وحدها فوهة البندقيّة من يحرّك التّأْريخ
يقول المثل الألماني: “… إذا أردت السّلام الطّويل جهّز مدافعك للحرب”. ذلك ما اشتغلت عليه الأمم عبر التاريخ، عند الاستشعار بخطر قد يهدّد أمنها القومي، أو عند وضع يُحدق بوجودها ككيان. ذلك حال الصّهاينة منذ أن مكّنتهم بريطانيا وبعدها أمريكا من جزّ عنق الوطن الفلسطيني، متدثّرين بخرافات توراتيّة في تملّكهم لأرض فلسطين كلّها، ولم يلقوا البندقيّة مذاك إلى اليوم.
وبفعل ذلك، أصبح صاحب الوطن المغتصَب، لا يواجه مُستعمِرًا فحسب، بل يُنكر وجود شعب فلسطيني، بل حتّى كشريك في هذا الوطن؛ لأنّ الفكرة الصهيونيّة كإيديولوجيا دينيّة، لا تكتفي بجغرافية فلسطين، بل تعتبر ما تحقّق مجرّد خطوة أولى في طريق “إسرائيل الكبرى”، وهو الحلم الذي تشاركهم فيه أمريكا بخاصّة، كونهما صنوان في طريقة نشأتهما، وهو اغتصاب أوطان باستعمال القوّة والإبادة. وبذلك، غدا أصحاب الوطن الشّرعيون؛ في قبضة كيان مارق، يتعامل مع القانون الدولي بازدراء منذ قيامه، ويمتهن ضرب الأحكام الدولية عرض الحائط؛ فهو لا يعترف بمواثيق ولا معاهدات، كونه محميّا بفيتو مثيله المجرم الذي ساهم في اختلاقه. وفي ظلّ ذلك، تاه شعب فلسطين وتعذّب وتشرّد واضْطُهِد في المنافي البعيدة والقريبة منذ أزيد من 75 عاما.
إنّ ما تُؤاخذ عليه المقاومة -ظاهريّا- أنّها لم تستشر الشّعب الفلسطيني في ما أقدمت عليه سابقا، أو في السابع من أكتوبر 2023، وتتحمّل وزر الضحايا والدّمار جرّاء ذلك، بينما لا أحد حمّل “فتح” مسؤولية ضياع أراضي فلسطين بعد هزيمة 1967م. ثمّ، هل اسْتُشير الشّعب الفلسطيني عند الإقدام على خطيئة “أوسلو” 1993؟
لقد حاولت حركة التحرير الفلسطينيّة ما بين (1965-1987م) مقارعة صَلف هذا الكيان وإجرامه، تحت شعار “هويّتي بندقيّتي” وذلك في الضفّة الغربية، ثمّ انطلاقا من الأردن ولبنان. لكن، ما ميّز الحركة، هو عدم الاستمراريّة، ربّما لظرف أو عائق أو بصيص أمل سُوّق من أولئك الذين من شيمهم نكث العهود. وقد كان لهم في الثورة الجزائرية أسوةٌ، في مواجهة أوحش استعمار، وطُرحت عليها فكرة “سلم الشّجعان” أي إلقاء السلاح، ثمّ التفاوض، لكن الثورة، كانت تعي بأنّ البندقيّة تزرع والمفاوضات تحصد.
قد يُقال إنّ حالة الثورة الجزائريّة جاءت في خضمّ موجة حركات التحرّر يومها، وفي ظلّ توازن دوليّ مُواتٍ ودعم عربيّ. ولا ننسى أنّ حركة التحرّر الفلسطينيّة، تزامنت أيضا مع الوضع الدولي نفسه، ودعم عربيّ أيضا، استمرّ حتّى ما بعد “كامب ديفد” 1979م. وهنا، ينبغي التذكير بتجربة شعب جنوب إفريقيا، الذي كانت انتفاضته الأولى العام 1789 ضدّ هولندا، وخاض حروبا على مدى قرن ضدّ المستعمر البريطاني الذي بدأ العام 1806م، وتوقّف العام 1906، ليعود إلى الكفاح العام 1948م ضدّ الميز العنصري -عام يتزامن مع نكبة فلسطين- وحقّق استقلاله العام 1994م – وجَرّمَ الفلسطينيّون استعمال البندقية في العام نفسه – وقد جرّب شعب جنوب إفريقيا النّضال السلمي احتذاء بنموذج غاندي في الهند، ولولا عودته إلى الفعل الثوري لما استجاب الغرب له. ومن ثمّ، لِمَ تُلامُ المقاومة في فلسطين، وهي تسير في هذا الاتّجاه؟
إنّ ما تُؤاخذ عليه المقاومة -ظاهريّا- أنّها لم تستشر الشّعب الفلسطيني في ما أقدمت عليه سابقا، أو في السابع من أكتوبر 2023، وتتحمّل وزر الضحايا والدّمار جرّاء ذلك، بينما لا أحد حمّل “فتح” مسؤولية ضياع أراضي فلسطين بعد هزيمة 1967م. ثمّ، هل اسْتُشير الشّعب الفلسطيني عند الإقدام على خطيئة “أوسلو” 1993؟
أحد كبار المستشارين في سلطة رام الله هاجم “حماس” بقوله: ” إنّ كيان “حماس” الذي أصرُّ وأقول إنّ إنهاء حكمه لقطاع غزّة هو فريضة شرعيّة وضرورة وطنية، ولا بدّ أن نُحرّر غزّة من “حماس”، وستعود إلى أهلها بعد أن يتخلّصوا من هذا العار، وهذا الدّمار الذي جلبته، وأقول هذا وليغضب من يغضب، إنّ حماس أصبحت أداة رخيصة في يد إسرائيل وأمريكا”؟!
