-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في ذكرى رحيل رائد النهضة:

الأعمار تقاس بالطاعات لا بالساعات

أبو جرة سلطاني
  • 232
  • 0
الأعمار تقاس بالطاعات لا بالساعات

تحدثنا كتب السير والمغازي عن رجل يسمى مخيريق بن النضير فاز بمباركة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يعش مسلما إلا يوما واحدا.

فقد كان حبرا من أحبار يهود يثرب (من بني القيطون) رأى المسلمين سنة 2 هجرية يتأهبون للخروج لغزوة أحد – وكانت يوم السبت – فنادى في بني عمومته اليهود من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة أن انصروا محمدا على مشركي قريش..!! فردوا عليه: أن اليوم سبت لا نقاتل فيه..!! فقال كلمته الشهيرة “لا سبت لكم يا معشر يهود”.

وكتب وصيته وحمل سلاحه والتحق بجيش الإسلام وقاتل معهم فنال الشهادة. وفي وصيته مكتوب: إذا قتلت في هذا اليوم فأموالي لمحمد يفعل بها ما يشاء (ترك سبع بساتين نخيل)، فألحقه رسول الله صلى الله عليه وسلم – بصنيعه هذا – بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لتقرير أن العبرة بالمواقف.

فبهذا الموقف الكبير أقام الحجة بشهادته وبوصيته وباستشهاده على جميع يهود العالم . فخلد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره بقوله:” مخيريق سابق يهود. وسلمان سابق فارس. وبلال سابق الحبش”.(١)

قلت: إن الأعمار لا تقاس بطول الساعات وإنما تقاس بعظمة الطاعات؛ فكم من امرئ عاش حتى رُد إلى أردل العمر، ثم نفق كما تنفق البهائم، ولم يترك وراءه سوى أكوام من رجيع الحيوانات في مرابض كثيرة..!! فاستراح.برحيله البشر والشجر والدواب والحجر..

وكم من امرئ عاش عمرا قصيرا، بحساب الساعة. ولكنه كان عمرا زكيا مثمرا بحساب الطاعة. فلما رحل – وما شبع الناس منه – ترك واءه أحبة يبكونه وعلما نافعا وصدقات جارية وأبناء صالحين..!! ومؤسسات قائمة وسننا يعمل الناس بها الخير فيناله من أجرها ومن أجر العاملين بها إلى يوم القيامة.. ولكم في مخيريق قصة وأسوة واعتبار.

وتسألونني: لماذا؟ وكيف؟

فأجيب: عندما نطرح على أنفسنا سؤالا جوهريا في حياتنا قبل مماتنا: ما قيمة أعمارنا إن طالت إذا انتهت بنا إلى أسوأ الخواتيم؟ وما يضيرنا قصرها إذا زرعنا في حياتنا ما تجد البشرية في سيرتنا ما تحصده – بعد موتنا – حصادا وفيرا؟

في البحث عن أجوبة عملية لهذا السؤال الجوهري تتبعت حيوات كثير من أهل الفكر والذكر والكشف والاختراع.. فوجدت العلاقة منفكة بين طول العمر وبين بركته.

فأغلب الذين ساهموا في نفع البشرية من جميع أوجه النفع: في نشر العلم. وفي بناء الحياة. وفي تقويم اعوجاج الناس. وفي مناهضة الظلم ومقاومة الفساد. وفي زرع الفضيلة والتمكين للقيم. وفي صناعة التاريخ والحضارة.. ماتوا في سن الشباب. بل منهم من قضى في ربيع عمره قبل أن يعرفه الناس فيكون له بينهم ذكر.. ولكنه مضى يافعا وترك للبشرية ما يظن الجاهلون بعمره أنه عاش عمر نوح (عليه السلام)، وهو لم يقم في دنيا الناس سوى عشية وضحاها.

ومن هؤلاء رائد النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس رحمه الله الذي رحل عنا قبل إتمام عامه ال51 . ومنهم الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز (رضي اله عنه) الذي لم يستكمل عامه 40. ومنهم الشاعر الفارس أبو فراس الحمداني الذي مات ولم يتجاوز عمره ال36 عاما. ومنهم الإسكندر المقدوني الذي ملأ الدنيا بصيته وسوطه وشغل الناس بحروبه وملاحمه..!! ومات عن عمر لم يتجاوز ال32 عاما. ومنهم عالم النحو الشهير سيبويه الذي مات (وفي نفسه شيء من حتى) ولما يجاوز الأربعين إلا قليلا..!! ومنهم أبو تمام الذي غادر دنيانا في سن ال35. وأبو القاسم الشابي الذي ارتحل في ربيعه ال26. وبديع الزمان الهمذاني صاحب المقامات الذي غادر في 39. وبديع الزمان النورسي الذي ارتحل في 44. والروائي السوفياتي الشهير غوغول الذي رحل في 53..!! والأديب الكبير غارسيا لوركا الذي مات في 38.. وغيرهم كثير كثير..

