ابن باديس قال ومراح أكد
أحيانا يتحوّل موت فرد إلى حياة للآخرين، يعلمون فيها ما كانوا يجهلونه، ويستفيقون بعد سبات طويل، وحادثة مقتل الشاب محمد مراح، أحيت الكثير من الجزائريين، الذين ظنوا أن تجنّسهم قد فَرْنَسَهم، على حقيقة حاولوا أن يدفنوها في أنفسهم، وهي أن الجزائري ـ حتى ولو كان جده من مواليد فرنسا ـ سيبقى أجنبيا، وأكثر من ذلك: منبوذا، في تولوز نفسها قُتل في السنوات العشر الأخيرة ما لا يقل عن عشرين شابا مغاربيا، وهوجمت مقابر المسلمين، ونُبشت من يهود ومن مسيحيين، ولا أحد بما في ذلك من المسلمين ندّد بالحادثة، واعتبروها مجرد أحداث منفردة، وتم دفنها نهائيا، والآن وبعد حادثة منفردة كما توضحه الصور والفيديوهات وكل التحقيقات، فإن الهلع دخل قلوب المسلمين، والجالية الجزائرية في فرنسا بالخصوص، التي صار يُنظر إليها على أنها شريك لمحمد مراح، ليس بالضرورة باليد أو باللسان، وإنما بأضعف الإيمان، بدليل أن ساركوزي تحدث عن مدارس الشريعة المتواجدة في شتى أنحاء العالم، وحمّلها ما أسماه بالإرهاب، الإعلام الفرنسي في الأيام الأخيرة، وبعد مقتل محمد مراح، صار يركز على المتعاطفين معه، ونراه أحيانا يقدم أخبارا لا تمتلك صفة الخبر الذي يجب أن يُنشر إعلاميا، من دون مكان ولا زمان ولا اسم ولا صفة المقصود بالخبر، كأن يقول إن شابة وقفت دقيقة صمت ترحما على محمد مراح، أو صفحة فايس بوك تتقبل التعازي، دون أن يجيب عن الأسئلة الإعلامية الكلاسيكية المعروفة في المدرسة الصحفية الفرنسية، وهي متى وكيف ولماذا ومن؟؟؟؟
الذين أماتهم زين الدين زيدان في الوهم ذات صيف من عام 1998 بقيادته للمنتخب الفرنسي للفوز بكأس العالم، وتحول إلى أشهر شخصية في فرنسا، فصار حلم الكثير من الجزائريين والمهاجرين بالخصوص، الحصول على الجنسية الفرنسية، أحياهم الآن مقتل محمد مراح، في سيناريو فيه بعض الحقيقة والكثير من الخيال، وحتى لو صدقنا كل الروايات البوليسية الفرنسية، فلا نرى سببا للتهويل الذي أقام الدنيا وألهبها، في عالم مليء بالجرائم، وما ذنب أمة كاملة في حدث عابر، لو بحثنا عن مثيله في العالم وفي فرنسا ما كفانا نهر جار من الحبر!
الجزائر التي “تسوّلت” على مدار نصف قرن أرشيف الثورة، وتسولت أسماء الجزائريين الذين تم رميهم في نهر السين بباريس، قدمت لها فرنسا جثة محمد مراح لأجل أن تدفنها في الجزائر، بحجة عدم تحويل قبره إلى شرارة للحملات العنصرية، رغم أنه في فرنسا يوجد العشرات من النازيين المدفونين على أراضيها، ولسنا في حاجة للمقارنة ما بين نازيين احتلوا فرنسا، وأذاقوها العذاب، وبين جزائريين احتلتهم هي وأذاقتهم العذاب، وتبدو رسائل فرنسا للجزائريين هذه المرة أكثر وضوحا من السابق، بل إنها مباشِرة لا تحتاج إلى فك شفرة، أو تحليل في مقال إعلامي، فهي متطابقة حرفيا مع ما آمن به الشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي قال في الذكرى المئوية لاحتلال فرنسا للجزائر: إن الجزائر ليست فرنسا ولا يمكنها أن تكون فرنسا، ولن تكون فرنسا حتى ولو أرادت، والذين يريدون أن يكونوا فرنسيين، عليهم أن يسألوا الجزائريين الذين ولدوا هم وآباءَهم وأجدادهم، وسيأتيهم الجواب الحي الذي خرج من ميت!