ذهب الشتاء ومضى بنا وقت المَـصـيـف وأتى الخريف، ولا ربـيـع.. إلا وُعـودٌ في الفضاء!!
ربـيع البشر المأمول، ذلك الذي تحلم به الشعوب العربية المقهـورة، وتتخذه موعـدا للحرية وكسر الأغلال.. لايختلف، في جوهر ميلاده، عن ربيع الطبيعة.! فهو لا يأتي، في كل دورة فلكية، إلا بعد مخاض شديد؛ ولا يخرج من رَحِـم الشتاء إلا في موكب متصل الحلقات من الاضطرابات الجوية المتلاحقة في اليوم الواحد، والهزات المناخية، وتردد الطقس بين صحْـو وغيوم، وشمس تـُطل ثم تتوارى، ورياح تعصف ثم تلين.. فهل يظن البشر أن ربيعهم ينتصب بين أيديهم بمجرد الحلم به، ومُناجاته بعبارات التمني والرجاء؟.. ولكن ليس معنى ذلك أن الربيع الذي تحلم به الشعوب، وتتطلع إليه نُخبها الوفيّة، محكوم عليه أن تـَحْبـِلَ به الرياحُ العاصفة، وتـتمخـَّض به الزوابع المزمجرة، فيخرج الجنين المنتظر في مِثـْل الأجواء التي تصَوّرُها أفـلام الرُّعب، بين بروق تـَخطِف الأبصار، ورعـود تزمزم في الآذان، وأمواج عاتية تـقصف الشُّــطْآن، وأمطار تـُذكِر بالطوفان…
- بـَيْـدَ أن كافة الناس الأسْـِوياء، فضلا عن العقلاء، مِمَن يتصََـدَّون لقيادة مسيرة الشعوب في دروب خلاصها من القهر والطغيان، لا يمكن أن يختاروا منهجا آخر لتحقيق المطالب المشروعة غير سبيل النضال السلمي! والكفاح السياسي، والمقاومة المدنية… كما لا يجوز أن تفقد السلطة، في كل مستوياتها، وفي جميع الحالات التي تـَعْرض لها، ما ينبغي أن تتحلى به دوما من قيم الاعتدال والاتزان، فتنزلق نحو العنف، وتتخذ من استعمال القوة العمومية بديلا للتحاور والتفاوض، فتمنح الغلاة ـ في هذا الطرف وفي ذاك ـ فرصة استدراج كل واحد منهما للآخر، للتورط في عنف يشل طاقات المجتمع، ويوقظ فتنة تجدد المأساة، ويعرف الجزائريون، أكثر من غيرهم، يـُُسْـر الدخول فيها، وعسر الخروج منها.. وفي الواقع العربي اليوم ما يغني عن البيان..
- لقد كتب الكثير من المحللين أنهم لم يكونوا يتوقعون مبتدأ ما سُمّي “الربيع العربي” في بلد عربي آخر قبل الجزائر. وهم يوردون، لتعليل هذا التوجه في الرأي، عددا من العناصر الموجبة يجدونها قد اجتمعت في بلدنا كما لم تجتمع في أي قطر آخر من تلك الأقطار. وهم يربطونها بمزاج الشعب الجزائري، المشهور عندهم بالغضب السريع، وردود الأفعال الصاعقة، والسلوك الجريء الذي لا يحتسب دائما للتصرفات عواقبها إذا ما آمن بحقه؛ وتبيّن له، بكل وضوح، مَن هو المسؤول عن استلابه منه…
- ولكن الربيع اختار، هذه المرة، أن يجعل بُزوغ الأشعة الأولى لشمسه الدافئة، بعد شتاء قاس طويل؛ بلدا شقيقا، وجارا لصيقا، تميز شعبه الطيب، دوما، بميل تقليدي إلى المهادنة والمسالمة، واعتدال في اللفظ والفعل يبعدانه أميالا كثيرة عن الشدة والعنف. وكان قد تسلط عليه، منذ عقود متطاولة، نظامُ حكمٍ من أقذر وأشرس ما عرفته منطقتنا من الحكام… ومع ذلك، وعلى الرغم من الضحايا العديدة، والأوجاع الكثيرة، والمعاناة المديدة… يمكن أن نقول إن الربيع في تونس ـ وكل شيء نسبي ـ جاء سهلا ميسورا بالقياس إلى حالات عربية قادمة، تتميز بعِنادٍ مأساوي من الطغاة.
