-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التدمير الحالي في غزة لا يطاق…

بقلم: د.عثمان عبد اللوش
  • 235
  • 0
التدمير الحالي في غزة لا يطاق…
ح.م

بالعودة إلى رحلة الإسكندر الأكبر Alexander the Great، عندما توجه من مصر الى الشام، عبر غزة. شن الإسكندر الأكبر حصارًا وحشيًا على المدينة، انتهى بالقتل الانتقامي لحاكم غزة البطل، باتيس Batis، الذي تم جره حول الجدران خلف عربة الإسكندر الأكبر، كما فعل أخيل Achilles مع هيكتور Hector. إن الحرب عمل فظيع. وغزة عرفت ومعروفة أكثر من غيرها وهذا منذ العصور القديمة.
فالمسجد الكبير القديم بغزة، مع نافذته الدائرية الضخمة ؛ في الأصل هو معبد لمارناس Marnas، الإله الغزي الرئيسي، ثم الكنيسة البيزنطية، والتي تم تدميرها الآن بالكامل من طرف الكيان الصهيوني ومعه الغرب الامبريالي وعل رأسهم الولايات المتحدة الأمركية، لأن الصهاينة ومعهم الغرب لا يحترمون التاريخ ولا الإنسانية، بل يحسدون ويردون تدميره، بل دمروا كل ما له صلة بالتاريخ والحضارة، لأنهم شعوب لقيطة، فما قام به الكيان الصهيوني اليوم في غزة، فعلته الولايات المتحدة الامريكية في العراق وقبله في افغانستان ومن قبل في الفيتنام واليابان والقائمة طويلة، ونفس الشيء لفرنسا وبريطانيا، لقد دمر الكيان الصهيوني كل شيء هناك.
لقد تم أيضا تحطيم كنيسة القديس بورفيريوس St Porphyrius اليونانية، التي ربما تكون ثالث أكبر كنيسة في العالم. السوق والساحات والحدائق والبساتين – تم طمسها جميعًا، إلى جانب المساجد والكنائس والجامعات والمكتبات والمستشفيات والمدارس والمتاحف والمقابر بل حتى حديقة الحيوانات لم تنجوا من حقد وغل وعنصرية الصهاينة.
في غزة هناك دار ضيافة تسمى مارنا Marna. افتتحت في عام 1946، وكانت تديرها علياء الشوا Alia al-Shawa، مضيفة دافئة من عائلة غزوية عريقة. هذه الدار فيها شرفة مضاءة بنور الشمس، وحديقة بها شجرة ضخمة تعود الى قرون، وبئر قديم جدا من المياه الجيدة اشتهرت بها غزة ذات يوم، كل هذا دمر اليوم.
في غزة علماء منهم الدكتور معين صادق، الذي درس في ألمانيا وأصبح للتو رئيسًا لآثار غزة ؛ وقد ألف منذ ذلك الحين دراسات متميزة عن علم الآثار والعمارة في غزة. تحدث عن تاريخ المدينة الطويل حيث يقول:
“استقرت غزة لأول مرة في الألفية الخامسة قبل الميلاد، وكانت دائمًا مفترق طرق بين مصر وشمال افريقيا والشرق الأدنى والأناضول. تم إقالتها وتدميرها عدة مرات – بما في ذلك قصف البريطانيين في عام 1917 – لكنها تحيا دائمًا وتعود للوجود مرة أخرى.
كانت غزة مثل الإسكندرية، مرتع للعلماء والمفكرين عبر العالم، وقد زارها العديد من المعلماء والمفكرين ومنهم المفكر والفيلسوف والخطيب الجزائري الكبير، مؤلف أول رواية وصلتنا كاملة من بداية القرن الثاني الميلادي، وهو ليسيوس أفولاي (Apuleius )وروايته الشهيرة الحمار الذهبي أو التحولات، بالإضافة الى مؤلفات أخرى كثيرة منها : الإعتذار (Apologia) والفلوريدات (Florida، إلاه سقراط (De Deo Socratis)، العالم وافلاطون ( De Mundo and Socratis)، والذي نحتفل بمرور 19 قرنا من إزدياده هذه السنة 124-2024.

