65 ألف مليار سنتيم تكلفة خمس تظاهرات ثقافية “كبرى”
لم يعد يفصل قسنطينة سوى شهر واحد، عن بداية عملية صرف 700 مليار في نشاطات ثقافية، قيل وسيقال الكثير فيها، وعنها، عن فائدتها لمجتمع تزداد الهوّة بينه وبين الثقافة، كلما اقترحت عليه السلطات مثل هذه المهرجانات والتظاهرات التي تتكرّر وتتشابه، من دون أن تحرّك البلاد ثقافيا، بدليل أن الجزائري يستورد ما يتعاطاه من الثقافة، إما من أوروبا أو من المشرق العربي، وحتى من الهند وتركيا والمكسيك، فلا ألحان ولا مسرحيات ولا أفلام سينمائية، وأكبر المهازل التي ستعيشها قسنطينة والجزائر بشكل عام أمام زائريها، عند اكتشاف بأن المدينة عاصمة الثقافة العربية 2015 لا تمتلك حاليا قاعة سينما واحدة، وكان بها تسع قاعات منذ قرن مضى، ولا تمتلك أي مسرح، إلا ذاك الذي أنجزته فرنسا منذ أكثر من قرن من الزمان، ولكم أن تتصوروا بعد هذا، مدينة عاصمة للعرب، من بغداد إلى فاس ثقافيا.
4000 مليار لـ 7127 شاب وشابة من الشيوعيين
أول نزيف مالي ضخم صبته الجزائر في مهرجاناتها الضخمة، كان بمناسبة احتضان الجزائر، في أوت من عام 2001 المهرجان العالمي للشباب والطلبة ذي البعد الثقافي، بعنوان تقديم صورة بهية للجزائر، بالرغم من أن المهرجان هو فكرة قديمة تعود للسنوات البلشفية في زمن المعسكر الشرقي، ولكن أطرافا تمكنت من إقناع الرئيس بوتفليقة بضرورة احتضان الجزائر للمهرجان العالمي حتى تُكسر الجمود المخيّم عليها، واعترفت الدولة بأن الميزانية التي رًصدت لهذا المهرجان بلغت 38 . 5 مليار دج، وارتفعت الميزانية وجاوزت 4 آلاف مليار سنتيم، حيث دخل الجزائر بالتدقيق 7127 شاب وشابة من مختلف بلاد العالم خاصة من الدول الشيوعية مثل كوريا الشمالية وفيتنام وكوبا، ووفرت الجزائر لهذا العدد الكبير المأكل والإقامة في الفنادق والإقامات الجامعية وبيوت الشباب في العاصمة، وأماكن اللهو من رقص وغناء. ووجد المنظمون أنفسهم مجبرون على مسايرة هؤلاء السياح والسائحات، وكلهم من الشباب جاؤوا من أجل اللهو فقط وقبروا الثقافة من أول يوم، والغريب أن نواب البرلمان في بداية شهر جويلية2001 صادقوا على الميزانية المخصصة للمهرجان، من دون تردّد.
وبالرغم من أن عدد المشاركين تقلص حسب السيد مختار بوروينة الذي كان حينها رئيس لجنة الإعلام والاتصال باللجنة التحضيرية للمهرجان، إلى النصف، إلا أن الميزانية ارتفعت وتجاوزت الأربعين مليار دج.
ثم أسالت “سنة الجزائر في فرنسا” سنة 2003 الكثير من الحبر واتضح أن أموالا طائلة صرفت لتقديم بهرجة فنية وثقافية في عاصمة الجن والملائكة وللتباهي بما حققته الجزائر منذ الاستقلال على مستوى الكتاب والمسرح والسينما والفلكلور.
محاولات محفوظ نحناح لمنع مهزلة الترفيه العالمي
وحاولت في ذلك الوقت حركة مجتمع السلم، التي كان يقودها الراحل محفوظ نحناح تقديم النصيحة ومراسلة القائمين على شؤون البلاد من خلال بيان طويل، لتوقيف ما سمته بمهزلة الترفيه العالمي، لأن بداية المهرجان تزامنت مع عملية إرهابية هزّت الجزائر في منطقة أولاد بوعزة بولاية غليزان وأودت بحياة 17 جزائريا، كما تزامنت مع أحداث القبائل، ولكن النزيف المالي تواصل إلى النهاية، فكانت لبنة المهرجانات الأولى.
