..وماذا عن “رياضة” الغشّ في الانتخابات؟
لا نختلف مع الوزير الأول، عبد المالك سلال، حينما يقول إن الغش قد تفشى في مختلف القطاعات؛ فقد استشرت هذه الآفة على نطاق واسع وأصبحت فعلاً “رياضة وطنية” كما وصفها أحمد أويحيى، لا يتورَّع عن ممارستها سوى ثُلة من النزهاء المتعففين..
لكننا نختلف مع السيد سلال حينما يعتبر، ضمنيا، الغشَّ في التعليم هو أكثر أنواعه خطورة على استقرار الدولة والمجتمع: “الغش مسّ الكثير من القطاعات، لكننا نعيش اليوم غشا في قطاع التربية والعلوم، وهو أمرٌ غير مقبول، والحكومة ستكون صارمة في محاربة الغش في قطاع التربية؛ لأن المساس بقيمة العلم والمعرفة وتربية أبناء الجزائر هو انهيارٌ للمجتمع ومساس بالأمن القومي وزعزعة للاستقرار”.
لا شكّ أن ما حدث في البكالوريا، أمرٌ غير مقبول ولا يمكن التسامحُ معه، ويجب معاقبة مسرِّبي الأسئلة بصرامة حفاظاً على مصداقية هذا الامتحان وهيبته، وهذا ما يطالب به الجميع، ولكنه ليس أخطرَ أنواع الغش على البلد والمجتمع، بل إنه لا يكاد يُذكر مع الغش السياسي الحاصل منذ 54 سنة كاملة في البلد.
منذ الاستقلال والسلطة تغشّ في الانتخابات وتزوّر نتائجَها باستمرار قصد البقاء في الحكم والخلود فيه على حساب ملايين الناخبين الجزائريين، ثم تطوّرت أساليب الغش خلال التعدُّدية، وأصبحت السلطة “تتفنّن” في توزيع الكوطات على الأحزاب مع منح الأغلبية دائما لحزبيها المدلَّلين. وكانت نتيجة هذه “الرياضة” التي تمارسها السلطة في كل موعد انتخابي أن انتاب اليأس ملايين الجزائريين من إمكانية احترام إرادتهم، فاستقالوا من الانتخابات، وتكرّست الشمولية، وعشّش الفساد بشكل غير مسبوق، وأضاع على البلاد فرصاً كثيرة للتنمية والخروج من التخلف وبناء اقتصاد منتِج متنوِّع المصادر برغم ما جنته من مداخيل هائلة للنفط.. وخلال أول هزة اقتصادية انهارَ كل شيء وبدأت السلطة تلجأ إلى جيوب المواطنين لسدّ عجز الخزينة، عبر رفع الأسعار والضرائب والرسوم المختلفة وصولاً إلى إلغاء التقاعد دون اشتراط السنّ… ما ضاعف الاحتقان الشعبي وغليان الجبهة الاجتماعية.. أليست نتائجُ الغش السياسي إذن أخطر على البلاد واستقرارها وأمنها من الغشّ في البكالوريا؟
الغش في البكالوريا حالة عابرة، وأضرارُه محدودة ويمكن معالجتُها، وقد لا تتكرر إذا اتخذت الحكومة احتياطاتِها اللازمة مستقبلاً، ولكن الغش في السياسة وتزوير نتائج الانتخابات ليس حالة عرضية عابرة، فهو قائم منذ عام 1962، ونتائجه ماثلة للعيان مع نظام يحتكر الحكم منذ 54 سنة كاملة ويرفض أيّ تغيير سلمي ديمقراطي سلِس يخضع للإرادة الشعبية وحدها، ما يعرّض البلادَ للمزيد من الأزمات السياسية والاجتماعية، فكيف يتحدّث الوزيرُ الأول عن كون الغش في البكالوريا “يزعزع استقرار البلد والمجتمع”، مع أنه حالة عابرة، ويتناسى الكوارث التي يجلبها للبلد الغشُّ “المُزمن” في نتائج الانتخابات؟!
وإذا أمكنَ معالجة الغش في البكالوريا بسهولة من خلال إعادتها جزئياً، فإن معالجة الغشّ المُزمن في الانتخابات متعذّر، والسبب واضحٌ للعيان؛ فـ”اللعاب حميدة” هو نفسه “الرشام حميدة”!