همّ يضحك وهمّ يبكي !
رحيل الفنان الكبير أرزقي رابح أو أبو جمال، أو كما يعرفه مشاهد زمن الضحك الجميل “وليد وردية”، يستدعي دون شك وقفة جديدة، بعد رحيل العشرات من أولئك الذين صنعوا أمجاد السينما والمسرح والفن الجزائري، وليس هنا المقام للتقييم والإحصاء والجرد، ولكن للتساؤل بكلّ براعة: هل هناك خلف لهذا النوع من النجوم؟
من منّا ينسى المفتش الطاهر، و”لابرانتي”، و”بوبقرة”، و”علي موت واقف”؟.. من منّا يتناسى وردية و”عايش بـ 12″، ورويشد أو “حسان طيرو”، و”قريقش”، و”حديدوان”.. من منا بإمكانه أن يتجاهل عثمان عريوات و”رميمز” و”ما ما مسعودة” ونجوم “أعصاب وأوتار” و”بلا حدود” و”ثلاثي الأمجاد”.. والقائمة طويلة لجيل و”جيش” من الفنانين الذين ماتوا أو مازالوا على قلتهم من الأحياء.
مصيبة الجيل الجديد، أنه لا يعرف الكثير عن تلك الواجهة الجميلة، لسينما كانت اللون الأبيض للبلاد والعباد، وكانت المسوّق البارع لكلّ ما هو جميل في هذا البلد، والمثير إنه رغم الظروف الاجتماعية الصعبة، خلال تلك السنوات، إلاّ إن أولئك نجحوا في الترويج للأمل والتفاؤل بمشاهد من الضحك والابتسامة، بما حارب تسلل اليأس إلى النفوس !
مهما تابع الواحد منا فيلم “عطلة المفتش الطاهر”، أو “كرنفال في دشرة”، أو “الطاكسي المخفي”، أو “العفيون والعصا”، أو “حسان النية” أو “حسان طاكسي”، أو “رحلة شويطر”، أو “الشيخ بوعمامة”، وغيرها من الروائع السينمائية، فإنه لن بكره المتابعة، بل سيكتشف في كلّ إعادة إفادة، وسيقف في كلّ مرّة على اكتشاف جديد لم ينتبه له في المشاهدات السابقة !
هو الإبداع يتكلم، والابتكار يتفنن في تذويق الناس كلّ ما هو حلو ولو كان في أغلب الأحيان بنكهة “الدفلة” ضمن محاكاة الواقع المعاش، ولا أعتقد إن هناك من المبدعين اليوم، باستثناء قلتهم القليلة، بمقدورها إن تجمع العائلة بلا خجل أو هبل، مثلما جمعها هؤلاء الكبار !
للأسف، فإن هذه القلة، إمّا إنها عايشت أولئك “المخترعين”، أو أنها تتلمذت على مدرستهم ومنهجهم الجزائري، ولذلك مازالت تحافظ إلى اليوم على الحدّ الأدنى من “براعة الاختراع”، لكن يؤلمنا جميعا، ونحن نرى صناع الضحك يرحلون في صمت، الواحد تلوى الآخر، وهذه دون شك سنة الحياة ومشيئة الله، لكن ماذا أعطينا نحن لأولئك؟ من أضحكهم بعدما أضحكونا؟ هل نتذكر اليوم عائلاتهم؟ بل هل نتذكرهم على الأقل بالدعاء والرحمة؟