مع الإشارة إلى أن 151 بلد شارك في المهرجان و5000 طالب وطالبة جزائرية، وأخذ المهرجان بالكامل طابعا ترفيهيا فقط، وحدثت في ذات المهرجان تجاوزات سياسية خطيرة جدا، حيث رفع بعض الشباب الجزائري بدلا عن العلم الجزائري رايات حمراء، كما رفع الروس علم الاتحاد السوفياتي السابق الأحمر اللون رمزا للشيوعية، وليس علم روسيا، وحتى حفل الافتتاح كان فضيحة بكل المقاييس، بيّن عملية هدر المال العام مع سبق الإصرار والترصّد، وقال حينها القائمون على المهرجان، بأن الجزائر صحّحت صورتها في العالم، وبإمكانها أن تستقبل في السنوات القادمة الملايين من السياح الأجانب، وأن تنضم لمنظمة التجارة العالمية، ومرّت 14 سنة من المهرجان الذي رمى 4000 مليار سنتيم في البحر والكثير من المبادئ والأخلاق، ولا شيء تحقق بعد هذا التبذير.
خليدة تومي تتبنى التظاهرة وتصرف 550 مليون دولار
حاولت وزيرة الثقافة السابقة خليدة تومي، إعطاء نظرة ثقافية لتظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربية التي احتضنتها الجزائر العاصمة طوال سنة 2007، من خلال حديثها عن رقم ألف كتاب، و50 مسرحية و70 فيلما سينمائيا وتلفزيونيا ووثائقيا. وجمعت الوزيرة والمناضلة السابقة في الأرسيدي والمفرنسة من حولها عددا من المعربين، رقت بعضهم إلى منصب مديرين للثقافة، من الذين علموها بعض العبارات العربية من لغة الخشب، لمراوغة الجزائريين، وأيضا الوفود العربية القادمة من 18 بلدا عربيا، وكلما رفعت من عدد الجولات الداخلية من ولاية إلى أخرى بحجة جزأرة التظاهرة وعدم تركها في قلب العاصمة، ومن خلال تقديم المئات من الندوات الأدبية والفكرية، كلما رفعت من الميزانية، وتمكنت من أن تقتطع من أموال الجزائر قرابة 2000 مليار سنتيم، وقالت الوزيرة بأن هذه الأموال، لا شيء، أمام الثورة الثقافية التي ستحققها الجزائر، الوزيرة السابقة حاولت تبرير صرف الملايير بالقول بأن الجزائر العاصمة، كسبت متحفا للمنمنمات والخط العربي في قلب القصبة، وهو الفن الذي انقرض منذ وفاة المبدع عمر راسم، ومتحف الفن المعاصر والحديث، وهي جميعا مناطق قديمة تم ترميمها، وابتلعت مع إنجازات أخرى نصف مليار دولار، وبعد مرور ثماني سنوات عن نهاية تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربية عادت نفس المتاحف للنوم، وحتى ما سُمي ترميما تبيّن بأنه صباغة بالجبس لا أكثر ولا أقل.
مساءلات في البرلمان بسبب 800 مليار المهرجان الثقافي الإفريقي
ثم جاء المهرجان الدولي الإفريقي الثاني الذي احتضنته الجزائر سنة 2009 بعد أن احتفى به الرئيس الراحل هواري بومدين سنة 1969. وحجت القارة السمراء إلى الجزائر وكيفت كل التظاهرات مع الانتماء الجغرافي والتاريخي. وطلبت وزيرة الثقافة خليدة تومي للمثول أمام نواب البرلمان للرد على سؤال كتابي وجهه النائب علي حفظ الله عن الكتلة السياسية لحركة النهضة لتبرير صرف مبلغ 800 مليار في المهرجان الثقافي الإفريقي بالجزائر، وهو المبلغ الذي قال النائب وقتها بأنه “يكفي لبناء 4 آلاف مسكن و160 مؤسسة تربوية بالجزائر“.
