أحلام مستغانمي في عملها الجديد «أصبحت أنت”
يتراءى بأن جيل الاستقلال، أي أولئك الذين كانوا أطفالا، حينما بدأت أو أثناء ثورة التحرير الجزائر مطالبون بكتابات شهاداتهم كونها فترة حساسة، أذ يمكن أن تمنح بعض الوثائق أو الشهادات للمرخين والمهتمين بتلك الفترة الحساسة من تاريخ الجزائر.
وبالتالي فهي تتطلب من الكتاب والروائيين والباحثين إلى تمعّن وتقديم دراسات عميقة وأكاديمية صارمة، لكي يتسنى لنا كشف أنفسنا بشكل حقيقي، عليه فإن ما حاولت القيام به أحلام مستغانمي في “سيرتها الروائية” أصبحت أنت، الصادرة حديثا (2023) في بيروت عن نوفل، وتقع في 302 صفحة، من الحجم الكبير، والموزعة على قسمين، الأول في ستة فصول، والثاني في أربعة فصول. يدخل في هذا السياق.
تقول أحلام في الصفحة 169 “نحن لا نشفى من ذاكرانا، ولهذا نحن نكتب، ولهذا نحن نرسم، ولهذا يموت بعضنا أيضا”، وهي مقولة تلخص بشكل من الأشكال مهنة الكاتب الواعي المتسلّح بالكتابة كعتاد للحكي والسرد ودغدغة الضمير الإنساني، ومرجح أن أي قارئ لهذا العمل يستوقفه الإهداء المعبّر بعمق عن العلاقة بين الساردة والمساهمة في السر د، وبين الأب، الذي غادر الحياة دون أن يقرأ ما كتبت ابنته تقول: “ما جدوى ما أكتب ما دام ليس في المقابر مكتبات ليقرأني أبي”. وهو شيء مستحيل طالما أن والدها، بطل “أصبحت أنت” الموجه إليه هذا الإهداء قد غادر الحياة.
تعبر أحلام في عملها هذا عن علاقتها الهائلة مع والدها، الذي التحق بصفوف ثورة التحرير الجزائرية وتحمّل النفي هو وعائلته إلى تونس، ليعود إلى وطنه بعد الاستقلال كإطار في الدولة، كله إيمان بأن وقت العمل قد حان من أجل جزائر لكل أبنائها، جزائر مبادئ أول نوفمبر الذي كانت الشرارة الأساسية لانطلاق ثورة التحرير، عاد إلى الجزائر والأمل يحدوه هو والكثير من رفاقه في رفع التحديات لبناء وطن يؤم الجميع، وطن الشرفاء الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل حفظ الأمانة الغالية التي ضحى من أجلها الشهداء، “نحن لا نحزن على شيء تمنيناه ولم يحدث، الّألم العميق يأتي مما حدث مرة واحدة، وما كنا ندري أنه لن يتكرر” (ص. 31) .
تطرقت أحلام إلى عواقب وانعكاسات انقلاب 1965 الذي (ربما) لم يكن منتظرا، وكانت عواقبه سيئة على نساء ورجال مثل والدها، لأنهم وجدوا أنفسهم مشرّدين من عملهم، وأنهم أحسوا بطعنات في ظهورهم، لم يستوعبوها، ووجدوا أنفسهم مرة أخرى إما أن يقبلوا بالواقع الجديد، أو يعودون إلى حياة التشرد والملاحقة من “ذوي القربى”، فمنهم من فر إلى الخارج، ومنهم من استبعد من عمله، ومنهم من دخل السجون، ومنهم من دخل في معارضة للنظام الجديد.
أما والد أحلام فمن قوة الصدمة وجد نفسه في مصحة الأمراض العقلية، حيث كانت تزوره يوميا، دونت تلك الزيارات مستهلة فصول الكتاب بمقولات لشعراء وكتاب وسياسيين ومناضلين عرب وعالميين، حيث ركّزت على حالة الوالد التي تدهورت بين عشية وضحاها، وفي ذلك التركيز تعود إلى الوراء لتحكي على ماضي العائلة الثوري وعلى دراستها وعلى الطريق الذي كانت تأخذه للالتحاق بوالدها، حيث كانت الشوارع مزدانة بالورود، وعن تعب المواصلات، وعن الحمام الذي كان يحوم في حيهم ، والحمام هنا ذا مقصدين الأول تعني المخبرين الذين كانوا يتابعون حركات الناس ويكتبون عنها، والحمام كحقيقة ملموسة لأن بعض الفضاءات في الجزائر عرفت بتواجده منذ عقود وعقود وهو يؤثثها بسخاء ويعطي للمكان منظرا جميلا يعبر عن تعايشه مع أهل العاصمة، كما تطرقت إلى مشاهد المغادرين والوافدين، وعن فرح هؤلاء.
