الإبراهيمي: خرجنا من النفق .. ولم نصل إلى بر الأمان
قال “الأخضر الإبراهيمي” الدبلوماسي الجزائري والمبعوث الأممي والعربي المشترك السابق، الأربعاء، إنّ الجزائر خرجت من نفق التسعينات المظلم، لكنها لم تصل إلى بر الأمان بشكل كامل، داعيا إلى إصلاح ينخرط فيه كل من الحكام والمحكومين.
في حوار بثه التلفيزيون الجزائري، صرّح الإبراهيمي (80 عاما) إلى أنّ الجزائر التي “قاست الكثير جرّاء استعمار طويل وكفاح مرير”و”غداة مرحلة ما بعد الاستقلال التي أصاب فيها النظام حينا، وأخطأ مرات أخرى”، يجب مثلما قال “أن تتعلم”، مشيرا إلى أنّ ما شهدته عشرية العنف من قتل، “ارتكبه شباب خرجوا من مدارسنا وعائلاتنا”، وعليه تساءل:”من المسؤول؟ طبعا نحن أولا وأخيرا”.
وفي تشخيصه لمعضلات الراهن الجزائري، ركّز وزير الخارجية الأسبق على أنّ “التعليم يعاني مشكلات كثيرة”، لكنه رفض اختزال الأمر في المدارس، بتشديده:” العلم ليس المدرسة فقط، بل في البيوت أيضا، فهل أرباب العائلات قاموا بأدوارهم؟ هذا السؤال ينبغي أن يطرحه كل واحد على نفسه”.
وعن الوصفة التي يراها للخروج من هكذا مأزق، أوعز الإبراهيمي:” كحكام ومحكومين، لا نزال مطالبين بالنظر إلى نموذج التنمية في كل من كوريا الجنوبية والصين واليابان ومالبيزيا، والتشبع بفكرة أننا نستطيع العمل أحسن، فما حصدته تلك الدول في عقود، نستطيع إنجازه في أقل مدة”.
واستطرد المبعوث الأممي السابق إلى العراق وسوريا، مخاطبا الجزائريين:”لا ينبغي أن نبقى هكذا، علينا أن نصلح ما بأنفسنا”، مبديا استعداده للإسهام، قائلا: “حتى في هذه السن المتقدمة، لن أتأخر عن أي مساعدة هنا أو هناك”.
“اللاتدخل” لا يساوي “اللامبالاة”
نوّه الإبراهيمي بإحرازات الدبلوماسية الجزائرية، واستعاد مآثر الأمير عبد القادر عبر ما كتبته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية سنة 1875، حينما كتبت تحليلا عن الأمير واعتبرته أعظم سياسيي القرن التاسع عشر.
وانتقل الدبلوماسي الجزائري المحنّك إلى الذي انتاب اتفاقيات إيفيان، حيث أشاد بنجاح الوفد المفاوض في تفادي الفخاخ الفرنسية ومساومتها الجزائر على الاستقلال لقاء التقسيم والتنازل عن الصحراء، ولاحظ المتحدث أيضا أنّ الدبلوماسية الجزائرية وفّقت منذ مرحلة ما بعد الاستقلال، وضرب مثلا بتسييرها لأزمة الرهائن، وتوسطها الشهير في الأزمة العراقية الإيرانية عبر الفقيد “الصديق بن يحيى”.
ولاحظ الإبراهيمي إنّ الجزائر دوما كانت تؤمن بالسلم والتوافق والتعاون وحل المشاكل وفق مبادئ الشرعية الدولية، مع إيمانها الراسخ بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما يفسّر تصميمها على عدم التورط في المستنقعين المالي والليبي.
في هذا الشأن، أوعز الوزير السابق:”أتفهم الموقف الجزائري الدائم بعدم التدخل، وطبعا اللاتدخل لا يساوي عدم المبالاة، فما يحصل على حدودنا يثير انشغالا عميقا”.
