإباحية وندخل في معركة لا نهاية لها مع الأنترنت؟ أم نسعى إلى البحث عن ذلك الوجه الآخر الإيجابي والجميل منها، الذي يُمكِّننا من التكيُّف معها أو على الأقلّ تحقيق توازن إيجابي في التعامل مع محتواها.
يمكن اعتماد الطريقتين معا (منع السلبي وقبول الإيجابي) لو كانت لدينا القدرة العلمية والتكنولوجية للوقوف في وجه الأنترنت، ذلك أن الكل يعلم أن إمكانية اختراق أيّ حواجز تضعها الحكومات أو الدول هو أمرٌ ممكن ويتحكّم فيه الأكثر تقدُّما في المجال التكنولوجي، ولا قِبل لنا حاليا بمواجهته، يبقى لنا الطريق الأقل تكلفة والأكثر واقعية أن نتعامل مع أفضل ما في الأنترنت ونُرَوِّج لذلك، ونُشجِّع أبناءنا على ذلك بدل تركهم فريسة سهلة لكل من أراد بهم شرا.
ومن بين أفضل ما في الأنترنت، هو ما قدَّمته الجامعات ومراكز البحث الأكاديمية الأمريكية سواء عن طريق ما يُعرف بأنترنت2 عالية السرعة والمتخصِّصة في الربط بين المؤسسات البحثية في هذا البلد وبقية العالم، أو عن طريق ما يُعرَف بمواقع التعليم والتدريب عن بُعد التي غالبا ما لا نعيرها أي اهتمام… ومن بين هذه المواقع ما يعرف بالـMooc (Massive open online course) التي تعني ترجمتُها العربية “الدروس الجماعية الالكترونية مفتوحة المصادر”، وهي عبارة عن تكوين مجّاني عبر الشبكة، وفي جميع التخصصات تقدمها كبرى الجامعات والمعاهد في العالم مثل هارفارد، وستانفورد، وأم أي تي، ويُشرف عليها مختصّون من كافة فروع العلم والمعرفة، ينتهي بتسليم المتعلِّم شهادة تفيد تمكنه من هذه المادة أو تلك بعد اختبار مباشر وعن بُعد، على إثر كل دورةٍ تكوينية غالبا ما تدوم بضعة أسابيع…
وإلى حد الآن هناك الملايين عبر العالم ممن يستفيدون من هذا النوع من التكوين، ويحسِّنون مستواهم المعرفي وكفاءاتهم المهنية من خلال دروس مباشرة عبر الفيديو يمكن مراجعتُها في أيِّ لحظة والتواصل مع مقدِّميها عبر الشبكة، ولا يُعَدّ هذا النوع من التكوين ترفا فكريا وبلا معنى بالنسبة لمتتبعيه، بل هو تكوينٌ جاد معترَف به من خلال المعارف الحقيقية التي يكتسبها المتكوِّن خلال مساره الدراسي على أيدي مجموعةٍ واسعة من كبار الأساتذة ذوي الشهرة العالمية الذين يصعب الاستفادة من خبرتهم أو الانتقال إليهم.
ولا يمكن اعتبار هذه التجربة سوى من إيجابيات “الأنترنت”، حيث أن الطالب الجامعي على سبيل المثال بدل أن يتخرّج بسيرة ذاتية تتضمن فقط الشهادة التي تحصل عليها خلال سنوات الدراسة، يتخرّج وبسيرته الذاتية أكثر من تكوين في مجالات محدّدة لها علاقة مباشرة بتخصصه أو مُكمِّلة له، أو في مجالات أخرى يراها عملية ويحتاجها في حياته اليومية أو هي من بين هواياته كالتصوير الفوتوغرافي أو الصيانة الالكترونية أو غيرها، خاصة وأنه يمكن أن يُسجِّل في أكثر من تكوين في آن واحد ويتابع محاضرته عبر الأنترنت مباشرة أو في الأوقات التي يراها مناسبة لبرنامجه اليومي.
وتكفي نظرة سريعة على موقع mooc-list.comلنتعرّف على كافة أنواع المحاضرات المقدّمة من قبل كبار الأساتذة في العالم، من العلوم الدقيقة والتطبيقية إلى علوم الكمبيوتر والعلوم الإنسانية إلى الفنون والآداب، وما ارتبط بها من أساليب عمل، المشكلة الوحيدة التي تعترضنا نحن الذين مازلنا نتشبّث باللغة الفرنسية هي قلة المكوِّنين بهذه اللغة وقلة التخصصات المقترَحة من خلالها، بل إن اللغة العربية تتجه نحو منافستها في هذا الميدان، حيث أن الموقع الشبيه بالـMOOC في العالم العربي ويدعى (رواق) www.rwaq.org يقدّم مجموعة أولى من الدروس في جميع التخصّصات تدلّ على إمكانية تطوّر هذا النوع من التعليم على مستوى العالم العربي إذا ما وجد الدعم الملائم، أما أهمّ ما يمكن الاستفادة منه من هذه الطريقة في التكوين فلا يُقدّم إلا باللغة الانجليزية، مما يجعل مطلب الانتقال إليها وتحسين مستوانا فيها أمرا في غاية الأهمية بالنسبة للمستقبل من الناحية العملية، ولا علاقة لذلك بالموقف من هذه اللغة أو تلك، باعتبار أن الفعالية هي المقياس اليوم عند الاختيار بين اللغات إلى جانب التمسك بالهُوية والانتماء، وفي الحالتين فإن خيار اللغة الفرنسية غير تنافسي في بلادنا ولا يزيدنا إلا ابتعادا عن هويتنا الوطنية، أي أنه خيار غير عملي بكل المقاييس، إلا إذا كان مفروضا فرضا لأسباب سياسية وإيديولوجية…
هذا الجانب في “الأنترنت” يدفعنا إلى ضرورة التفكير مستقبلا في أساليب تمكين الجيل المستخدِم لها على نطاق واسع من التعرّف على باقي ما تقدِّمه إلى جانب ما يُعرف بمواقع التضليل والتخدير الاجتماعيين التي كادت تُصبح هي المرادفة للأنترنت في بلادنا، وما اعتبار الخبراء أن أكثر من 80 بالمائة من اتصالاتنا عبر هذه الشبكة تتجه نحو فايسبوك، إلا ناقوس خطر ينبغي أن ندقّه إذا أردنا أن نتحوّل من جيل الفايسبوك إلى جيل الموك، وإن كانا معا من غير صُنعنا…