إنّ من أقْدَمَ على هذه الخطيئة، طيف ينتمي إلى “فتح” الذي كان منضويّا في مرحلة ما تحت جماعة “هويّتي بندقيّتي”، لكن بفعل فاعل؟ راح هذا الطّيف يتقمّص هويّة جديدة اسمها “هويّتي التفاوض” ورأى فيه خيارا وحيدا مُتاحًا؛ يستدعي فقط ترضيّة “المجتمع الدّولي” حامي حمى الكيان، وما لا يُحقَّق في جولة، يتحقّق بالتّنازل في ما يليها من جولات، وما لا يُقبل اليوم، سيُقبل أسوأ منه غدا، وهكذا دواليك. وبفضل “هويّتي التّفاوض” تحقّق المزيد من تعميق الاحتلال في الضفّة الغربية من خلال مضاعفة الاستيطان، وتقطيع أوصالها وعزل القدس وضمّها والمُضيّ في تهويدها وطرد ساكنتها من جهة، كما رفع الكيان لاءاته الثلاثة -كما رفعها العرب سابقا- لا اعتراف بحقّ تقرير المصير للفلسطينيّين، ولا لتحرير أرضهم، ولا لإقامة دولة مستقلّة ذات سيادة، ويكفي الاعتراف بمنظّمة التحرير كممثّل للشّعب الفلسطيني، ما دام طيف “الهويّة الجديدة” فيها يندّد بـ”إرهاب” المقاومة ويتبرّأ من أصحابها.
أمام هذا الطّيف، ارتأت أطياف من الفلسطينيّين، من منطلق وطني قيميّ مُرسّخٍ بمفاهيم الوحدة والصّمود والمقاومة ورفض الظّلم والخنوع، أنّه لا مندوحة عن فوهة البندقية لمقارعة الكيان حتى التّحرير، وليس التّلهي في ردهات كواليس المفاوضات العقيمة. وظهرت على الساحة الفلسطينية العديد من الفصائل، مثل كتائب “شهداء الأقصى” و”ألويّة الناصر صلاح الدين” وكتائب المقاومة الوطنية الفلسطينية” و”كتائب الشهيد أبو علي مصطفى” وغيرها، وقد تصدّرت هذه الفصائل، حركتَا “حماس” و”الجهاد الإسلامي”.
كان نشاط المقاومة، على أرض فلسطين عموما، ولا يزال. لكن، تبقى”غزّة” هي قلعة الصّمود؛ ذلك ما يشي به استحضار ومضة من تاريخها؛ إذ كانت أوّل منطقة دخلها العرب في فتوحهم لفلسطين، العام 634 م. وحين سقطت بأيدي الصّليبيّين في العام 1101م، تمّ استعادتها على يد “صلاح الدين الأيوبي” في معركة “حِطّين” العام 1187م. وحين استولى عليها المغول العام 1260م، تمّ استردادها بعد معركة “عين جالوت” في العام نفسه. ثمّ خضعت كغيرها من المدن العربية إلى العثمانيّين عقب هزيمة المماليك في معركة “مرج دابق” العام 1516م. وقد استولى عليها الفرنسيّون في فيفري 1799م في خضمّ حملة “نابليون” على مصر، وتمّ طردهم منها في أكتوبر 1831م على يد ابن “محمد علي باشا”، الذي انسحب منها لتعود للعثمانيّين العام 1841م.