وحتى الأنبياء والمرسلين – باستثناء نوح عليه السلام – لم يعمر منهم إلا قليل؛ فعيسى (عليه السلام) رفعه الله إليه في سن 33. ومحمد (صلى الله عليه وسلم) إلتحق بالرفيق الأعلى في سن 63.. ومن الصحابة من ارتحل قبل الأربعين عاما.. ومنهم من نال الشهادة ولم يمض على اعتناقه الإسلام سوى بضع سنين كحال آل ياسر وآل ياسين..

وأعود لابن باديس (رحمه الله) رائد نهضتنا لأعرض مسيرة حياته القصيرة بين أيديكم حسابيا حتى تدركوا الفرق بين من يعيش لفكرة (بالطاعات) ومن يعيش لنفسه (بالساعات). وما أوسع الشقة بين الحياتين.

فمن يعيش لنفسه تبدأ حياته يوم مولده وتنتهي يوم دفنه؛ كأنه عاش بين الناس “جملة معترضة” لا محل لها من الإعراب في كتاب الزمن.. !! أو عاش صفحة مهملة في سجلات الحالة المدنية كتبت فيها يد القدر سطرين صغيرين:

١- سطرا يوم مولده يقول: اليوم ولد فلان بن فلان.
٢- ويطرا يوم رحيله يقول: اليوم مات فلان بن فلانة.

فقدومه إلى الحياة الدنيا كان رقما جديدا أضيف إلى سجلات المواليد. ورحيله منها صار رقما قديما مشطوبا من سجلات الأحياء شطبا نهائيا نقله من فوق ظهر الأرض التي كان يمشي عليها بحساب الساعات إلى بطنها حيث مثواه ما قبل الأخير.

أما من يعيش لفكرة فعمره يبدأ من يوم بدأت الإنسانية؛ أو قل: من زمن آدم (عليه السلام). وينتهي يوم يطوي الله الأرض والسموات كطي السجل للكتاب.. وصدق شوقي بقوله:
دقات قلب المرء قائلة له
إن الحياة دقائق وثواني
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها
فالذكر للإنسان عمر ثاني

هكذا كان ابن باديس رحمه الله، فحساب الزمن والساعات لم يعمر ولكنه بنى وعمر باحتساب التأسيس في الطاعات؛ فقد عاش واحدا وخمسين عاما فحسب (1889 _ 1940) توزعت إلى أربعة مقاطع حياتية:

– الطفولة: 06 سنوات. من 1889 إلى 1895.
– الدراسة: 18 عاما؛ من 1895 إلى 1913.
– البحث عن النهضة والتأسيس لها؛ استغرقت 17 عاما من 1914 إلى سنة 1930.
– العمل لإعادة بعث الأمة الجزائرية بشعار: الإسلام ديننا. والعربية لغتنا. والجزائر وطننا. وتقرير أن الجزائر ليست فرنسا. ولا يمكن أن تكون فرنسا. ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أردت.. وقد استغرق منه هذا التأسيس سنواته التسع الباقيات الصالحات من عمره بين 1931 (تاريخ تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائرين). ويوم رحيله في ال16 من شهر أبريل عام 1940.

فقد بارك الله له في عمره فدرس ودرّس وربى. وكوّن. ووجه. وزار كثيرا من مدن الجزائر واعظا وناصحا وموجها ومربيا وكاتبا وشاعرا ومصلحا..

وفي سنوات عمره القصيرة بين سنة 1913 (تاريخ عودته من اليتونة) وسنة 1940 (تاريخ رحيله عنا) طرح على نفسه سؤالا كبيرا: لمن أعيش؟ وأجاب نفسه جوابا عمليا: أعيش للإسلام وللجزائر. ووضع أسس نهضة الجزائر السبعة: تأسيس جمعية العلماء. تأسيس الكشافة الإسلامية الجزائرية. بناء مدارس التربية والتعليم للبنين والبنات. بعث صحافة الوعي بعناوين كثيرة أبرزها (البصائر). فتح دار الحديث بتلمسان. تفسير القرآن الكريم (مجالس التذكير من كلام اللطيف الخبير). شرح الموط (مجالس التذكير من حديث البشير النذير).. فزرع ومات فقام من بعده من يحسن الحصاد والدرس..

ألم أقل لكم إن الأعمار تقاس بالإنجازات والطاعات. ولا قيمة للأيام والساعات؟
___
(١) ابن هشام: السيرة النبوية: ١ – ٥١٨ وما بعدها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!