إلى صلاة الجنازة يرحمكم الله!
مرّ الآن أسبوعٌ كامل منذ أن كشفت وزيرة التربية بن غبريط رمعون أنها ستقدّم للحكومة مقترحاتها المتعلقة بتدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية في التعليم الثانوي وكذا إلغاء التربية الإسلامية من بكالوريا الشُّعب العلمية وجعلها وباقي مواد الهوية اختياريةً في شعبة الآداب.. وقد قدّمت هذه المقترحات الثلاثاء الماضي، وربما تصادقُ عليها الحكومة قريباً لتُطبَّق ابتداءً من سبتمبر المقبل، لكن كل ذلك لم يُثر ردود فعل لدى عشرات الأحزاب التي تعجّ بها الساحة ولدى مختلف فعاليات المجتمع من جمعياتٍ ومنظمات وشخصيات وطنية كثيرا ما ادّعت الدفاع عن عناصر الهوية الوطنية، ولكنها انكفأت على نفسها وآثرت صمت القبور عوض أن تتصدى لمخطط بن غبريط في حدود وسعها!
كيف تقول سبعة أحزاب إن مرجعيتها إسلامية ثم تصمت إزاء تهميش التربية الإسلامية في المدرسة، بل وذبْحها تماما ودفع ملايين التلاميذ إلى العزوف عن دراستها؟ ألا تستطيع أن تتحرّك لإقناع الحكومة بأن ذلك لا يصبّ في إطار الحفاظ على المرجعية الدينية الموحِّدة للجزائريين والتي طالما تحدّثت عنها وزارة الشؤون الدينية؟ ألا يستطيعون إقناع الوزير الأول سلال بأنه إذا هُمّشت التربية الإسلامية ولم تتكفل المدرسة بتعليم أطفالنا دينهم ووفق مرجعيتنا المعروفة بوسطيتها وتسامحها، فسيتجّهون إلى الإنترنت ومصادر أخرى لتعلّمه، ومن ثم يقعون فريسة سهلة للتطرّف والإرهاب؟
الأمر نفسه ينطبق على عشرات الأحزاب الوطنية التي ينبغي أن تضع حدا لسلبيتها الشديدة وتنبري بدورها للدفاع عن عناصر الهوية الجزائرية قدر استطاعتها، ولو بالبيانات والمساءلات البرلمانية وذلك أضعف الإيمان..
وما دام حزب جبهة التحرير الوطني هو عميد الأحزاب الوطنية في الجزائر بالنظر إلى تاريخه الطويل، فهو مدعوّ إلى أن يكون في مقدِّمة المدافعين عن العربية وباقي عناصر الهوية، ومنها التاريخ الذي ساهمت في صنع جانبٍ مهمّ منه بين 1954 و1962، وتريد بن غبريط الآن دفع التلاميذ إلى عدم الاهتمام به، ولا تجد سوى عدم الاكتراث لدى جبهة التحرير؟!
قد نقبل أن تركن أحزابٌ صغيرة غير مؤثِّرة إلى الصمت، ولكن كيف تسكت جبهة التحرير عن المسألة؟ هل قادت الشعبَ الجزائري إلى محاربة إحدى أكبر القوى الاستعمارية في العصر الحديث والانتصار عليها بعد تقديم تضحيات جسيمة، لتقبل الآن عودة فرنسا من نافذة المدرسة؟
بإمكان جبهة التحرير التأثير في صُنّاع القرار بشأن مسألتيْ مواد الهوية وفرْنسة التعليم الثانوي، ولكن إذا أبت إلا الوفاء لـ”طبعها” بتزكيتها غير المشروطة لجميع قرارات النظام وتوجّهاته مهما كانت خطورتها، فسيُسجِّل التاريخ عليها أنها كانت أحد المتسبِّبين في ضياع لغة الجزائريين ومسخ عناصر هويتهم بسلبيتِها وخيانتِها دماء الشهداء الأحرار.
هناك أيضا صمتٌ محيّر للعشرات من المنظمات والنقابات والشخصيات الوطنية، لماذا تسكت جمعية أولياء التلاميذ على ما يُراد لأطفالنا من مسخ وتغريب؟! ولماذا تنبري تنسيقية أساتذة التربية الإسلامية للدفاع وحدها عن هذه المادّة وتسكت عنها نقاباتُ التربية بذريعة أن أساس وجودها هو رفع مطالب مهنية واجتماعية فقط؟ وهل يُعقل أن يركن الوزير الأسبق علي بن محمد إلى الصمت المطبق وهو يرى بداية نهاية “المدرسة الأصيلة والمتفتّحة” التي طالما رافع من أجلها؟ وهل يُعقل أن تصمت زهور ونيسي، تلميذة ابن باديس، عن سيطرة أبناء باريس على المدرسة وطردهم أبناء باديس منها؟!
إنّ السكوت المريب لمختلف الأحزاب والمنظمات والشخصيات الوطنية ومختلف فعاليات المجتمع عن المخطط الخطير لبن غبريط رمعون، يعني أنها ماتت وآن الأوان للتكبير عليها أربعا!