اعتداءات ومطاردات تلاحق المحضرين القضائيين في الشوارع
مطاردات في الشارع، رشق بالحجارة، ملاسنات كلامية سب وشتم على مرأى العام والخاص، واعتداءات جسدية، تلك نزاعات يومية تنشب بين المواطن والمحضر القضائي أو ما يعرف بالعامية باسم “لوسي”، فبمجرد نزولهم للميدان لتنفيذ الأحكام القضائية، حتى تلاقيهم صعوبات يجتازونها بشق الأنفس، بالرغم من ملازمة القوة العمومية لخرجاتهم الميدانية، واقتصارها على تنفيذ الأحكام المدنية، وتسليم محاضر التكليف بالحضور إلى الجلسات وغيرها.
حقائق مرعبة ومجازفات فاقت كل تصور وقفت عليها”الشروق اليومي” من خلال تنامي الظاهرة وعرضها بكثرة أمام المحاكم ومجالس القضاء، حين يمثل المحضر القضائي كضحية عن جنحة إهانة موظف عمومي أثناء تأدية مهامه، سواء في الشارع وحتى داخل مكاتبهم، لكن الشهادات الحية كانت الأكثر تأثيرا، حين التقينا بمحضرين قضائيين تعرضوا إلى كل أنواع الاعتداء والإهانة والمضايقات، فكانت رواياتهم مختلفة وقصصهم تنذر بخطر يحدق بهم وبمهنة المتاعب.
.
يمنعها من تنفيذ قرار الطرد ويحاول فقع عينها
نادية محضرة قضائية بنواحي العاصمة، تؤكد أنها كادت أن تفقد عينها، حين قصدت أحد الأحياء الشعبية لتنفيذ حكم قضائي صدر في حق عائلة يقضي بضرورة إخلائها للمسكن، كون مدة الإيجار المحددة بخمسة سنوات حسب العقد المحرر بين المستأجر والأجير انقضت، تضيف”كنت برفقة القوة العمومية لأداء مهامي، حين رفضت العائلة المستأجرة الخروج من الشقة، بالرغم من صدور الحكم القضائي النهائي، تخيلي أن رب العائلة الذي لم ينتبه لوجود القوة العمومية، جلب قضيب حديدي وضربني به على مستوى الجبهة ولولا ستر الله لفقدت عيني”، مؤكدة أنه هددها بالقتل إذا اقتربت وحاولت طرده من المنزل غير مكترث بالحكم القضائي الصادر، بالرغم من محاولاتها المتكررة لشرح الوضع، كونها مجرد موظفة مهمتها تقتصر على التنفيذ ولا دخل لها في القرارات الصادرة، لتنقل إثر الإصابة البليغة إلى المستشفى على جناح السرعة، ويتم توقيف المواطن واقتياده أمام وكيل الجمهورية لدى محكمة سيدي أمحمد.
.
عجز عن قراءة الوثيقة فمزقها في وجه المحضر وأهانه
وفي رواية أخرى بمحكمة الحراش شرقي العاصمة، تعرض محضر قضائي إلى السب والشتم داخل مكتبه، ويخص الأمر المدعو”ك.جمال” حين استدعى مواطنا إلى مكتبه من أجل التوقيع على وثائق التبليغ ومباشرة الإجراءات القانونية، لكن حسب المحضر فإن ما أثار غضب المواطن هو جهله وحرجه، كونه لا يجيد القراءة، وعجز عن فهم فحوى الوثيقة المسلمة له للتوقيع عليها، ليصب جام غضبه على المحضر القضائي الذي أشبعه سبا وشتما، وأقدم على تمزيق الوثيقة في وجه المحضر القضائي.
.
يطارد محضر قضائي في الشارع لتركه قرار التبليغ أمام الباب
وفي قضية أخرى، تعرض محضر قضائي إلى المطاردة في الشارع من قبل أحد المواطنين، الذي ثار غضبه حين ترك المحضر القضائي عريضة التبليغ في إحدى القضايا المتورط فيها أمام باب منزله، واطلع عليها جاره، الأمر الذي أثار غضبه وانهال عليه بوابل من السب والشتم، لتعرض القضية أمام محكمة بئر مراد رايس، حين مثل المحضر القضائي كضحية ونسب للمتهم جنحة إهانة موظف أثناء تأدية مهامه، واتضح في خضم الاستجوابات أن المحضر القضائي ترك عريضة التبليغ تحت الباب، الفعل الذي اعترف به المتهم من الوهلة الأولى، ليطالب في حقه وكيل الجمهورية تسليط عقوبة عام حبسا نافذا وغرامة مالية بقيمة 20 ألف دينار.
.