أما في القرنين الخامس والسادس الميلاديين، عمل مجموعة من الكتاب والمفكرين في مدرسة غزة الشهيرة التي جذبت الطلاب من جميع أنحاء العالم الكلاسيكي، ووصلت روابطهم إلى القسطنطينية وأنطاكية والإسكندرية. في الواقع، ادعى الكاتب إينياس Aeneas من غزة أنه عندما تم إغلاق الأكاديمية في أثينا من قبل جستنيان Justinian في عام 529 بعد الميلاد، هاجر بعض المعلمين إلى غزة.
هناك، تحول التقليد الكلاسيكي في عالم المسيحية الشرقية العتيقة. فقد اختلطت مدارس غزة بالثقافات المحلية للفلاسفة والبلاغة والنساك والرهبان من الأديرة المجاورة.
كان المسرح الكلاسيكي لا يزال شائعًا في غزة في القرن السادس. تم تزيين الحمامات العامة بلوحات لأسطورة ثيسيوس Theseus ومشاهد من الإلياذة. كان للفيلسوف المسيحي بروكوبيوس Procopius من غزة مكتبة رائعة تضم ليس فقط الأدب المسيحي ولكن أيضًا مجموعة لا تصدق من الأعمال للقدماء، من هوميروس Homer إلى يوريبيديس Euripides، اعتقادًا منهم أن الثقافة تعتمد أيضًا على الكلاسيكيات الوثنية القديمة.
عندما أصبح ثيودور طرسوس Theodore of Tarsus السوري رئيس أساقفة كانتربري Canterbury في القرن السابع، وصل ومعه تعليقات بروكوبيوس Procopius’s التوراتية في أمتعته.
هذه مجرد لقطة لفصل واحد فقط من قصة أو من قصص غزة الغنية قبل ظهور الإسلام، حيث أصبحت غزة ممر هام وأساسي لكل الفتوحات والرحلات نحو الغرب. فالعمل الهمجي الذي قام به الصهاينة المعاصرون لهذه المدينة الأزلية، والدمار الحالي والمتواصل في غزة أكثر شمولاً من أي حصار قديم.
فالخسائر في الأرواح الآن هي رعب. ولكن من المهم أيضًا على مدى السنوات 70 الماضية استمرار العزلة القسرية لغزة عن العالم والعالم عن غزة. تم إغلاق دورها كمدينة شامية تاريخية نابضة بالحياة. ولن تتمكن من إعادة الاتصال بعالم البحر الأبيض المتوسط الذي تنتمي إليه والذي ساهمت فيه كثيرا إلا عندما تنتهي العزلة. فكلمة الرئيس عبدالمجيد تبون في حملته الإنتخابية من سيرتا (قسنطينة)، وما أدراك ما سيرتا، عندما أشار الى أن الجيش الجزائري جاهز لو تفتح جمهورية مصر معبر رفح، لخير دليل على أن الأمور أصبحت اليوم لا تتاق وعلى الدول العربية وخاصة دول الجوار التحرك ومساعدة الشعب الفلسطيني وخاصة في غزة.
دعونا نقول اليوم الى أعداء الإنسانية من المسحيين الصهاينة وأيضا العرب الصهاينة أن غزة كانت ومازالت وستبقى عصية على أعدائها، لأنها هي الأصل. أما الكيان الصهيوني ورغم مساندة الغرب له وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية والقارة العجوز (أوروبا الغربية)، فهو في طريقه للزوال آجلا أو عاجلا، وكما قالها موشي ديان، أحد قادة الكيان الصهيوني المعاصرين، بأن اول هزيمة مع العرب تؤدي بإسرائيل الى الهيكل الثالث، بل قالها صراحة بعد هزيمة حرب اكتوبر 1973: « نحن ذاهبون نحو الهيكل الثالث » ولكن بتدخل الملك الحسن الثاني، وهو من أكبر ملوك العرب المتصهيين، غير النصر العربي الى هزيمة، بعدما أقنع الرئيس المصري أنور السادات الى اتفاقيات كامب دايفيد، وبقية القصة تعرفونها جميعا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!