-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
دبي تفتح أبوابها للصهاينة

التطبيع الإماراتي يتغلغل في الأمن والتكنولوجيا

التطبيع الإماراتي يتغلغل في الأمن والتكنولوجيا
ح.م

لا تكتفي الإمارات بإبقاء قنوات التطبيع مع دولة الاحتلال مفتوحة، بل تواصل توسيعها نحو قطاعات أكثر حساسية، في وقت تتواصل فيه الحرب الصهيونية على قطاع غزة وتتزايد الانتقادات الدولية للسياسات الصهيونية.
وفي أحدث صور هذا الانخراط، احتضنت دبي بين 16 و18 سبتمبر الجاري معرض “GISEC Global 2026” للأمن السيبراني، بمشاركة رسمية من دولة الاحتلال، في مشهد يكشف انتقال التطبيع الإماراتي من الصفقات التجارية والسياحة إلى التكنولوجيا والأمن والدفاع.
ولم يكن الحضور الصهيوني في فعالية تجارية عابرة، إذ يعد “GISEC” أحد أكبر معارض الأمن السيبراني في المنطقة، ويجمع أكثر من 750 علامة وشركة متخصصة، ومشاركين من أكثر من 180 دولة، فيما يقام بالتعاون مع مجلس الأمن السيبراني الإماراتي ومركز دبي للأمن الإلكتروني ووزارة الداخلية وشرطة دبي. كما يضم المعرض منصات متخصصة في الدفاع السيبراني والبنية التحتية الحيوية والاتصالات والطاقة والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية.
وتظهر القائمة الرسمية للمعرض وجود جناح لدولة الاحتلال ضمن أجنحة الدول المشاركة، إلى جانب أجنحة لدول أخرى، بما يحول منصة إماراتية بهذا الحجم إلى واجهة جديدة لحضور الشركات الصهيونية في السوق الإقليمية.
وهنا يتجاوز الأمر مجرد تبادل تجاري، إذ إن إدخال الشركات الصهيونية إلى معرض متخصص في الأمن السيبراني يفتح الباب أمام التعاون في قطاع يرتبط بحماية البيانات والاتصالات والبنى التحتية والأنظمة الحكومية، ويضع التكنولوجيا الإسرائيلية داخل منظومة إقليمية تستضيفها الإمارات وتشارك فيها مؤسساتها الأمنية والرسمية.
ولا تخفي أبوظبي حجم هذا الانفتاح. فوزارة الخارجية الإماراتية نفسها تصف العلاقة مع دولة الاحتلال بأنها “شراكة اقتصادية مهمة” منذ توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020، وتشير إلى أن التجارة والاستثمار والسياحة والابتكار والربط أصبحت ركائز للعلاقات الثنائية. وبلغت تجارة السلع بين الطرفين 3.209 مليارات دولار في 2025، بعد أن سجلت 3.254 مليارات دولار في 2024.
وبذلك، تحولت اتفاقات أبراهام، التي قدمت عند توقيعها باعتبارها إطاراً لإقامة علاقات دبلوماسية، إلى شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية التي تحافظ عليها الإمارات حتى في ظل الحرب على غزة. فالتجارة لم تتوقف، والاستثمارات لم تتجمد، وقنوات التكنولوجيا والأمن تواصل التوسع.
والأكثر إثارة للانتباه أن التطبيع لم يبقَ في حدود القطاعات المدنية. ففي جانفي 2026، أكدت مجموعة “EDGE” الإماراتية استحواذها على حصة تبلغ 30 بالمائة من شركة “Thirdeye Systems” ، مقابل استثمار قدره 10 ملايين دولار، لتصبح أكبر مساهم منفرد فيها. وتطور الشركة الإسرائيلية أنظمة كهروبصرية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بينها تقنيات موجهة للطائرات المسيّرة، وتعمل أساساً في مجالات الدفاع والحماية.
