-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

:1967 هزيمة أمة …لم تحارب

سهيل الخالدي
  • 87
  • 0
:1967  هزيمة أمة …لم تحارب

دون ريب أن المشكلة الأساسية التي يعاني منها الشعب العربي في القرن العشرين هي المشكلة الفلسطينية، فالحركة الصهيونية قبل أن تعلن تأسيس مشروعها الاستعماري باعتبارها أداة بيد الدول الاستعمارية الكبرى، أحاطت أرض المشروع الأولية “فلسطين” بدول لها حكومات حليقة ومتوافقة مع المشروع فكانت دول لبنان والسعودية والأردن وسوريا والعراق وأما مصر فقد كانت حكومتها ضالعة حتى العظم مع لندن بل هي حكومة يأتمر باشواتها بأمر السفير البريطاني الذي يديرها ويديرالقصر، فقد كان الشعور القومي في مصر هابطا خاصة لدى النخبة ويكفي أن أذكر هنا أن أحمد لطفي السيد أكبر المثقفين العلمانيين فيها حضر افتتاح الجامعة العبرية في القدس في المنطقة التي تسمى هداسا، وهي التي تسمى عند العرب عين كارم وهي قرية أعطاها صلاح الدين الأيوبي لمجاهدي المغرب العربي ومعظمهم من الجزائريين الذين قادهم الصوفي سيدي بومدين شعيب دفين تلمسان للجهاد ضد الصليبيين، وقد مكن المندوب البريطاني هربرت صويل الحركة الصهيونية من الاستيلاء على تلك الأرض وطرد الجزائريين والمغاربة عموما منها.

وحين انتهت الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945  كانت الصهيونية قد رتبت كل أوراقها محليا وإقليميا ودوليا للاستيلاء على فلسطين، فكل شيء مضمون باستثناء الشعب العربي في فلسطين وخارج فلسطين، وحتى يمكن خداع شعوب هذه الأمة التواقة للوحدة واستكمال التحرير اقترح وزير الخارجية البريطاني انتوني تأسيس جامعة الدول العربية لمنع امكانية خروج أية دولة من تحت السيطرة البريطانية، وأعلن استقلال لبنان والأردن وسورية، وماهو إلا عام وبعض عام حتى دخلت هذه الدول السبع التي في الجامعة حرب فلسطين 1948 وسلمت القيادة العسكرية للملك عبد الله بن الحسين ملك الأردن الذي سلمها لقائد جيشه الجنرال جون باجت كلوب وهكذا قامت الدول العربية وجيوشها بتسليم الأراضي الفلسطينيية للحركة الصهيونية، رغم أن المندوب البريطاني الذي قام يوم 14 مايو / ايار 1948 بإنزال اعلم البريطاني وغادر فلسطين معلنا انسحاب بريطانيا لم يرفع بدلا منه أي علم سواء كان فلسطينيا أو يهوديا، تاركا مهمة تسليم البلاد إلى الحكام العرب .. وهكذا كان أول مافعلته الجيوش العربية هو القضاء على المجاهدين الفلسطينيين وإلغاء جيش الجهاد المقدس وكذا ما عرف بجيش الإنقاذ.. واستلم اليهود من العرب أراضي أكثر مما اعطاهم قرار التقسيم وعاملوا اللاجئين الفلسطينيين معاملة أفضل منها معاملة الكلاب كما قال المناضل الفلسطيني صلاح خلف ابو إياد.

وهكذا هزمت الدول العربية في 1948 وضاع قسم من أراضيها دون أن تتاح لها فرصة للقتال. فالأمة لم تقاتل والدول والحكومات كانت في الخندق المعادي رغم ما تتبجح به.. ولم تكن دول المغرب العربي قد استقلت، وليس لها جيوش لذلك لم تشارك في الجريمة، غير أن التاريخ سجل أن هذه الأمة أمة واحدة فعلا، وأن الوحدة العربية ليست شعارا لحزب البعث ولا للحركة الناصرية، بل هي شعور وممارسة شعبية عربية ميدانية، فقد هرع رجال من المغرب العربي كله مشيا على الأقدام لنصرة الشعب الفلسطيني، وكانوا يقيادة الجزائري الشاذلي مكي عضو حزب الشعب ثم جبهة التحرير الوطني، والذي لا نعرف اين مذكراته اليوم، رغم أن صديقنا الأستاذ المؤرخ الأمين بلغيث اهتم بجانب نضالاته في مؤتمر باندونغ.. ولكني لم أعثر على بحوث حول الجوانب الأخرى ومنها الجانب الفلسطيني في نضالات الشاذلي مكي، فالتعتيم على تاريخنا واسع وعريض.

ضاعت فلسطين وكبرت إسرائيل، تحميها الدول العربية اقليميا والاستعمار دوليا وجدية الحركة الصهيونية محليا .