الزوجة تدعي على المحضر القضائي وزوجها يبرحه ضربا
وبغرفة الاستئناف على مستوى مجلس قضاء الجزائر، مثلت سيدة في العقد الثالث أمام القاضي عن جنحة السب والشتم وزوجها عن جنحة الضرب والجرح العمدي، إثر اشتباكات مع المحضر القضائي الذي حضر لتنفيذ قرار الحجز على العقار المنقول، تبعا للنزاع بين الشريكين وصل إلى العدالة، وجاء دور المحضر القضائي لتنفيذ القرار الصادر عن المحكمة، لاسيما بعد أن ثبت وجود شيكين بدون رصيد، وتأخر دفع مستحقات الشيكين في الآجال المحددة قانونا.
وبمجرد شروع المحضر القضائي في تنفيذ الإجراءات القانونية، راحت الزوجة تدعي على المحضر بعبارات:”الله لا تربحك هذا واش تعرفوا تديروا”، وعبارات مشينة أخرى، في حين انهال زوجها على المحضر القضائي بالضرب المبرح، ليتم اقتيادهما أمام العدالة للمحاكمة.
.
المحامي براهمي حسان: “المحضر القضائي يتمتع بنفس حماية القضاة”
اعتبر الأستاذ”براهمي حسان” محامي معتمد لدى مجلس قضاء الجزائر، أن حماية المحضر القضائي تعطى لها نفس صيغة الحماية الممنوحة للقضاة والموظفين العموميين، كونه يتمتع بصفة عامة وهي صفة الضبط العمومي، مؤكدا أن المشرع الجزائري يعاقب على الإهانة والاعتداء بالعنف أو القوة على المحضر القضائي من خلال تأدية مهامه، حيث تتراوح العقوبة بين شهرين إلى سنتين حبسا نافذا وغرامة مالية.
وأكد المحامي براهمي في اتصال هاتفي بـ”الشروق” أنه لا يجوز للمحضر القضائي رفع شكوى إلا بعد إشعار رئيس الغرفة الجهوية للمحضرين القضائيين، وفقا للنظام الداخلي، مشيرا إلى أن المحضر القضائي ضابط عمومي مفوض من قبل السلطة العمومية لممارسته مهام عامة، باعتباره عونا من أعوان العدالة، كلف بمهام عامة أسندها إليه القانون، أولها تبليغ العقود والسندات والإعلانات المنصوص عليها قانونا، تنفيذ الأوامر والأحكام والقرارات القضائية باستثناء تلك الصادرة في المجال الجزائي التي تحكم بالحبس أو الغرامة الجزائية، كون النيابة العامة من تتولى تنفيذها، وكذا القيام بمعاينات ميدانية أو استجوابات أو إنذارات وهذا لا يتم إلا بامتداده عن طريق أمر قضائي.
.
رئيس الغرفة الوطنية للمحضر القضائيين في تصريح لـ”الشروق”:
منحنا تعليمات للمحضرين القضائيين بتطبيق شعار”أمثلة التنفيذ”
كشف “جان سيد احمد” رئيس الغرفة الوطنية للمحضرين القضائيين أن العنصر النسوي من المحضرين القضائيين هم الأكثر تعرضا للإهانة والاعتداء، وأن الجهات الوصية منحت تعليمات للمحضريين القضائيين لتطبيق شعار”أمثلة التنفيذ“، والتي تعني الليونة ومراعاة الحالة النفسية للمواطن، متأسفا في السياق ذاته إلى وصول قضايا الاعتداء إلى حد ارتكاب جرائم القتل، مثلما حدث حين لقي محضر قضائي حذفه على يد حارس بلدي نتيجة تلقيه محضر تبليغ في قضية أحوال شخصية تخص طلاقه من زوجته، وفي لحظة غضب ونرفزة أخرج سلاحه وأطلق النار عليه، وفي رواية أخرى لأحد المسبوقين قضائيا منحدر من “وادي رهيو” بغليزان، قام السجين بعد انقضاء مدة عقوبته بقتل المحضر القضائي، معتقدا أن القرار الذي بلغ به كان سببا في زجه وراء القضبان الحديدية.
وأضاف المتحدث أن عدم وجود إحصائيات رسمية دقيقة لقضايا الاعتداء على المحضرين القضائيين سببها الصفح والتسامح الذي يتحلى به المحضر، كونه يأخذ بعين الاعتبار نفسية المنفذ في حقهم القرار، خاصة إذا تعلق القرار بالطرد، مؤكدا أن محضر التعدي والإهانة يحرر طبقا للقانون إذا تجاوز السب والشتم إلى الاعتداء الجسدي، في هذه الحالة يتم إبلاغ وكيل الجمهورية والذي يملك السلطة التقديرية لتحريك الشكوى.