40 مليون جزائري.. أذكياء!
أغلى ما لدى الأمم اليوم الثروة البشرية، أي أغلى ما عندنا ليس الغاز أو البترول أو الثروات المادية التي نملك بل الأربعين مليون عقل التي تحملها أجسادُنا. هذه العقول يُفتَرض أنها ثروتنا الحقيقية.. بها وحدها يُمكن أن نعيش حتى وإن لم تكن لنا ثرواتٌ أو غاز أو بترول مثل الشعوب والأمم التي تطوّرت من غير أراض شاسعة ولا معادن ولا خيرات… يُفترض أن نؤمن بهذا ونُسَلِّم به إذا كنا بالفعل أذكياء، وأن نتمكن من العيش بما نملك من مخزون فكري وعقلي وأخلاقي حبانا الله تعالى به كباقي البشر… فما بالك لو كان ذلك إلى جانب كل ما مُكِّنا منه من كنوز بباطن الأرض وعلى سطحها… هل يبقى لنا عذرٌ لكي لا نكون أقوى وأسعد الأمم؟
ما الذي جعلنا لا نكون كذلك؟ بل ننحو مَنْحى أن نمُدَّ أيدينا لغيرنا وأن نعرف شظف العيش وضيق المسكن وقلة الوسيلة والحيلة حتى كِدنا نُصبح عبيدا في عقر ديارنا؟ هل نحن أغبياء؟ أم صَنعنا من أنفسنا أغبياء، وقتلنا بداخلنا كل تلك القيم التي من شأنها تحقيق رِفعتنا وازدهارنا؟
يبدو أن الأمر كذلك، لقد نسينا أن الذكاء يُصقَل والأخلاق تُغرَس، والأربعين مليونا كما يُمكن أن يكونوا سببا في خلق الثروة والحياة بكل أبعادها المادية والروحية، يمكن أن يُصبحوا غثاءً كغثاء السيل إذا لم يجدوا العناية الكافية والتوجيه الحقيقي والتربية اللازمة على كافة المستويات…
أبناؤنا لا ينقصهم شيء إذا ما عرفنا كيف نصنع منهم الثروة البشرية الحقيقية أساس بناء الأمم.. بإمكانهم أن يستغنوا عن كل هذه الثروات المادية التي أصبحت غذاء الأغبياء والكسالى وأساس صناعة السياسات اليوم… وأن يُشمِّروا على سواعدهم لصناعة المستقبل والأمل… المشكلة ليست فيهم إنما في من يمنعهم من ذلك، من يريد أن يجعل من الـ40 مليونا، “جياعا” أغبياء بلا عقول ولا أخلاق، يلهثون في حالة يأس وراء سراب العيش السهل دون جدوى… المشكلة ليست في أنهم ليسوا أذكياء، إنما في من يريد للذكاء أن يموت فيهم من خلال سياسات التربية والتعليم والإعلام والتكوين الفاسدة باعتبارها أدوات صناعة الثروة البشرية والحفاظ عليها…
إذا كُنَّا نريد أن نحفظ هذه الثروة من الاندثار وأن نمنع الغباء من أن يسود، علينا أن نُسارع إلى إصلاح تربوي وعلمي حقيقيين في أقرب الآجال، وعلى كافة المستويات قبل أي إصلاح آخر… لقد كاد الأمر يُصبح مستعجلا، ولا نريد لمن بقي من القادة الأذكياء أن يندموا بعد فوات الأوان…