-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
المواطنون أصبحوا يبحثون عن النوعية

سوق “واد كنيس” مهدّدة بالاندثار

الشروق أونلاين
  • 17639
  • 0
سوق “واد كنيس” مهدّدة بالاندثار
الشروق
سوق الخردة بواد كنيس

يجمع الكثير من المواطنين على أن تجارة الأثاث القديم والخردوات “قش قديم” تحتاج إلى صبر وتجلد ونفس طويل، ليتمكن ممارسها من مواجهة قِدم سلعته ومتطلبات زبائنه الباحثين عن الجودة والأصالة بأسعار مقبولة في كومة من الخردوات، فبين من يفضل التنقل بعربته في الشوارع مرددا أغنيته الشهيرة “قش قديم، خزانة، بيفي وفورنو”، وبين صاحب محل، يقضي تجار “القش القديم” أوقاتهم في انتظار زبون يحنُّ للأيام الخوالي. فقد استطاعت موجة تغيير الديكورات وأثاث المنازل واستبدالها بأثاث فاخر مستورد من ايطاليا، وتايلاند وماليزيا أن تشد الأنظار إليها رغم ارتفاع أسعارها، لتتمكن من التربع على عرش الأثاث في الجزائر وتزيح الأثاث القديم في فترة وجيزة.

كانت سوق “واد كنيس” تحظى برواج كبير في العشريات الثلاث الماضية، وبخاصة في التسعينيات بسبب تدهور القدرة الشرائية للجزائريين والغلاء الفاحش لمجمل الأسعار، ومنها أسعار الأجهزة الالكترونية والكهرومنزلية والأثاث، ما دفع الناس إلى الإقبال عليها لاقتناء حاجياتهم من أثاث وأجهزة منزلية قديمة بأسعار معقولة تناسب محدودية دخلهم، إلا أن تحسُّن القدرة الشرائية لأغلب الموظفين في شتى القطاعات في السنوات الأخيرة وحصولهم على مؤخرات أجور عالية، دفعتهم إلى الإقبال على كل جديد والبحث عن النوعية، ما أصاب سوق “واد كنيس” في مقتل.

ويحترف تجارة “قش قديم” والخردوات شبانٌ وكهول من فئات عمرية مختلفة، بعضهم يفضل التجول في رحلة شاقة يومية بين الأحياء وأزقة العاصمة لتجميع الأثاث القديم، وآخرون يفضلون ممارسة نشاطاتهم داخل محلات تجارية بطريقة قانونية في سوق “واد كنيس” والتي كانت إلى غاية الأمس القريب أشهر أسواق الدلالة في العاصمة، لتعود اليوم بوجه شاحب لا يعكس قيمتها ومكانتها الخاصة والتي تحظى بها عند العاصميين. 

جمال: المهنة متعبة وغير مربحة ولن أورّثها لأبنائي

وصلنا إلى السوق في حدود الساعة الحادية عشر صباحاً من يوم الجمعة، كانت تعجُّ بحركة الباعة والفضوليين الراغبين في الإطِّلاع على الأسعار، دخلنا محلا لبيع الأثاث القديم والخردوات وبمجرد أن تحدثنا مع صاحبه المدعو “جمال”، والذي تعمل عائلته في تجارة الأثاث القديم منذ سنوات الأربعينيات، حتى رحب بنا ليبدأ كشف أسرار مهنة كانت من أعرق الوظائف عند الجزائريين لكنها اليوم مهددة بالاندثار؛ فالأثاث القديم لم يعد محبَّبا لدى أغلبية الزبائن وعمليات البيع بالتقسيط جعلت الكثيرين يعزفون عنه ويفضلون الجديد، مضيفا أنها مهنة شاقة ومتعِبة والربح فيها قليل، وقد تمرُّ أيامٌ لا يبيعون فيها شيئا، لكن التكنولوجيا الحديثة جنبتهم عناء البحث عن زبائن، فيكفي على الراغب في بيع أي قطعة قديمة من أي مكان في العاصمة الاتصال فورا ليقوم التجار بشرائها منه وتنظيفها ثم عرضها للبيع، لكن سوق “واد كنيس” فقدت بريقها بسبب المشاريع المقابلة والمضايقات اليومية للباعة.