1400 مليار للثقافة و5.5 مليار دولار لتزيين المدينة
يعترف التلمسانيون وغيرهم من الجزائريين، بأن فرصة احتضان تلمسان لتظاهرة عاصمة الثقافة الإسلامية 2011، التي شارك فيها ثلاثون بلدا من العالم الإسلامي، كانت فرصة العمر لهذه المدينة العريقة المنسية، على مدار عقود لأن تتحول فعلا إلى أجمل مدينة في الجزائر، بل أصبحت مدينة سياحية بامتياز بالرغم من أنها غير ساحلية، ولكنها حلبت في تنميتها بداية من عام 2009 عندما تأكد ترسيمها كعاصمة للثقافة الإسلامية، خمسة ملايير ونصف مليار من الدولارات، حسب مصادر رسمية، فأصبح لتلمسان فنادق فخمة من سلاسل عالمية وحدائق وخاصة منطقة لالة ستي التي يمكن اعتبارها حاليا، أفضل مكان سياحي على مستوى الوطن، كما يمكن اعتبار تلمسان المكان السياحي الذي يمكنه أن يشرف الجزائر أمام أي زائر أجنبي بالرغم من أن الوجه الجميل لهذه المدينة الحضارية لعبت الطبيعة وأيضا الفاتورة الضخمة، التي رصدت في عملية “الماكياج” دورا هاما في تحقيقه، ولكن تلمسان نجحت في استرجاع القصر الملكي الزياني في أبهى حلة، وأنجزت أول قصر للثقافة المسمى الإمامة، وأربعة متاحف، وقارب رقم المشاريع الثقافية 100 مشروع، أما من الناحية الثقافية فإن ميزانية تظاهرة عاصمة الثقافة العربية كانت ضعف ميزانية قسنطينة عاصمة الثقافة العربية حيث بلغت 1400 مليار سنتيم، بحجة أن تلمسان كانت عاصمة إسلامية استضافت قرابة 30 بلدا، بينما لن يزيد عدد البلدان التي تستضيفها قسنطينة عن 20 بلدا، وطبعا لعب انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية والتقشف المعلن حكوميا، في اتساع الهوّة بين التظاهرتين، وكما حاولت الوزيرة السابقة للثقافة السيدة خليدة تومي العزف على أوتار الأرقام، في تظاهرة العاصمة الجزائرية، حاولت أيضا في تظاهرة تلمسان، حيث تحدثت عن مرور ألف فنان من بلاد العالم واحتضان المدينة لمئتي حفل فني، وملء المكتبة الوطنية بـ 365 عنوان، وتكرّرت نفس فضائح العاصمة في 2007، حيث كانت غالبية المؤلفات لا علاقة لها بالتاريخ، وكان يكفي ذكر كلمة تلمسان في العنوان لتباشر مطابع وزارة الثقافة، طبع الكتب وضخها للتظاهرة دون أن يكون لها أي صدى في المشهد الثقافي.
700مليار سنتيم لتظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية
من سوء حظ المشرفين على تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية 2015 ومن حسن حظ الجزائر، أن موعد التظاهرة تزامن مع الانهيار المريع لأسعار النفط، فتقلصت الميزانية الخاصة بالتظاهرة الثقافية إلى حدود 700 مليار سنتيم فقط، ولم يتسلم محافظ التظاهرة لحد الآن سوى 400 مليار، كما أن المشاريع الكبرى توقفت عند فندق ماريوت وقاعة زينيت للعروض فقط، ولم تتعدى الميزانية المليار دولار، ذهبت الحصة الكبرى لمؤسسات صينية تولت الإنجاز في ظرف قياسي، إضافة لمؤسسات برتغالية وإسبانية وإيطالية مختصة في الترميم، بعد أن تبخرت العشرات من المشاريع مثل قصر المعارض ودرب السياح، فاتضح بأن التظاهرة جلبت لقسنطينة الكلام الكثير، من دون مشاريع تذكر، وحكاية احتضان قسنطينة تظاهرة عاصمة الثقافة العربية، بدأت منذ أن اختيرت تلمسان لاحتضان تظاهرة عاصمة الثقافة الإسلامية، حيث تساءل الكثيرون في حيرة، ووصل صدى ذلك إلى وزيرة الثقافة السابقة خليدة تومي، ومحيط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لأن قسنطينة هي مدينة العلامة الإسلامي الكبير عبد الحميد بن باديس والمفكر الإسلامي العالمي مالك بن نبي، ومهد جمعية العلماء المسلمين وعاصمة الجامعة الإسلامية الأمير عبد القادر، فحاولت خليدة تومي أن تعوّض المدينة، فاقترحت أن تسميها لتظاهرة عاصمة الثقافة الأمازيغية، بالرغم من أن المدينة بعيدة جدا عن ما حاولت الوزيرة السابقة دفعها إليه، من خلال اهتمامها اللا محدود بضريح ماسينيسا في الخروب بذات الولاية، ليتدخل رئيس الجمهورية ويقترح احتضان المدينة لتظاهرة عاصمة الثقافة العربية، وكان من المفروض أن تظهر المدينة في حلة جديدة، ولكن، كل المساعي باءت بالفشل، وهي لحد الآن بعيدة عن أن تكون جاهزة لاحتضان التظاهرة العربية من كل النواحي، فقد رصدت الولاية مبلغ 1800 مليار لإصلاح الطرقات ومازالت جميعها مخربة، وستستقبل زوارها من العرب وهي لا تمتلك حديقة واحدة.
وبعملية حسابية بسيطة نجد بأن الجزائر في خمسة مهرجانات فقط، قيل بأنها ثقافية، قد صرفت أكثر من سبعة ملايير دولار في البنى التحتية والترميم، و8100 مليار سنتيم في المشهد الثقافي الذي يتركز على الأغاني والرقص والسينما والمسرح والقليل من الأدب والرسم، هذا دون عدّ ميزانية بقية المهرجانات التي تشهدها الجزائر باستمرار وفي مختلف الولايات، وكلها مصاريف تصبها الدولة في غياب “السبونسور“، ومن دون انتظار النتائج الثقافية.