في خضمّ الحرب العالمية الأولى، سقطت غزّة في يد القوّات البريطانية بعد خوضها لثلاثة معارك كان آخرها في أكتوبر 1917م، وبسقوطها بات الطريق إلى القدس مفتوحا، وأصبحت غزّة جزءا من الانتداب البريطاني على فلسطين. وبعد هزيمة 1967م أصبحت في قبضة الكيان الصّهيوني طيلة 27 عاما تقريبا، وانسحب منها في أوت 2005م في عهد السفّاح “شارون” وبقيت محاصرة، برّا وبحرا وجوّا إلى حدّ الساعة.
إنّ غزّة اليوم، صورة عن غزّة الأمس، فمنذ 33 عاما على الأقلّ، وهي على النهج نفسه؛ فقد شهدت اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى العام 1987م، وعلى الرّغم من أنّ الانتفاضة لم تُهزَم بأيّ شكلٍ من الأشكال، فإنّها وجدت نفسها في متاهةٍ سياسيّة، وهي عمليّة المفاوضات، في مدريد 30/10/1991م، وتوقيع اتّفاق في 13/09/1993، الذي وضع حدّا رسميّا للانتفاضة. وبعدها جاءت انتفاضة الأقصى (2000ـ-2005) وقد تميّزت بكثرة المواجهات وتصاعد وتيرة الأعمال العسكرية بين المقاومة وجيش الاحتلال، وتطوّرا في أدوات المقاومة، إذ تمكّنت من تصنيع “صواريخ” لضرب مدن وبلدات الكيان، ونجم عن المقاومة مصرع نحو 1040 صهيوني (عسكريين ومدنيين) وتوقّفت الانتفاضة في 08/02/2005 عقب اتفاق هدنة بين الكيان وسلطة رام الله في قمّة “شرم الشيخ”، وصرّح أثناءها رئيس السلطة محمود عباس، قائلا: “… إنّ الهدوء الذي ستشهده أراضينا ابتداء من اليوم، هو بداية لحقبة جديدة للسلام والأمل”. وردّت فصائل المقاومة الفلسطينية على ذلك:”… أنّ وقف العمليات العسكرية المتبادل لا يعبِّر إلّا عن موقف السلطة، وأنّه لا هدنة مع الكيان من دون “ثمن حقيقي”.
هذا المخبول نسي أنّ تحرير الأوطان وحريّة وكرامة الشّعوب لا يُقدَّر بثمن ولا بطول مدّة. ولا همّ له سوى تقديم ولاء الطّاعة للصهاينة، ولا يُدرك أنّه بلغ مرحلة المسخ العاطفي تماما؛ إذ أصبح قلمه يكتب بلا شعور، حتى ولو كان عزفا نشازا، أو زُعاقا أشبه بالنّعيق، وهناك كُثْرٌ من طينته في زمن انقلبت فيه المفاهيم والقيم.
كان من تمظهرات الحقبة الجديدة للسّلام والأمل، شنّ الكيان لحملة عسكريّة على غزّة تحت مسمّى “عمليّة الرصاص المصبوب” في 2008م، وكان الردّ من كتائب القسام تحت اسم “معركة الفرقان”. ثمّ عمليّة “عامود السحاب” العام 2012، وقابلتها المقاومة بمعركة “حجارة السجيل” ثمّ عمليّة “الجرف الصامد” في 2014، وجوبهت من كتائب القسام “وسرايا القدس” باسم “العصف المأكول” و”البنيان المرصوص” على التوالي. وتلا ذلك معركة “صيحة الفجر”، العام 2019م، ومعركة “سيف القدس” العام 2021م، و”وحدة الساحات” العام 2022م، إلى أن جاء زلزال السّابع من أكتوبر الذي عُدّ ملحمة التّنكيل بالكيان المحتلّ.
من ثمّ، كانت غزّة ولا تزال على الدّرب؛ وتُثبت بأنّ فلسطين بثوابتها من أرضٍ وإنسان، أمانة، وأنّ العدوّ لا يفهم سوى منطق القوّة، واستمرار عدوانه لن يكسر إرادتها التي تجليها ساحات القتال، التي كشفت هشاشة جيش العدوّ، بل وأبانت استمراريّة التّواطؤ العربي الذي مكّن العدوّ من فلسطين بالأمس، ولا يزال هذا الصّنيع في الرّاهن، وبشكل أكثر نذالة، والدّافع واحد بالأمس كما اليوم، عربون الاحتفاظ و/أو المسعى إلى التربّع على إمارة و/أو عرش مملكة، وفي ذلك تنافس المتنافسون ببرنامج محوره الأساس مقدار الاصطفاف مع أمريكا، ومع الكيان، لكن على المكشوف في السّلم والحرب، وإلاّ يصدح الكيان بالمستور.