مرسي سقط ضحية الإخوان
في تطرقه إلى ما ينتاب “دول الربيع العربي”، أحال الإبراهيمي إلى وجود “شبه إجماع على أنّ تونس أحسن حالا من ذي قبل”، بالمقابل، لم يخف المبعوث الأممي السابق أنّ “وضع مصر أكثر صعوبة وتشعبا”، لكنه أردف:”أتطلع إلى الخير مع تجربة المصريين “الجديدة” مع السيسي”، وذهب المتحدث إلى أنّ “الإسلام السياسي واجه اختبارا جديا في مصر لكنه لم ينجح”، معتبرا إنّ “التيار الإسلامي في مصر ليس هو من حرّك الثورة، بل التحق بالركب وقاد الموجة”، كاشفا: “التقيت مرسي مرات كثيرة على المستوى الشخصي، واكتشفت طيبة الرجل، وأرى أنّ الإخوان كبّلوه، ولم يتركوا مرسي يشتغل”.
وحول الوضع في اليمن، ذكر الإبراهيمي:”القاعدة عشّشت في اليمن، والوحدة التي تمت بين الشمال والجنوب لم تعمّر، والوضع صار هشا، ما ينذر بخطر التدخل الأجنبي”، مضيفا:”الحوثيون يلعبون دورا أكبر هناك، حيث انتقلوا من نطاق عائلة ثم قبيلة، إلى مستوى مدينة، كما أنّ الحوثيين هم التيار الزيدي وهم قوة”.
ما يحصل في سوريا “لعبة شطرنج”
عرّج الابراهيمي على الحالة اللبنانية، ولاحظ باسما أنّه ليس هناك لبناني واحد لا ينتقد اتفاق الطائف (1989)، مع أنّ الاتفاق إياه يبقى هو المرجعية، وقدّر المتحدث جازما إنّ “المشاكل الطائفية والمذهبية، تعقد الوضع في لبنان لكن الأخير أفضلا حال الآن من 1989 حينما كانت هناك حكومتان”، وخلص الإبراهيمي أنّ “العقبة حاليا تأتي من الخارج، وليست من اللبنانيين الباحثين عن انتخاب رئيسهم”.
عن الملف السوري الساخن، “تمنى” المبعوث الأممي والعربي السابق في دمشق، أن ترفع بعض الدول العضوة في الجمعية العامة الأممية أصواتها أكثر، بعيدا عن أولئك الذين تمسكوا بمقولة:”سقوط الأسد، مع أنّ الرجل لم يسقط، ولن يسقط قريبا”، وأشار الابراهيمي إلى أنّ “سوريا بلد معقّد، فهو بلد أقليات وبلد مثقف، لكننا لا نعرف من هو السني، والمسيحي والعلوي”.
وأوعز قائلا:”حل الوضع السوري ليس بقرار في نيويورك، بجاهزية أطراف الداخل المتصارعة للتوافق”، مسجلا أنّ “القضية السورية تحرّكها بعض القوى كلعبة شطرنج لخدمة مصالح أكبر لا صلة لها بسوريا”، وعليه شدّد الإبراهيمي:”ولائي للشعب السوري فقط، ومساعدته على حل مشاكله”، منتقدا الانقسام العربي واتخاذهم قرارات غير مشتركة، مقارنا مع “نموذج منظمة آسيوية نشأت بعد ميلاد الجامعة العربية بكثير، وحققت الكثير رغم انتفاء روابط الدين واللغة، لكن الجوار وفّر ناتجا أوفر”.
نعم لاستقلالية القرار الفلسطيني
تناول الإبراهيمي البعد الهائل للقضية الفلسطينية الأمّ في أوروبا حاليا، حيث برزت عدة مواقف معارضة للكيان، وداعمة لفلسطين، على منوال ما حدث في السويد قبل أسبوع، ومع ذلك لم يثمّن “صوت عربي واحد الموقف السويدي وغيره”.
وأيّد الابراهيمي نصرة الشعبي الفلسطيني بعيدا عن “سلطة أبو مازن وحماس”، عبر دعم استقلالية القرار الفلسطيني، ملخّصا ما حدث في الحرب الأخيرة:”كأنّنا قلنا لفلسطين اذهبي وربك فقاتلا ..”، وانتهى إلى أنّ “ما وصلت إليه إسرائيل، محض ضعف منا”، ما “يستدعي رفع الشعوب العربية لأصواتها”، خاصة مع ما هو حاصل على الصعيد الرسمي، متوقفا عند حادثة ترأسه في 2011 لجنة لإصلاح العمل العربي المشترك، وتقديمها “تقريرا طويلا وعريضا حُظي بالإشادة، لكنه وضع في رف من الرفوف الكثيرة، رغم أنّه تطلب عاما من العمل، لكن لم تكن هناك أي متابعة”.