هذا دون أن تنسى أن تذكرنا بحبّها للكتاب الذي أورثته على والدها، حيث كان يريد أن يكون كاتبا، حيث تخاطبه في سيرتها قائلة: «كلُّ كتاباتي كانت تنقصها دهشتك. كلُّ نجاحاتي كان ينقصها زهوك. أيُّ شقاءٍ أن تكتب للقارئ الوحيد الذي لن يقرأك”
لقد منح الواجب الوطني الأب فرص كثيرة للالتقاء بأهم الشخصيات السياسية والثقافية، ولا تنسى الساردة أن تتوغل في قصص حب والدها، وغيرة أمها سيدة البيت، التي اعتكفت على تربية الأولاد.
كان والدها يفكّر بأن الاهتمام بالبلاد بعد التضحيات، هو أولى الأوليات، وأنه خلال نضاله ذاق مرارة التنقل والتهميش والترحيل، هذه الرحلات “المجبر فيها أخاك لا بطل” جعلته يتعرف على الكثير من الرفاق منهم من استشهد ومنهم من تبوأ مسؤوليات، ومنهم من غيّب.
واصلت الساردة دراستها بعد الاستقلال، ودخلت الإذاعة وهي شابة صغيرة، وعرفت بصوتها العذب، حيث أشرفت على حصة أدبية لمدة سنوات، غير أن طريقها ذلك لم يكن مفروشا بالورود كما يقال، لأن بعض المثقفين أو المشرفين على الثقافة وبعض الشعراء كانوا يغيرون منها، وظفوا كل ما يملكون من مكائد من أجل منعها أو إعاقة مسارها ومواصلة حصتها لكنها، تحدّت تلك المكائد بكثير من الصبر والثقة في النفس.
بالمقابل فقد رصدت في كتابها مسارها في ذهابها وعودتها على المستشفى مرورا بقصر الحكومة والبريد المركزي واصفة الشوارع كما تحدثت عن حلوى «الميل فاي «Mille feuilles أو «ذاكرة الزمن الصعب «بمصطلحها، التي كانت تشتريها لوالدها. وعن طعم هذه الحلوى يقول والدها: «تدرين.. الإشكالية في كل ما هو حلو، هي أننا حال الانتهاء منه نحتاج إلى الماء، وعندها يذهب المذاق، فنريد المزيد منه».
خرج والدها من المستشفى بعد العلاج ناقما وغير راض على ما آل إليه وضع البلد، أما الساردة، أحلام، فواصلت تحصيلها العلمي وانتقلت إلى باريس لتناقش دكتوراه مع جاك بيرك، أحد جهابذة المستشرقين الفرنسيين.
في الحقيقة فإن السرد يتواصل ملتحما بين هي وهو، ولذا فإن الحكي عن الوالد مرتبط بمسارها هي،
كونها تتطرق إلى مسارات متقاطعة لبلد ولوالد ووالدتها، ولعل أثباتها لكلمة وبخط المرحوم أحمد بن بلة على الصفحة الرابعة من الكتاب “إن أحلام مستغانمي شمس جزائرية …” يرمز إلى دلالات كثيرة من ضمنها الإعجاب بصدق ونبل هذا الرجل، علاوة على صداقته مع والدها، ومع المرحوم عبد الحميد مهري، كما تؤكد على سماحة ونقاء بن بلة، الذي ورغم سنوات سجون الاستعمار وسنوات سجن ذوي القربى، بقي رجلا صنديدا متسامحا، حيث كانت الجزائر واستقرارها همه الأكبر والأوحد. وهنا مربط الفرس مع والدها الذي كان هو الآخر قد عاش آمالا كثيرة قبل الاستقلال، تبخّرت لسوء الحظ تبددت رويدا، رويدا، لأن السنوات التي عاشها بعد الانقلاب كانت مرة وحزينة مما جعل حياته لا تعرف الهدوء والسكينة، وربما مرضه كان بشكل من الأكال، نوعا من التمرّد على الواقع البئيس المغيّب للحلم المشترك بين الجزائريات والجزائريين.