إعادة البكالوريا.. أدنى ما نقوم به!
إعادة امتحان البكالوريا هو أدنى ما ينبغي أن تقوم به وزارة التربية، بعد أن تَساوى المُجتَهد مع الكسول، والأمين مع الخائن، والمزيّف مع الحقيقي، والمُزوِّر مع الرافض للتزوير.. إعادة امتحان البكالوريا هو أدنى ما يمكن القيام به للحفاظ على ماء وجه، لِمنع أن يجلس جَنبا إلى جنب غدا في الجامعة الطالب المجدّ والمُكّد الذي سهر الليالي لسنوات ليُحسِّن مستواه، مع مَن سَهر ليلةً واحدة كاللص يترقب فريسته، هذه البكالوريا المزيفة!
إعادة هذا الامتحان هو أدنى ما نقوم به لرد الجميل للأمهات والآباء الذين سهروا وتعبوا وأنفقوا القليل والكثير، من أجل أن يتعلم أبناؤُهم ويتفوقوا في دارستهم من غير غش أو خِداع.. إعادة امتحان البكالوريا هو أدنى ما نُعيد به الاعتبار للأستاذ الذي بَذل كل ما يستطيع من جهد ليتفوّق تلامذته، للمدير الذي عمل لسنوات حتى تتفوّق ثانويته، للأسرة التربوية بكافة مكوِّناتها، حتى ترى ثمرة الجهد الذي بذلته يتحقق بلا زيف أو خداع، فإذا بالحابل يختلط بالنابل وإذا بالمتأخِّرين يتقدَّمون الصفوف الأولى لنيل الجوائز وربما سيُستقبَلون في رئاسة الجمهورية.. مِن أعلى سلطة في البلاد…
إعادة هذا الامتحان هو إنصافٌ للجميع، ليأخذ كل ذي حق حقّه، وفي المقام الأول رد اعتبار للتلاميذ النجباء، وذوي الأخلاق العالية الذين رفضوا قراءة التسريبات حتى وهي بين أيديهم، هي تكريمٌ للأولياء الذين مَنعوا أبناءهم من الغش، ودَرسٌ لمن طَاوعته نفسه فانساق أمام النجاح السّريع، كما انساق غيرُه أمام الربح السريع، وغيرها من مغريات الحياة… إعادة هذا الامتحان هي رسالة أمل في مواجهة مخططات اليأس التي تستهدف أبناءنا وشعبنا، هي تأكيد على مقاومة الفساد، ومحاربة المفسدين، هي تصحيحٌ لسلمِّ القيم.. هي دليل إصرارنا على أننا ينبغي أن نبقى صامدين في وجه كل محاولات تحطيم معنوياتنا، وتخريب عقول أبنائنا، ودفعهم نحو الانحراف والكُفر بالقيم السامية وبالقانون وبكل مكوِّنات الدولة.
وإعادة الامتحان لا تكفي، بل يجب تقديم أصحاب هذا الفعل الإجرامي أمام العدالة، ومحاكمتهم أمام الملأ، وكشف مخططاتهم للرأي العام، وجعلهم عبرة لغيرهم… إعادة هذا الامتحان ينبغي أن تكون بهدف إعادة هيبة الدولة ومصداقية شهادتها ومصداقية حكوماتها ووزرائها وكل أساتذتها… أليس من بين مسيِّري هذه الدولة أساتذة؟
ما الذي ينبغي أن يفعله أستاذٌ وقد وجد صبيحة الامتحان جهة معينة قد سَرَّبت سؤاله؟
لا أشك أنه لن يتردد لحظة في إعادة الامتحان، والبكالوريا ليست أي امتحان..
ولو كُنت أستاذا مستشارا لرئيس الجمهورية أو أستاذا وزيرا للتربية لخيَّرت الجميع بين أن أعيد المصداقية لأهمِّ شهادة مصيرية في البلاد أو الاستقالة. بهذا فقط أبرئ نفسي وأنضمّ إلى جبهة الأمل ضد صانعي اليأس في أي موقع كانوا.