يحيى ابن عبد المعطي الزواوي
من فضل الله – عز وجل – أن يسيّر عبدا من عباده ويكرمه بحضور مجالس الخير، التي لا يحضرها شياطين الإنس والجن، فتذكره تلك المجالس الطيبة بما سماه الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي – رحمه الله، وغفر له – “اليقينيات الكبرى” التي يغفل عنها الذين ألهاهم التكاثر والتفاخر الكاذب، وسلكهم الشيطان في جنده، وسخرهم لإشاعة الفواحش والمنكرات..
وقد تشرفت يوم الجمعة الماضي بحضور مجلس من مجالس الخير في مسجد عبد القادر حدوث بمدينة البليدة، لإجازة قارئين جديدين أكرمهما الله – عز وجل- إذ سلكهما في جنوده، بل في أهله وخاصته كما جاء في حديث سيدنا محمد – عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
كان أول المجازين هو الأخ فيصل طهراوي، وقد أجازه الأستاذ المقرئ عبد الكريم حمادوش، وكان ثاني المجازين هو الأخ إبراهيم داهل، وقد أجازه الأستاذ المقرئ خالد درباني.. فهنيئا للمجازين وللمجيزين، وندعو الله لهم ولنا بالمزيد من هذا الخير.
لقد شهد هذا المجلس المبارك طائفة من أهل الفضل، منهم الأخ سفيان جعلول، الذي سألني في نهاية هذا المجلس عن ألفية ابن المعطي إن كانت طبعت أم ما تزال مخطوطة؟
استحسنت سؤال الأخ الفاضل واستدللت به على عقله، فليس أدل على ذلك من الاهتمام بالكتب القيمة في أي فن من فنون العلم.
أخبرت الأخ السائل بأن ألفية ابن معطي مطبوعة، وقد نشرتها “دار البصائر” الجزائرية في سنة 2007، وهي بشرح عبد العزيز جمعة الموصلي (ت 696 هـ)، وتحقيق الدكتور على موسى الشوملي.
وكنت قد رأيت في سنة 1970 في مكتبة كلية الآداب في جامعة الجزائر نسخة مطبوعة من هذه الألفية، ولا شك في أنها هي الطبعة التي أشرف عليها المستشرق تسترشتين، وطبعت في مدينة ليبسك في سنة 1900.
كما وجدت في مجلة الفيصل السعودية (عدد 90، بتاريخ سبتمبر 1984، ص17) خبرا عن طبع شرح لألفية ابن معطي لأحمد بن الحسين الخباز الموصلي (ت 637 هـ 1239م). وقد حقق هذا الشرح الأستاذ حامد محمّد العبدلي.. ولست أدري إن كان المحقّق قد اقتصر على شرح الخباز الموصلي الذي لم يكمله، أم أضاف إليه “تكملة” أحمد بن محمد الاسعردي.
وأما شروح هذه الألفية فهي عديدة، ذكر ما وقف عليه من شروحها المستشرق الألماني كارل بروكلمان في كتابه “تاريخ الأدب العربي”. (القسم الثالث. 5.6). الحياة المصرية العامة. 1993. صص 304-306). والدكتور علي موسى الشوملي في تحقيق لشرح ابن جمعة الموصلي.
وأما ابن معطي فهو يحي بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي. ولد في عام 564 هـ/ 1169، قرأ في وطنه، فحفظ ما حفظ، وفهم ما فهم ثم أراد الاستزادة فتوجه تلقاء الشام فتديّر دمشق، فقرأ الحديث عن ابن عساكر، وتصدر لإقراء النحو والأدب.. فانتشر اسمه وذاع صيته فأقبل عليه طلاب العلم، واستفادوا منه.
وعندما حضر الملك الكامل الأيوبي من مصر إلى دمشق والتقى بابن معطي طلب منه السفر معه إلى القاهرة، وراح يقرئ فنون اللغة العربية خاصة النحو والأدب.. ولكنه لم يطل مكثه في مصر حيث توفاه الله – عز وجل – في 626هـ/ 1231م.
ترك ابن عبد المعطي تراثا فكريا قيما “ويكفيه فخرا أنه أول من اتخذ إطارا متكاملا في علم النمو في إطار منظوم عرف بالألفية”. (شرح ألفية ابن معطي. 1/25).
ومن مؤلفات ابن عبد المعطي:
حواش على أصول ابن سراح – ديوان خطب – ديوان شعر – شرح المقدمة الجزولية – شرح الجمل في النحو – قصيدة في العروض – قصيدة في القراءات السبع – المثلث في اللغة – نظم كتاب الجمهرة في اللغة – البديع في صناعة الشعر – نظم كتاب الصحاح للجوهري ولم يكمله بعدما أتاه اليقين – الفصول الخمسون، وقد حققه محمود الطناحي ونشره
ومما انتهى إليه محقق هذه الألفية وهو يقارن بين ألفية ابن معطي وألفية ابن مالك أن الأول كتب ألفيته “على نسق ونمط لم يسبق إليه.. وجاء ابن مالك مقلدا.. وفرق بين المقلّد والمقلّد”، مع ملاحظة أن ابن معطي كتب ألفيته وهو في مقتبل عمره، قليل التجربة والخبرة، بينما كتب ابن مالك ألفيته بعدما مارس التأليف، واستفاد من عمل ابن معطي..
وقد ذكر المحقق بعض المواضع التي “قلّد” فيها ابن مالك ابن معطي، وضرب لذلك أمثلة (صص 70-73 من الجزء الأول). ولذلك ردّ على فضل ألفية ابن مالك، محكم بتفوق ألفية ابن معطي فـ “هو صاحب الفكرة، وهو المبدع،.. فكفاه فخرا أنه أوجدها من العدم بعد أن لم تكن، أما ابن مالك فقد سار على منوالها، وأخذ الكثير من كلماتها وأبياتها وألفاظها.. والموازنة تكون بين مبدع ومبدع، ومبتكر ومبتكر لا بين مبدع ومقلد، وبين مقلد ومبتكر”. (ص 82). ولذا يقول المحقق:
“لا أجد نفسي مبالغا ومجاوزا للحقيقة إذا قلت إن ابن معطي كان أكثر إجادة من ابن مالك” (ص 78) وعلى العموم فابن معطي – كما يقول المحقق – هو ثالث ثلاثة وضعوا قواعد أنظمة النحو وأسسه، وهم ابن معطي، وابن الحاجب، وابن مالك. (ص 86). وقد ذكر أن لابن معطي أجوزة أخرى “تزيد عن عشرة آلاف بيت”. (ص 86).
يبدو أن ابن معطي لم ينل نصيبا موفورا من الدنيا إلا في أخريات عمره، ودليل ذلك قوله عن نفسه:
قالوا: تلقّب زين الدين فهوله نعتّ جميل به أضحى اسمه حسنا
فقلت: لا تغبطوه إنّ ذا لقب وقف على كل نحس، والدليل أنا
ولا ندري حظه من الذّكر في وطنه الآن، هل سميت باسمه مدارس أو ثانويات؟ أما الجامعات فأسماء أكثرها ممن لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ولا يخطونه بأيديهم، وما ضره من ذلك شيء إن كان عمله مرضيا عند الله وذكره طيب عند عباده.