وهذه الصفقة تقدم نموذجاً أكثر وضوحاً لطبيعة المسار الذي اتخذته العلاقات الإماراتية الصهيونية، إذ انتقلت من استيراد وتصدير السلع إلى شراكات في التكنولوجيا ذات الاستخدامات الدفاعية. والأهم أن الصفقة لم تأتِ من شركة إماراتية عادية، وإنما من مجموعة “EDGE” العاملة في الصناعات الدفاعية، ما يمنح التعاون بعداً يتجاوز الاستثمار التجاري البحت.
وفي السياق نفسه، أصبح الأمن السيبراني أحد المجالات التي تستفيد منها الشركات الصهيونية داخل السوق الإماراتية. وتأتي استضافة دبي لجناح لدولة الاحتلال في معرض متخصص في هذا القطاع لتؤكد أن أبوظبي لا تتعامل مع التطبيع باعتباره علاقة دبلوماسية محدودة، وإنما تسمح بتمدده إلى مجالات تكنولوجية وأمنية شديدة الحساسية.
وتزداد دلالة هذه الخطوة عندما توضع في سياق الحرب على غزة. ففي الوقت الذي تواجه فيه إسرائيل انتقادات دولية واسعة بسبب عملياتها العسكرية في القطاع، تواصل الإمارات توفير منصات اقتصادية وتكنولوجية للشركات الصهيونية، بما يمنح التطبيع مساراً عملياً يتجاوز التصريحات السياسية والمواقف الدبلوماسية.
كما أن حجم التجارة الثنائية يكشف أن الحديث لا يتعلق بعلاقة رمزية أو محدودة. فبحسب البيانات الإماراتية، مثلت التجارة من الإمارات إلى دولة الاحتلال نحو 80 بالمائة من إجمالي تجارة السلع بين البلدين في 2025، مقابل نحو 20 بالمائة للصادرات الصهيونية إلى الإمارات.
ومنذ 2020، توسعت العلاقات في اتجاهات متعددة، من التجارة والاستثمار والسياحة إلى الابتكار والتكنولوجيا والنقل، بينما أضيف إليها تدريجياً التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية. ومع صفقة “EDGE” ومشاركة الشركات الصهيونية في “GISEC”، يصبح واضحاً أن التطبيع لم يعد مجرد واجهة دبلوماسية، بل أصبح شبكة مصالح متداخلة تشمل قطاعات ذات حساسية استراتيجية.
واللافت أن هذا التوسع يجري في الوقت الذي تستمر فيه الحرب على غزة، ما يجعل استضافة شركات صهيونية في معرض أمني وتكنولوجي كبير في دبي صورة صارخة للتناقض بين استمرار التعاون الإماراتي مع الاحتلال وبين حجم الرفض الدولي المتزايد للسياسات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية.
فمن السفارات إلى الصفقات، ومن التجارة إلى التكنولوجيا، ومن السياحة إلى الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، تتسع دوائر التطبيع الإماراتي مع تل ابيب بصورة متدرجة. وتحول دبي، من خلال هذه الفعاليات والشراكات، إلى إحدى أبرز المنصات التي تتيح للشركات الصهيونية الحضور في المنطقة، بينما تتواصل الحرب في غزة ويستمر الاحتلال الصهيونية في سياساته الإجرامية تجاه الفلسطينيين.
وهكذا، فإن أحدث مشاهد التطبيع في دبي لا يتمثل فقط في رفع علم الاحتلال داخل معرض دولي، وإنما في فتح أبواب قطاعات الأمن والتكنولوجيا أمام شركات إسرائيلية، وربط المصالح الإماراتية بها في مجالات تتجاوز التجارة التقليدية إلى الأمن والدفاع والذكاء الاصطناعي. وهو ما يجعل التطبيع الإماراتي أكثر عمقاً وتشعباً، في وقت كان يفترض أن تفرض الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين عزلة أكبر على إسرائيل، لا أن تتحول المنطقة إلى مساحة جديدة لتوسيع شراكاتها الاقتصادية والتكنولوجية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!