الأحمدية في ديارنا !؟(2)
حينما ألف الشهرساتي كتابه الموسوعة حول “الملل والنحل” فإنه بحصره لها وجمعها لم يكن يريد بذلك إنصافها وتبرئتها كلها من الزيغ والضلال الذي سقطت فيه وإنما تعامل معها كباحث اجتماعي بالمفهوم الحديث عمل على رصد كل المشهد الذي وقع تحت مشاهدته التي استخدم فيها كل مهارته الفكرية والتاريخية والدينية لأن الديانة السماوية من اليهودية والمسيحية شكلت جزءا لا يتجزأ من الحضارة العربية الإسلامية التي أعطت الفرصة والفسحة للرأي المخالف حتى ولو تعلق الأمر بالعقيدة، ولكن ما هو مسموح به في عصر التمكين والقوة لا يمكن أن يسمح به في عصر الضعف والهشاشة كالتي نعيشها اليوم وفي كل المستويات، الأمر الذي فتح شهية أصحاب الأهواء الفكرية والدينية للتحرك في كل اتجاه لتحقيق أجندة سياسية بالتحالف مع الاستعمار القديم والحديث الذي من مصلحته أن تشيع الفتن والاضطرابات في الدول الإسلامية وغيرها حتى يتفرغ هو للتنمية.
ومن الابتلاءات التي تعرضت لها أمتنا هي “الاختراعات الدينية” التي تحمل اسم الإسلام وفي باطنها كل ألوان الكفريات مثل القاديانية التي انفصلت عنها الاحمدية فيما بعد، والقاديانية تاريخيا ظهرت في الهند وباكستان نهاية القرن 19 م بمنطقة البنجاب بتخطيط من الاستعمار البريطاني الذي أحسن إلى أصحابها للقيام بدور العميل على أحسن وجه ولكن حركتهم لقيت رفضا حتى من السكان الأصليين من عوام المسلمين كما وقد تصدى لها العديد من العلماء منهم الشيخ أبو الوفاء ثناء الله أمير جمعة الحديث في عموم الهند الذي ناظر مؤسس القاديانية الأول ( 1839/ت1908) مبطلا كل ادعاءاته الكاذبة كما وأنه كان للعلامة الندوي وأبوالأعلا المودودي والشيخ حماني بالجزائر دور كبير في محاربهم وكشف زيفهم، كما أن المجامع العلمية والفقهية مثل الأزهر الشريف ومجمع الفقه الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي كذلك وقفت في وجه مخططاتهم وأخرجتهم بالدليل والبينة من ملة الإسلام لاعتقادهم النبوة في زعيمهم ميرزا غلام أحمد ولتعطيلهم فريضة الجهاد خدمة للاستعمار ولتكفيرهم كل من لا ينتمي لطائفتهم وإباحتهم للخمر والمخدرات وهذا ما يتعارض مع ما هو معلوم من الدين بالضرورة ومع ذلك، وبالرغم من أقليتهم توصل أحد أتباعهم وهو ظفر الله خان القادياني من أن يعيين كأول وزير لخارجية باكستان ولكن سرعان ما اندلعت ثورة شعبية سنة 1953 تطالب بإقالته وبعد سقوط العديد من الشهداء المسلمين تحقق المطلب الذي أعقبه سخط كبير في العالم الإسلامي ضد القاديانية التي منع موتاها من دفنهم في مقابر المسلمين كما وقد نص القرار الذي صدر عن مؤتمر مكة سنة 1974 بمطالبة الحكومات الإسلامية بمنع كل نشاط لأتباع مرزا غلام أحمد مدعي النبوة، واعتبارهم أقلية غير مسلمة، ويمنعون من تولي الوظائف الحساسة في الدولة، ولكن هل ترضى المنظمات الحقوقية الغربية وتسكت في حالة تطبيق هذا القرار وتلك هي مشكلة أخرى؟
لقد راسل في المدة الأخيرة سفير الجزائر بباكستان وزارة الشؤون الدينية والأوقاف يحذر من خطر انتشار الأحمدية في الجزائر وعموم الدول الإسلامية وذلك في اعتقادي لأنها تستهدف بالدرجة الأولى الشباب والطلبة لاستدراجهم بالمغريات والعطايا، ولكن الأخطر ما في ذلك هو عندما يعلن أحد أتباع الأحمدية التي عدلت في معتقد القاديانية بنفي النبوة عن زعيمهم لإدراكهم بحساسية المسألة لدى عموم المسلمين، عن هويته كموظف جزائري ويجري بتاريخ 19 / 05 / 2013 حوارا مطولا مع جريدة الشروق اليومي، يدافع فيه عن الأحمدية التي تعرف عليها عن طريق بعض الأصدقاء وهذا بعدما كان سلفيا حسب قوله ثم أوضح بأنه وجماعته بريئون من القاديانية التي تأمر أتباعها بالحج إلى قاديان بمقاطعة البنجاب بالهند، وإنما الأحمديون موحدون قبلتهم كعبة المسلمين ويؤمنون بأن محمد (ص) هو خاتم النيين مع إيمانهم بالمهدي المنتظر كنبي يأتي آخر الزمان ليجدد هذا الدين، هذا وقد نفى هذا الأحمدي الجزائري على أن تكون طائفته صناعة إنجليزية بدليل أنهم في رمضان يتبعون التوقيت المحلي في الصوم للبلد الذي يقيمون فيه وليس بتوقيت بريطانيا ويخضعون للقوانين والنظام الجزائري دون التسبب في الفوضى أو الفتنة…، ولكن مع هذا الحديث المدلس المعسول هل يمكن أن نطمئن لهؤلاء بالرغم مما يدعون من خضوعهم للدولة وعدم الخروج عليها وعلى أنهم مسلمون مثلنا وفي نفس الوقت يعقدون البيعة لخليفتهم الحالي مسرور أحمد من باكستان، وفي نفس الوقت يعلنون أنهم مستعدون لمناظرة العلماء والمشايخ لإثبات سلامة دعوتهم ومن أنهم طلبوا ذلك من الشيخ فركوس السلفي وغيره ولكن أحجموا اعتقادا منهم بعدم جدوى مثل هذه الحوارات كما قال صاحبنا ولكن ما هو موقف وزارة الشؤون الدينة والأوقاف أمام هذا المروق المعلن والذي يريد أن يلبس الحق بالباطل أم تراها تكتفي بنشر الرسالة المقتضبة لسعادة سفيرنا بباكستان والتي لم تحمل جديدا، بموقعها الإلكتروني وتقول “يا جبل ما يهزك ريح”؟
* كاتب وبرلماني سابق