وحدة الموقف وتعدد المواقع
كما كان منتظرا، ولمدة شهر من الاستنفار الأقصى في الكيان، وبعد تضعضع في المقدرات الاقتصادية والنفسية والسياسية، جاء ردّ حزب الله من جنوب لبنان باتجاه شمال الأراضي المحتلة والجولان، وصولا إلى تخوم عاصمة الكيان: مركز العمليات، ونقطة الاستهداف المركزية: العقل المدبر لعملية الاغتيالات والتجسس التابع للمخابرات العسكرية للعدوّ.
كثير من اللغط والادِّعاءات الكاذبة، روِّجت بعد الرد في وسائل الإعلام الصهيونية ومن أعلى قيادة، طالبا من وزراء كيانه عدم الإدلاء بأي تصريح بشأن العملية. ادِّعاءات كاذبة رُوِّجت لتبريد الساحة الداخلية، سرعان ما بدأت “تتعقّل” إثر ما سمّاه الكيان “الضربة الاستباقية” وأن جيشه “دمَّر آلاف الصواريخ المُعَدَّة للإطلاق على عاصمة الكيان، وأن الرد قد أحبِط ودمِّرت ترسانة حزب الله من الصواريخ”، وما إلى ذلك من سردية ظهرت فارغة. سقفٌ بدأ في الانخفاض بعدما انقشعت الغيوم وتحدّث حسن نصر الله بالتفصيل عن العملية تحضيرا وتنفيذا ونتائج.
كان ردا أوليا، وترك الباب مواربا ليعلن الكيان عن خسائره، إذ إنه على ضوء النتائج، يبنى حق الرد للمرحلة الثالثة وهي مرحلة استكمال المرحلة الثانية التي أعقبت مباشرة مرحلة إشغال منظومة الاعتراض.
في هذه الأثناء، يزداد الضغط الداخلي في الكيان من أجل المضي في توقيع صفقة تبادل الأسرى وإنهاء العدوان، ويزداد معها تودُّد الإدارة الأمريكية الشريك في جرائم الكيان، محاوِلة تليين موقف نتنياهو في مسألة التواجد العسكري للكيان في محور صلاح الدين ومحور نتساريم: مواقف وألاعيب خوفا من الانتحار السياسي لحكومته. يستمرّ رئيس وزراء الكيان في انتهاج نهج المماطلة والتهرب واللعب على الجزئيات، لكن هذا في ظل ضغوط قصوى للرد الإيراني القادم، ورد باقي محور المقاومة، التي تعمل على تحضير هذا الرد بما لا يُفشل مهمة القاهرة، ولكن أيضا بما يزيد من خسائر العدو خلال مرحلة الانتظار: قببٌ حديدية ومقالع وحيطان، مستنفرة إلى أقصى درجة وخسائر بملايين الدولارات تصرفها له بسخاء الولايات المتحدة لضمان “أمنه” على حساب أمن الشعب الفلسطيني وبقية شعوب المنطقة: حاملات طائرات، غوّاصات، قواعد، وانتشار عسكري غير مسبوق في المنطقة، في محاولة لردع محور المقاومة عن الرد، والدفاع عن الربيب الصهيوني على الأقل، من دون الوصول إلى المشاركة في الهجوم. تحركاتٌ محمومة للجم إيران على عدم التصعيد، الذي يفيد بعدم الرد أصلا، والسكوت وتقبُّل الضربات في صمت، أو في أسوإ الأحوال، ردّ غير تصعيدي، رمزي، يحفظ ماء الوجه. وهذا ما ترفضه إيران وتحضّر ردَّها على نار هادئة، إمعانا في زيادة تكلفة الضغط النفسي والاقتصادي على الكيان وحلفائه، لكون القضية قضية ردع العدو مستقبلا.
في خضمّ كل هذه الحمى القاتلة للإجرام الصهيوني المدعوم من أكبر دولة حليفة وداعمة ومشارِكة، وأيضا من طرف العالم الغربي الحليف الاستعماري التاريخي، تواصل المقاومة الفلسطينية في غزة وفي الضفة تكبيد العدوّ الخسائر المتلاحقة، فيما يمعن الكيان ويتمادى في التهجير والتقتيل العشوائي، استجابة لأوامر السياسي اليائسة في القضاء على المقاومة. رهان بائس ويائس في البحث عن حل يبقي رئيس وزراء الكيان وحكومته اليمينية الفاشية في السلطة، عوضا عن الانتحار والانهيار، وما يليها من تبعات محاكمات في حق رئيس وزرائه.
في خضمّ كل هذا، تتماهى الخطب والخطابات السياسية الجزائرية الداخلية في ما يتعلق بالسياسة الخارجية وعلى رأسها القضية الفلسطينية: ثلاثة مترشحين لرئاسية 7 سبتمبر، يجمعهم خطاب واحد مساند بلا هوادة للقضية الفلسطينية وفي المحافل الدولية وميدانيا، من خلال تقديم كل أشكال الدعم المتاحة، في ظل الأوضاع المرة.