لكن، هناك أقلام، لا تبالي بهذا الانحدار، بل، توجّه سهامها للمقاومة، وتقلّل من شأن حروبها مع الكيان، إذ كتبت إحداها:”… لقد ذهب ضحيّة حرب 2008، التي استمرت 23 يوما، 1436 فلسطيني، مقابل مصرع 13 إسرائيليا. وفي 2012، كان عدد الضحايا 155 فلسطيني مقابل 3 إسرائيليين خلال ثمانية أيام. وفي 2014، بلغ عدد الضحايا 2174 فلسطيني مقابل 70 إسرائيليا خلال 50 يوما، وفي حرب صيف 2021، قُتل 243 فلسطيني مقابل 12 إسرائيليا، وأدّت حرب 2022 إلى مقتل 44 فلسطينيا من دون أي خسارة إسرائيلية.
هذا المخبول لم يستعمل كلمة شهيد البتّة، بل، قتيل، مصرع، ضحيّة، ثمّ، ينسى أنّ تحرير الأوطان وحريّة وكرامة الشّعوب لا يُقدَّر بثمن ولا بطول مدّة. وبات يرى ما يراه الصهاينة “إنّ روح المقاومة ما هيّ إلّا حركات عنف وإرهاب”، ولا همّ له سوى تقديم ولاء الطّاعة للصهاينة، ولا يُدرك أنّه بلغ مرحلة المسخ العاطفي تماما؛ إذ أصبح قلمه يكتب بلا شعور، حتى ولو كان عزفا نشازا، أو زُعاقا أشبه بالنّعيق، وهناك كُثْرٌ من طينته في زمن انقلبت فيه المفاهيم والقيم.
هذا التوجّه، لا ينسحب على أصحاب الأقلام فقط، بل طال، على سبيل المثال، أحد كبار المستشارين في سلطة رام الله الذي هاجم “حماس” بقوله: ” إنّ كيان حماس الذي أصرُّ وأقول إنّ إنهاء حكمه لقطاع غزّة هو فريضة شرعيّة وضرورة وطنية، ولا بدّ أن نُحرّر غزّة من “حماس”، وستعود إلى أهلها بعد أن يتخلّصوا من هذا العار، وهذا الدّمار الذي جلبته، وأقول هذا وليغضب من يغضب، إنّ حماس أصبحت أداة رخيصة في يد إسرائيل وأمريكا”؟!
رمتني بدائها وانسلّت.. إنّها قمّة الوقاحة
وفي تصريح آخر لهذا المستشار، لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” بتاريخ 08/12/2023م، قال إنّ رئيسه محمود عباس: “… أدان حركة “حماس” في كلّ مكالمة واجتماع عقده مع قادة العالم منذ عمليّة “طوفان الأقصى”، لكنّه لن يفعل ذلك عَلَنًا بينما الحرب مستمرّة في غزّة”.
لا تعجب، فتلك مرجعيّة عَبَدةُ التّفاوض، وأنظمة انبثقت عن “سايكس/ بيكو وحلف بغداد… وهي التي قادت القضيّة إلى مآل لا يسرّ أخا ولا يغيظ عدوّا؛ إذ بلغ الأمر حدّ العمل جنبا إلى جنب مع الكيان لتصفيّة القضيّة، تحت رداء التفاوض، والشرعيّة الدوليّة وتطبيق القرارات الأمميّة التي داس عليها الكيان منذ زمن بعيد، والدّعوة إلى تطبيق سراب ما نصّ عليه “أوسلو”، الذي بموجبه، تحوّلت فلسطين من قضيّة تحرّر وطنيّ، إلى خلاف بين كيانين مُستعمِرٌ ومستعمَرٍ، وتلك حتميّة لأُفول فوهة البندقيّة.
أخيرا، فإنّ الشّعب الفلسطيني بات بين نارين، نار أعدائه الصهاينة، ونار بني وطنه، إمّا التسليم بواقعه المرير، أو القتل والمطارَدة والاعتقال، من هؤلاء وأولئك، حتّى ينعم الكيان بالسّلم، ويفوز أصحابُ الهويّة الجديدة بــ”الفردوس الأرضي” بفضل “الإدمان على التفاوض” كما فاز سابقا العاكفون على “سوف” من قبل، أمّا الوطن، فليذهب إلى الجحيم. وهنا، أستسمج الشاعر أبا الطيب المتنبّي لأنسج على منواله:
تمنّيت لو لم أبْقَ إلى زمنٍ تُـقايَضُ فيه أوطـانٌ وتُلعَنْ مغاويرُ
للمقال مراجع