وفي الستينيات بدأت إسرائيل تخطط لضرب حركة القومية العربية التي أخذت تنمو في مصر وفي سائر البلدان العربية على يد جمال عبد الناصر، فقلمت أظافره في افريقيا شمالا ووسطا وجنوبا، وسيطرت على الاندفاع السوفيتي وقللت من مساعدته لعبد الناصر الذي تلقى ضربات موجعة في مسائل التنمية وفي توجهاته العلمية النووية. واتفقت مع بعض الدول العربية إياها وخاصة الأردن لضرب جمال عبد الناصر وبالتالي حركة الشعب العربي كله .

وأعادت الدول العربية في 5 جوان / جزيران 1967 نفس مسرحية 1948 في حين ضربت إسرائيل مطارات مصر اندفعت تلك الجيوش لتحارب، ولكنها في الواقع لم تكن تحارب، بل كانت تنظم حركة نزوح الناس من الضفة الغربية، وغزة والجولان. وقد قيض الله لي في تلك الفترة وأنا في سن الشباب أن أكون على الجبهة الأردنية وأرى بالعين المجردة كيف أن أحدا لم يحارب..ويبدو أن ليس الجبهة الأردنية وحدها التي لم تحارب ..فقد كتب الصديق المرحوم ممدوح عدوان مسرحيته الجندي الذي لم يحارب عما جرى في الجبهة السورية ..وأما في مصر فقد اكتشف جمال عبد الناصر أن الاختراق الصهيوني والدولي وصل إلى أقرب مساعديه، فقام بتغييرات كبرى بعد أن رفض الناس استقالته المشفوعة بتحمله المسؤولبة، وثبت أن الأمة التي رفضت استقالته في تلك اللحظة العصيبة، إنما ترفض قبولها بالهزيمة، ولا يعني أنها تغض الطرف عن مسببيها أو تسامحهم ..وقد فهم عبد الناصر ذلك بل فهمه الاتحاد السوفيتي والدول الكبرى والدول العربية، وقد تغير المسرح العربي بسرعة وقد انتجت هزيمة 1967 عدة حالات يهمني التوقف هنا عن حالتين منهما:

1-حرب الاستنزاف: وهي الحرب التي منعت إسرائيل من الاستفادة من قناة السويس التي سيطرت على ضفتها الشرقية، وغير الجيش المصري استراتيجيته القتالية إلى حرب الصواريخ وبانت بوضوح شجاعة وكفاءة شباب الجامعات المصرية الذين بدأوا بالالتحاق بالجيش المصري معززين قدراته العلمية واستيعاب التكنولوجيا الجديدة وهو ماكان له أثره في حرب 1973 التي أجهضها الرئيس أنور السادات تنفيذا لاتفاقه مع وزير خارجية أمريكا اليهودي الألماني هنري كيسنجر.

وظهرت في حرب الاستنزاف وتجلت شجاعة الجيش الجزائري الذي شارك بقوة في تلك الحرب ولا يزال بعض الضباط الذين قاتلوا في تلك الحرب ومنهم من قاتل ايضا في الحرب التي اندلعت عام 1973 لعبور قناة السويس، ولكني حتى الآن لم اقرأ مذكرات أي منهم ويمكن القول هنا إن حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973 ألغت ما كانت تبثه الدعاية الصهيونية والعالمية من أن الجندي العربي مقاتل سيء، فقد ظهر بوضوح ان الجيوش العربية أسيرة القرار السياسي ولا علاقة لذلك بقدرات الأفراد جنودا وضباطا.

2-  الحرب الشعبية الطويلة الأمد: أجبرت هزيمة الجيوش العربية عام1967 الحكومات العربية لامتصاص النقمة الشعبية على السماح للمنطمات الفلسطينية -وخاصة منطمة فتح التي بدأت تنفذ عمليات فدائية ضد إسرائيل منذ عام 1965 بأسلحة تسلمتها من الجيش الوطني الشعبي الجزائري _ بالعمل من حدودها مع اسرائيل فانطلقت عمليات فدائية كبرى من الأردن وسوريا وحتى من لبنان، وخاضت هذه المنظمات معركة قرية الكرامة في مارس / آذار 1968، التي حققت امرين: أولهما إجبار الجيش الاسرائيلي على الإنسحاب حيث طهر عجز جنوده عن المواجهة، وأن الميزة لهم خارج الدرع وهو ما تأكد لاحقا في الحروب التي جرت في لبنان، وثانيهما اندفاع الشباب العربي كله وليس الفلسطيني فقط للالتحاق بهذه المنطمات القتالية، مما أثبت أن هذه الأمة أمة مقاتلة، وأن تغييبها عن القتال هو بسبب النخبة السياسية الحاكمة والتي هي أساسا مفروضة على الأمة.