- وقال المراقبون، ومن يوصفون بالمحللين السياسيين، إن الجزائر ستكون، حـتما، ثانية اثنتين في حديقة الربيع الطـَّلـْق، ذاك الذي ستعـبق أزهاره بأنواع من العطور الزكيـة، في هذه البقاع المُبْتلاة من أراضي المغرب والمشرق التي تـَلـْفـَحها رياحُ السَُّمُوم، وتـَجلدها العواصف الرملية مُعظمَ أيام الحَوْل، فهي في شوق دائم إلى ربيع مازال يُخـْلِف موعده في كل عام!.. وكانت المفاجأة الأخرى التي زلزلت العالم أن الربيع قد حل بأرض الكِنانة، وتفتحت على ضفاف نيلها أكمام الزهور من كل نوع..!! فيا لها من بُشرى عظيمة، ويا له من نبإ أثلج الصدور، ونشر أعلام البهجة والحُبور، وأسعد مئات الملايين من البشر الذين طال ليل البؤس والنكبات في مرابعهم، وطال حزنهم على مصر التي هجرها الغيث، ولازمها القـَحْط، والجَدْب.. حتى ظـُنَّ أن نهرها الخالد قد جفّ ماؤه، وأن أديمها الخصيب لم يعد يُنبت إلا السِّدْر والحَسَك… ولكن العزائم الصادقة، والمليونيات المتدفقة، بـجـموع الـفـتيان والفتيات المتسابقة، والإرادات المتعانقة، قد عصفت بأبي الهول المزعوم، وأبنائه المتطفلين، وكثرةٍ من أعوانهم، وأذنابهم، والتابعين..؛ كما قضت على معظم ما أحدثه الطاغية وسلالته من أسلاكٍ للزبانية والجلادين…
- ومرة ثالثة، لم يستسلم المتنبِّئون، والمحللون، فأقسموا بكل مُغَلظة من الأيمان أن الجزائر هي الوجهة التي لن يحيد الربيع عنها في هذه المرة. وكان الأساس الذي أقاموا عليه قواعـد منطقهم هذا أن شعبا بَهَر العرب والعجم بثورة جبارة أتاحت له أن يُـشَـيّد، بهامات الأخيار من أبنائه، واحدا من أعظم، وأفخم ما بنته الإنسانية من صُروح الحرية والانعتاق في التاريخ المعاصر.. أن شعبا هذه بعض إنجازاته لا يمكن أن يعطل جليدُ الشتاء، مهما استطالت أيامه الكئيبة، مَقـدَم الربيع إليه، وحلوله في سهوله وروابيه… ولكن الربيع الموعـود، الساكن لدى الناس في أحلام اليقظة والهُجود، قد اكتفى هذه المرة أيضا بالنزول على الحدود، وكأن ساترا من شواهق الجبال يحوط البلد كالسِّوار بالمِعصم، فلا يتسرب إليه من الربيع الميمون، لا العليلُ من أنسامه، ولا العـذب من أنغامه..
- وأصرّ الربيع على أن يولِّي ظهره لأرض الجهاد، ويقاطع بلاط الشهداء… فلم يعد بـوسع المراقبين، والمحللين.. إلا البحث عن أسباب هذا الإعراض والنُّكوص، فاختلفوا كثيرا، ولكنهم اتفقوا على عـدد من الأسباب بدا لنا كأنها قد شكلت، فيما بينهم، أرضية مشتركة يمكن استعراضها، بإيجـاز، في النقاط الـتالـيـة:
- أولا ـ إن واحدة من أوْهَن حلقات المجتمع، وأقلها تعبيرا عن تطلعاته الوطنية، وأضعفِها ارتباطا بواقع الشعب، ومقوماته التاريخية… هي التي بادرت، في وقت مبَكـر، إلى استدعاء الربيع، وتطوعتْ لمرافقة مواكبه..! فكانت، هذه الحلقة، أنجع ما يمكن تصوُّره لتنفير الربيع، وتزهيده في الاقتراب من حدود الجزائر برا وبحرا… وقد رأى عـدد من المحللين أن “الحلقة الواهنة” قد لعبت دور المُجْهـِض لكل حركة أصيلة لها مطمع في أن يلبي الربيع الدعوة عن طريقها. وذهب المبالغون، كعادتهم، إلى أن ذلك إنما كان دورا مكتوبا بدقة، أدته “الحلقة” على أحسن ما يرام!!
- ثانيا ـ إن الفئات التي تتشكل منها اليوم غالبُ النخب ذات الوزن المشهود، الفاعلة في الإعلام المؤثر، بشقيه الخاص والعام، ونوعيه الثقيل والخفيف، وقسميه المصور والمسموع… هي في أكـثرها قليلة التفاعل مع جوهر التطلعات الشعبية، لا تؤمن إلا بديمقراطية انتقائية، احتكارية الطابع، إقصائية المطامع، تحلم بافتكاك السلطة ممن هي بأيديهم حاليا، لتستلمها الجماعة التي سميتها، في بعض كتاباتي “الأقلية الساحقة في بلاد الأغلبية المسحوقة”… ومن هنا يبعُـد جدا أن تقوى على تعبئة الجماهير لأية مهمة.
- ثـالـثـا ـ إن التيارات والحركات والأحزاب التي كانت تمثل امتدادا جماهيريا في برامجها السياسية، وشعاراتها الفكرية… قد أفقدها انضواؤها تحت جناح السلطة القائمة، وظهورها في كل وقت بمظهر التابع الضئيل، ذي الصورة الباهتة في محافل الرأي، الذي لا يعلو له صوت، ولا يرتفع له ذراع إلا بالمباركة والتزكية، والتأييد... أفقدها معظم ـ إن لم يكن كل ـ ما كان لها من رصيد لدى من كانوا يعتبرونها أملا واقعيا في إحداث التغيير، وإنجاز الإصلاح..
- والخلاصة، إن الصورة التي يرسمها الشارع في الجزائر، تنتاب كل من يكلف نفسه عناء النظر إليها، بكثير من مشاعر الخوف، والقلق. ففي جانب من الصورة يُرى شعبٌ ساكت كعادته حين تطوّقه الأزمات، ولكنه عابس الوجه، مشدود الملامح، بادي الاحتقان… وفي الجانب الآخر سلطة، عـالية التوتر، مشحونة بخوف كابوس اسمه “الـربيع العـربي”، فهي، والإصبع على الزناد، لا تنتظر الخير من ساكت تعرف، بدليل الوقائع التاريخية، أنه لا شيء أخطر منه حين يصمت!.. وهـذا ما يمكن تسميته “توازن الـرعب” بين الشعب والسلطة… فكم من الوقت يدوم؟؟..