-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أتلذّذ عندما تتعذّب

أتلذّذ عندما تتعذّب

في صائفة 1938 زار الإمام المرتضى عبد الحميد ابن باديس مدينة بجاية متفقّدا شُعبتَها ومدرستها، متّصلا بأبنائها، حاثّا لهم على الأخوّة الإيمانية والوحدة الوطنية، وهما دواء التخلّص من داء العبودية، فقضيةُ تحرير الجزائر “قضية شعب وليست قضية حزب”، كما كان يردّد رضي اللهُ عنه.
لقد غطى هذه الزيارةَ أحدُ طلبة الإمام من أبناء تلك المنطقة الشاب عمر بوعناني، الإمام في مسجد كتشاوة بعد طرد فرنسا الباغية من الجزائر. كتب الأستاذ بوعناني قائلا إنّ معلمًّا سأل الإمام ابن باديس عما يقال عنه من أنّه “عدوٌّ لفرنسا”، فأجابه الإمامُ في حكمة وشجاعة قائلا: “كلَّا، أحرارُ فرنسا لا يقولون هذا ولا يعتقدونه، أنا لستُ عدوّا لفردٍ من الأفراد، ولا لحزبٍ من الأحزاب، ولا لجنس من الأجناس، ولا لدولة من الدول، وإنّما أنا عدوُّ الظلم والاستبداد، وعدوُّ الجهل والجمود من أيِّ فردٍ، ومن أيِّ جنس، أقاوم الظلم ولو كان قريبا مسلما، وأنصر المظلوم ولو كان بعيدا غير مسلم”. (جريدة البصائر في 1/ 7/ 1938).
تذكّرتُ هذا الكلام الإنساني العالي والغالي القيمة وأنا أقرأ كلامَ الفرنسي العنصري المسمى روبير مينار رئيس بلدية بيزيي في جنوب فرنسا، الذي صرّح لإذاعة “سود راديو” (Sud Radio) قائلا إنّه حزينٌ لطرده من الجزائر جنة الفرنسيين الدنيوية، التي وُلد فيها سنة 1953 ويودّ زيارَتها، ولكن السلطات الجزائرية لم تمنحه التأشيرة.. قال ذلك وهو “يغالب دموعه”، لأن الجزائر حرمته من زيارة “بلاده” التي سمّاها “جزائر الأحلام”. (جريدة الشروق في 1/ 3/ 2026. ص 3).
أنا على مذهب إمام الجزائر عبد الحميد ابن باديس، إنسانيّ النزعة، مرهف الإحساس، نبيل الشعور، لأنّ “الإسلام الصحيح” ربّاني على ذلك، ولكنني بالنسبة للفرنسيين الذين أهانوا ديني، وحاربوا لغتي، واستعبدوا شعبي، واستغلوا ما فوق أرضي وما تحتها، أنقلبُ إلى شخص آخر ليس في قلبه مثقال حبّةٍ من خردل من شفقة أو رحمة أو عطف على هؤلاء الفرنسيين الذين استعلوا على شعبي في أرضه، وشوّهوا إنسانيته، فجوّعوه وشبعوا، وجهّلوه وتعلّموا، وحرموه من أبسط وسائل العيش وتنعّموا، ومنعوه حتى من نِسبته إلى وطنه، فلم يسمّوه جزائريًّا، وأطلقوا عليه مصطلح “أهلي” indigène، وعربي Arabe، ومسلم Musulman، وكلّ ذلك احتقارا لشأنه، واستهانة بجنسه، وسخرية من دينه، وتشرّفوا هم بالانتساب إلى وطني، فتسمّوا باسم “جزائري” برغم اختلاف السمات والسحنات، وجوَلان الضاد في اللهوات، كما يقول الإمام محمد البشير الإبراهيمي.
إنني أشكر سلطات بلادي التي لم تسمح، ولا تسمح، وأرجو أن لا تسمح مستقبلا للعنصريين الفرنسيين، ولـ”الحركى الخائنين” بزيارة الجزائر. وأمّا عن نفسي فلو أقدرني القادرُ -عزّ وجلّ- لحرمتُك يا روبير مينار من رؤية الجزائر حتى في منامك، ولطمستُ على عينيك -وأمثالك- حتى لا تقعا على جزءٍ منها. لقد نزعتم الرحمة من قلوبنا بعنصريتكم ووحشيتكم، فذوقوا نتيجة أفعالكم القذرة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!