وبالفعل تخوف الساسة العرب من تنامي وتصاعد الحرب الشعبية التي اعتنقتها المنظمات الفلسطينية تأسيسا على تجربة جيش التحرير الجزائري 1954-1962 وعقيدته القتالية، فراحت الدول العربية تعبث بهذه الفصائل وتخترقها وتكون فصائل لحسابها .. ولم تستطع حركة فتح استيعاب الكتلة الهائلة من الجماهير التي اندفعت نحوها، بل أن هذه المنظمة ومعها فصائل أخرى ارتكبت الخطأ التاريخي بقبول استلامها لمنظمة التحرير الفلسطينية التي هي جهاز تتحكم به الأنطمة العربية ماليا وسياسيا .

وقد انقضت الأنطمة العربية ممثلة بالنظام الأردني على الفصائل الفلسطينية بما عرف بمجازر ايلول / سبتمبر 1970 وتم شل النشاط التاريخي لهذه الفصائل من الحدود الأردنية ليهاجر مقاتلوها إلى لبنان وتبدأ صفحة جديدة من القتال .

وفي لبنان دخلت كل أمراض السياسة العربية والمجتمع العربي إلى منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها لدرجة التقاتل فيما بينها، وقد عمل ياسر عرفات على افتكاك منظمة التحرير من هيمنة الدول العربية بالمطالبة بالقرار الفلسطيني المستقل، ولكنه على أرض الواقع لم يستطع أن يمضي قدما نحو أهدافه التي انطلق منها عام 1965 وهو تحرير فلسطين كل فلسطين … وخاض معارك ديبلوماسية وسياسية كثيرة ومعقدة ليس مع الدول العربية فحسب بل مع الدول الكبرى أيضا وصولا إلى معاهدة أوسلو 1993 التي قدم فيها الكثير من التنازلات مقابل مكسب مهم هو الانتقال بالنضال الفلسطيني من التاريخ إلى الجغرافية … وهاهم الفلسطينيون يقاتلون على الجغرافيا الفلسطينية نفسها .

ولازال عار هزيمة 1967 ماثلا في سورية حيث ان أسرائيل لا تزال تحتل معظم أراضي الجولان الذي احتلته في ذلك العام، وهاهم المعارضون السوريون لازالوا في عقلية الأمس في مخاطبة الجمهور العربي ويعايرون النظام بأنه لم يحرر الجولان ودون ان يقدموا اي برنامج فعلي لتحريرها وبالتالي هم لا يختلفون عن النظام الذي يرفضونه ويعايرونه والذي أطال سكوته عن الجولان في عمره .

 لكن هل يستطيع الفلسطينيون الذين يناضلون اليوم على جغرافيتهم وبأساليب نضالية جديدة إزالة العار الذي ركب الأمة العربية من أنها لا تحارب ؟ في المشهد الحالي لا يمكن الحديث عن هذا الأمل

لأن منظمة التحرير التي انتقلت من بيروت إلى رام الله انتقلت ومعها كل أمراضها .. فهاهي تفاوض وتفاوض وتفاوض ولا تحقق شيئا كبيرا مما يريده الجمهور بل أنها تتقاتل وتتقاتل وتتفاوض على المصالحة ..ولا تبدو حركة حماس التي بنت موقفها السياسي على حرب التحرير الشعبية ايضا أفضل حالا من فتح ولا منظمة التحرير برمتها …

بل أكثر من ذلك فإن المقاتلين الشجعان الذين بنوا مجد الفصائل الفلسطينية وشكيمتها القتالية، لم يتمكنوا من إعادة إنتاج أنفسهم، وبعضهم تخلى عن العمل العسكري نحو منافع مالية أو سياسية.

 بل إن بعضهم أهين إهانات بالغة من طرف الفاسدين الذين استحوذوا على المنطمة، ولعل من آخر الأمثلة التي قرأناها في هذا الميدان هو ما تعرض له المناضل حسين فياض نائب المناضلة دلال المغربي خلال معركة حيفا البحرية التي أذهلت الدنيا بأسرها وليس اسرائيل فحسب، فقد صرح هذا البطل الموجود في الجزائر للشروق أنه تعرض لإهانات من السفارة الفلسطينية اضطرته لإعلان إضراب جوع ، حتى اتصلت به السلطة الفلسطينية ووعدته بإزالة الإهانة …فإذا كان الفساد قد وصل إلى هذا النوع من الأبطال، فما هو الحال مع المناضلين الآخرين ..وحتى لا يضيع سياق الحديث عن الأمة العربية أقول إن دلال المغربي التي حارب حسين فياض تحت إمرتها هي فتاة فلسطينية من أصول جزائرية ومن تلمسان تحديدا

وقد كتبت عنها روايتي “دلال عاشقة البحر والزيتون” التي أصدرتها في الكويت، وأن اختها فاطمة عاشت في الجزائر فترة، وقد رفضت إسرائيل مبادلة جثمانها مع حزب الله حتى لا تتحول إلى رمز لنساء الأمة العربية المحاربات مشرقا ومغربا .. فهو يصر على أن تظل الأمة نائمة ليتمكن من مداهمتها كلما أراد ذلك كما فعل في 5 جوان /يونيو 1967 حين نامت عيون العرب عن شواردها ولا تزال كما قال المتنبي قبل 1000 عام. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!