اعتراف مير غير تائب!
اتصل بي أحد الأشخاص هاتفيا، وقدّم نفسه على أساس أنه رئيس بلدية، دون أن يذكرها بالاسم، وبلسان المحامي والمدافع الشرس، قال إن “المير” ضحية لتقليص الصلاحيات، وهو أضحية للوبيات وبارونات محلية، وهو “كبش فداء” لسلطة رئيس الدائرة والوالي ونفوذ “كبار الدوار” وأصحاب “الشكارة” وحتى “بقارة” ومنتفعين أقوى منه ومن المجلس المنتخب برمّته!
استمعت إلى “السّي المير” باهتمام ودون مقاطعة، ثم سألته: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تـُمسك بأيديك وأسنانك بـ “طابوري” رئيس البلدية؟ ولماذا لا ترمي المنشفة وتستقيل طالما أنك لا تملك صلاحيات ولا هم يحزنون، وأنت مثلما تقول ضحية وأضحية وكبش فداء؟
صمت صاحبنا، قليلا، تنفـّس، تنهّد، ثم استأنف حديثه: “شوف يا وليدي”، البلدية لا تسيّر بالهروب والانسحاب، البلدية تسيّر بطول البال والحكمة والحيلة، فهي مثل “الدّابة” إذا أصابها “الطيكوك”، ينبغي ترويضها، حتى لا “تصكّك”، وحتى تتمكّن من تهدئتها وفي الأخير ربطها وإعادتها إلى “الكوري”!
..كلمة “وليدي”، جعلتني أفهم أن “المير” ليس من الشباب، وإنّما من الشيّاب، الذين يرفضون مغادرة البلديات، فسألته: لماذا لا تنصرف للراحة، وتسلّم الكرسي لشاب كفء بإمكانه نقل بلديتكم من الحسن إلى الأحسن، وخدمة الناس بما فشلت أنت في تقديمه لهم!
غضب الرجل، استاء، وبنرفزة ماكرة قال: أعلمك أنني كنت “ميرا” في الزمن الجميل، ثم انسحبت لأسباب شخصية، في وقت من الأوقات، وعدت بعدها بطلب من المواطنين، وعند انتخابي ودخولي مقرّ البلدية، تفاجأت عند تفتيش دفاتر التسيير بالكارثة، علما أن المسؤول عن هذه الكارثة، هو “مير شاب”، وللأسف هو خريج جامعة، لكنه عاث فيها فسادا!
كدتُ أن أضع في فمي سيجارة “سيقار”، وأنا لا أدخن، ثم قلت للرجل: إذن أنت تريد تصحيح ما أفسده سابقك؟ ولذلك ترفض العودة إلى بيتك؟ أو إنك لم تعد تثق في هؤلاء الشباب المثقفين؟ أو إنك نصّبت نفسك “وصيّا” على أهل بلدتك؟ وغايتك برأيك خدمتهم بمنع غيرك من استخلافك؟
ضحك المير، ثم قال: إيه.. لو تعرف أنني أمسك “الجمر”، وأجلس فوق النار، ولا أنام لا ليلا ولا نهارا، وأنني ضيّعت عائلتي وأولادي، وأحيانا تنازلت عن كرامتي، فضلا عن “المخاطر” التي تترصّدني، رغم أن الجميع يحبّني، لأنني أسير بمنطق “دير الخير وانساه”، وأيضا وفق مبدإ “خدّام الرجال سيدهم”، لو تعرف كل ذلك، وما خفي أعظم، لغيّرت نظرتك!
..لم أجد ما أقوله، سوى التساؤل: فلماذا إذن “يا الخاوة” يهرولون إلى الترشح لمنصب المير، وقد رفعوا شعار “أنا مير وأنت مير.. شكون يسوق الحمير”؟