”ولا تزر وازرة وزر أخرى”
لا يمكن لأي مواطن وهو يستمع إلى ربط وزير التجارة لأزمة الارتفاع “الأحمر” لأسعار اللحوم الحمراء، والارتفاع “الأسود” لأسعار اللحوم البيضاء بالاستهلاك المفرط للجزائريين لهذه المواد الغذائية التي هي ضرورية في كل دول العالم وكمالية عندنا سوى أن يدرك بأن عقدته الأزلية مع اللحوم ومع الغذاء عموما ستبقى ما بقي أداء وزرائنا على حاله في تشخيص الداء الذي يُلزمنا بأن لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع
ولا يمكن لأي مواطن وهو يستمع إلى تحميل وزير السكن مسؤولية آلاف الاحتجاجات للمطالبة بالسكنات الاجتماعية والتساهمية والريفية للمديرين الولائيين الذين عيّن غالبيتهم ذات المسؤول سوى أن يدرك بأن عقدته المزمنة مع السكن ستبقى ما بقي مسؤولون يعيّنون المديرين ويُحمّلونهم المسؤولية على وزن شعر أبي نواس بمداواتنا بالتي كانت هي الداء، والبلاد التي يقول فيها مسؤول كبير أن عدد الاحتجاجات الكبرى فاق الخمسة آلاف والتصادم مع رجال الأمن قارب العشرة آلاف، أي أن البلاد مشلولة بالكامل منذ عام دون أن يستقيل أو على الأقل يقدّم حلولا أو تفسيرا لهذا الذي يحدث يمكن اعتبار وزارتها في وزرائها الذين حملوا حقائب أوزار، ومنهم من أصبحت الحقيبة عضوا من بدنه مثل وزير التربية الذي وقعت في عهدته معادلة لا مثيل لها وهي احتجاج التلميذ والأستاذ معا، في الوقت الذي فرغت حقيبته المعنوية من أدنى مستوى لتعليم وتربية لم تشهدا انحطاطا مثل الحاصل في السنوات الأخيرة.
والحديث عن إصلاحات في كل المجالات في العمق وبأموال لم يسبق وأن عرفتها الجزائر لا يُرجى منها أي جدوى إذا بقيت نفس الوجوه التي صنعت الفشل مع سبق الإصرار والترصد، والأمرّ أنها تصر على أنه نجاح.
ألم يحن للبلاد التي هرم وُلدانها ورفض مسؤولوها “أن يفهموهم” أو يعترفوا بأنهم “غلطوهم” أن تستريح مع حكومة تشخّص الداء وتمنح الدواء؟ ألم يحن للعباد الذين أضاعتهم البيروقراطية والمحاباة والفوضى أن لا يُنظر إليهم “كالمقملين” والتائهين من “زنڤة إلى زنڤة” أن يستريحوا؟
ألم يحن لبلد الثورات القديمة والحديثة التي جمعت كل ألوان الثورات التي درسناها في كتب التاريخ ونتابعها حاليا على الفضائيات أن تهنأ برجال يتحمّلون مسؤولية إيقاف هذا النزيف المعنوي والمالي الذي قنّط الجميع من المستقبل، وصار الجميع برغم ما نحن فيه من ضياع الحاضر يخشون مما هو أهول في المستقبل. قديما قال جمال الدين الأفغاني إن الأزمة تلد الهمّة، أما آن لأزماتنا أن تكون لها همّة؟
نعود إلى وزير التجارة الذي استكثر أكل الفرد الجزائري لعشرة كيلوغرامات لحم في السنة فألهب سعره، ونُذكّره بأن الفرد الإسباني يأكل أكثر من قنطار من اللحم سنويا ولا يزيد سعر الكيلوغرام في إسبانيا عن ثلث سعره في الجزائر، ونعود إلى وزير السكن الذي حمّل من عيّنهم لتسيير مدن الإسمنت شلل البلاد، ونُذكّره بأن السويديين بنوا مساكن لمواليد 2040، ونعود للقارئ الكريم الذي يظن أن لا مجال للمقارنة بين الجزائر وهذين البلدين ونقول له .. نعم .. ولكن الجزائر أحسن بكثير فهي أكبر منهما بكثير وأغنى منهما بكثير، ولكن بعض وزرائنا يريدون أن تزر وازرة وزر أخرى؟