 

أثاث الزوجية من محلات الخردة 

يرى صاحب محل خاص ببيع الأثاث القديم في “واد كنيس” أن فكرة اقتناء الأثاث القديم في حد ذاتها لم تعد تستهوي المواطنين، فالجميع يبحث عن التغيير والتجديد وهو سبب وجود أثاث في حالة جيدة داخل محلاتهم، فمهنتهم مهددة بالانقراض في غضون 20 سنة القادمة. مستطردا أن زبائنهم في الغالب يشترون عدة أغراض دفعة واحدة وهناك عرسان من ولايات مجاورة للعاصمة اقتنوا جهاز بيتهم الجديد من محله، مشيرا أن الإقبال يكون كبيرا في فصل الصيف وشهر رمضان أيضا، والمتزامنين مع عودة المغتربين إلى أرض الوطن فهم يعشقون اقتناء القطع القديمة حتى وإن كلفتهم الملايين.

وان كان هذا حال تجار “القش القديم” المالكين للمحلات، فإن “كريمو” يجمع الأثاث القديم على متن عربته الصغيرة من خلال تجوُّله في الأحياء والأزقة، فيرى أن نشاطهم مازال مُربحا نسبيا خاصة عند تجوُّلهم في  الأحياء الفخمة والتي يقبل أصحابُها على تغيير الأثاث باستمرار في نهاية كل موسم دون الاهتمام بشكله أو بصلاحيته. وأضاف محدِّثنا أنه يقوم بتجميع مختلف الأغراض من أدوات كهرومنزلية وأثاث ودراجات لينقلها إلى مستودعات خاصة بغية استصلاحها وإعادة ترميمها ثم تعرض للبيع، مواصلا أن عملهم يجعلهم عرضة للإصابة بأمراض شتى كالضربات الشمسية والحمى وارتفاع ضغط الدم وبعض الأمراض الجلدية والحساسية، كما يتعرضون لمضايقات من قبل بعض السكان بسبب ارتفاع أصواتهم إلا أنهم لا يهتمون بها.

 

المواطنون يعزفون عن اقتناء الأثاث المستعمَل

إلى ذلك، أوضح الطاهر بولنوار، رئيس اتحاد التجار والحرفيين في اتصال لـ”الشروق”، أن الاتحاد لديه مشروع لتشجيع كافة التجار والحرفيين وبالأخص التجار غير المنظمين أمثال باعة “القش القديم” المتجولين في الشوارع على القيام بنشاطات تجارية منظمة بشكل قانوني وذلك بعد حصولهم على سجل تجاري كي يتمكنوا كغيرهم من الاستفادة من محلات تجارية في الأسواق التي تقيمها البلديات. وأضاف بولنوار أن بعض تجار الأثاث القديم في سوقي واد كنيس والحراش يواجهون مشاكل ومخاطر عديدة منها تورّطهم في بيع بضائع وقطع من الأثاث والتجهيزات الكهرومنزلية مسروقة أو مهرَّبة لجهلهم بهوية الزبون المتعامَل معه ومصدر هذه البضاعة وهو ما قد يرهن مستقبلهم، مفيدا أن أغلبهم يشتكون من تراجع نسبة الإقبال على سلعتهم بسبب نموِّ وتطور الوعي لدى المواطنين الذين كانوا يفضلون شراء هذا النوع من البضاعة لانخفاض أسعارها وتناسبها مع قدرتهم الشرائية، غير أنهم وبمرور الوقت أصبحوا يبحثون عن الجودة والنوعية بغض النظر عن السعر سواء كان مرتفعا أو رخيصا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!