الاستقالة لا تكفي؟
يطلب بعض الجزائريين ببراءة من المسؤولين الذين تسبّبوا في الصدمات العنيفة التي تصفعهم في غدوّهم ورواحهم بالاستقالة، رغم أن بعض هذه الصدمات فيها كل عناصر الجريمة من نيّة وسبق إصرار وترصد وضحايا، وما يقترفه حاليا الوفد الرياضي الجزائري المشارك في الألعاب العربية بالدوحة لا يمكن تسميته قانونيا بغير الجنحة التي لا تكفي بعدها الاستقالة رغم أن المتسببين في هذه الجريمة متشعّبون، ومنهم حتى المواطن البسيط الذي صار يحفظ مقاسات أحذية لاعبي الكرة المنتمين لمختلف الفرق ويُقيم الأفراح لانتصارات عادية ويتجاهل رياضيين عادوا من بطولات عالمية وأولمبية بالأرقام القياسية والذهب، والصحافة التي اختصرت الرياضة في لعبة كرة القدم التي تنتجها المدارس الفرنسية، والمسؤولون الذين صرفوا الملايير وتدخلوا في قوانين العالم لاسترجاع لاعبين من أمثال مبولحي وفابر وكادامورو، وتركوا أبطالا كبارا يموتون بالغبن، وحتى بالتشرد كما حدث للملاكم حسين سلطاني الحائز على ذهبية الألعاب الأولمبية بأطلنطا عام 1996 الذي قضى نحبه في شوارع مرسيليا كما يموت “آس.دي.آف” الساحل الإفريقي في فرنسا بردا وجوعا من دون أن تُقرأ عليه سورة الفاتحة.
- ولأن شر البلية ما يُضحك، فإن الجزائريين لم يجدوا غير وسيلة التواصل الاجتماعي ليُنكتوا على الوجه الكاريكاتوري الذي ظهرت به الرياضة الجزائرية في الدوحة كأن يزف شاب لصديقه فوز عداءة جزائرية بالميدالية الفضية، ثم يُخطره بأن ذلك حدث في سباق شاركت فيه عداءتين فقط، وهي نكتة ليست أكثر هزلا من الواقع، حيث حصلت العداءة الجزائرية سعاد آيت سالم التي قيل منذ ثلاث سنوات أنها مشروع بطلة أولمبية على المركز الرابع في سباق نصف الماراتون الذي ضم أربع مسابقات، والأطرف أن المتفوقات على هذا “الوهم الأولمبي” عداءات من البحرين كنّ يرتدين الحجاب.
كل أوراق التوت تناثرت الآن، فالمال والتربصات القوية في الخارج ليست حجة مادامت تونس ومصر الخارجتين من ثورتين شلّتا عالم كرة القدم، فما بالك ببقية الرياضات تفوقتا وبفارق كبير على رياضيينا، وإذا كان العرب في الألعاب الأولمبية الأخيرة في بكين لم يحصلوا إلا على ذهبية واحدة مما يعني أنهم آخر ركب الرياضة العالمية، فإن مرتبتنا الحالية في الألعاب العربية تعني أننا الشعرة الأخيرة من ذيل الرياضة العالمية، وأحسن ما يجب القيام به كدواء استعجالي هو الاعتراف بفشل سياساتنا ونبذ الغرور وعدم الاستهزاء بالآخر والتوقف عن نفخ ريش صارت النسمات الخفيفة تُطيّره، والمرء الذي يعرف قدر نفسه بإمكانه أن يعود إلى الواجهة، أما إذا تشبث الرياضيون المشاركون في الألعاب العربية بالأسباب المالية والتربصات الخارجية، وتشبث المسؤولون بالأسباب التي ألغيت من القواميس الرياضية ورفضوا الانسحاب في صمت كنتيجة بديهية لإخفاق صار حديث وسائل الإعلام العربية التي لم تفهم كيف تتقدم بقية البلدان وتعود الجزائر بمفردها إلى الخلف حتى في الرياضات التي كان يسميها الأشقاء العرب بالاختصاص الجزائري الذي لا يقربه أحد، فعلينا حينها السلام.
في إفريقيا السمراء كان الزعماء يحوّلون المخفقين إلى المحتشدات، والزعيم الليبي السابق كان يعاقب الفاشلين بإلغاء المنافسات المحلية والخارجية، والأوربيون لا يلجأون إلى أي عقاب، لأن الفاعل يستقيل بمجرد عودته إلى بلاده، ولا توجد أمة في العالم ترصد الملايير وتمنح شيكات على بياض ولا تحاسب بعد ذلك مبذريها في مشاريع ميترو أو ترامواي أو ملاعب رياضية أو طرق سيارة أو حتى تمثيل الجزائر ثقافيا ورياضيا في منافسات يشاهدها الجميع عبر الفضائيات والمواقع الإلكترونية والصحف الورقية.
هل من حق المواطن أن يسائل وزير الرياضة؟ وهل من حق الوزير مساءلة رئيس اللجنة الأولمبية؟ وهل من حق الرئيس مساءلة رؤساء الاتحاديات؟ وهل من حق هؤلاء مساءلة المدربين؟ وهل من حق المدربين مساءلة اللاعبين؟ أم أن الأمر يحتاج إلى استقالة ومحاسبة الجميع. للأسف حال الرياضة عندنا ينطبق على كل شيء… بلا استثناء؟