الجامعة: قراءة في رسالة طالب تَخرّج منذ 10 سنوات
كيف نحل إشكالية التعليم الجامعي بين تقديم المعرفة للمتكونين وتمكينهم من الحصول على مناصب شغل؟ ومَن يتحمل مسؤولية خريجي الجامعة البطّالين: نوعية التكوين أم سوق العمل؟ وزارة التعليم العالي أم الوزارات المستخدِمة كالصّناعة والتجارة والسياحة وغيرها؟ وما الذي علينا القيام به في المستقبل لأجل ترشيد التعليم العالي ومَنع تَحوُّله إلى مجالات لإضاعة مزيد من الوقت والجهد والمال والأكثر من ذلك لقتل آمال وطموحات ملايين الشباب؟ هذه قراءة في رسالة، أحدهم، طالب تخرج منذ 10 سنوات.
راسلني منذ يومين أحدُ طلبتي السابقين المتخرج سنة 2006 يقول: “إلى اليوم أعاني من البطالة بسبب التخصص الذي درسناه علوم سياسية وعلاقات دولية؟ لماذا درّستمونا هذا التخصّص إذا كنتم تعلمون أنه غير مطلوب في سوق العمل؟ لماذا كُنا نُستثنى من مسابقات التعليم وتُقبل معنا كافة الفروع في مسابقة الملحقين الدبلوماسيين مثلا؟ لماذا لم أعد أُقبل كمرشح في مسابقة الأساتذة طور ابتدائي إلا بفضل نضال بعض خريجي التخصص الذين عانوا كثيرا؟ ما الذي قدّمتم كنخبة مثقفة تخرّجت على أيديكم أجيالٌ من الطلبة للتخصّص الذي تدرِّسونه.؟… وبعد أن يبرز أهمية الدور الذي ينبغي أن يلعبه الأستاذ تجاه الرأي العام والسلطات لإعادة الاعتبار لمثل هذا التخصص يصل إلى القول “أستاذي الكريم تشرّفنا أننا كنا طلبة عندكم ولم نندم على هذا، لكن اليوم الظروف صارت لا تُطاق، ونحن نرى سنوات الدراسة والتعب والإرهاق وتعب الأهل والوالدين تذهب سدى، ونحن اليوم نفكر أن نعيد دراسة أي تخصّص آخر يمكن أن ينتشلنا من الضياع الذي صُدمنا به بعد سنوات في السياسة والعلاقات الدولية.. لكن البداية من الصفر وأنت في سن الـ23 ليست كالبداية وأنت في سن الـ33… وفي الأخير ندعو الله أن يفرّج همَّ المهمومين ويوفق الجميع”.
طالبكم: ل. العربي
هذه الرسالة هي عيِّنة مما يشعر به طلبتنا وقد تخرّجوا في فروع كانت حلما بالنسبة لهم ذات يوم فتحولت إلى كابوس بعد سنوات من التعب والكد والجد والانتظار، وهي قبل ذلك في الواقع عيّنة عن فشل سياساتنا العامة إنْ في مجال التعليم العالي أو الشغل، فشل لا يعاني منه فقط طلبة العلوم السياسية، إنما الغالبية الساحقة من طلبتنا في العلوم الانسانية وحتى في العلوم الدقيقة والتكنولوجية.
لقد أصبح شعور الطالب بأنه يدخل الجامعة لأجل تكوين لا يعرف إلى أين سينتهي به، شعورا مُحبِطا ومنشئا لليأس، ومن أسباب عدم الإقبال على التحصيل بشغف على الأقل كما كان الأمر منذ سنوات خلت. قليلة هي الفروع التي مازالت محفِّزة للطالب ويشعر عند دخولها أنه يبني حقيقة مستقبله وأنه سيصل إلى حيث يريد، والأهمّ من ذلك أنه في آخر المطاف سيجد التقدير المادي والمعنوي المناسبين ولا يخيِّب آمال أسرته التي ضحَّت من أجله لسنوات… قليلون هم الذين يتملكهم هذا الشعور وهم يتابعون دراستهم نتيجة انسداد الأفق وعدم وضوح الرؤية المستقبلية للتخصُّص الذي هم فيه، ولعل هذا من الأسباب الرئيسة في العزوف عن التحصيل العلمي وشعور الأستاذ المُجِدّ بأن عبارة “لا حياة لمن تنادي” تُقابله عند مدخل كل مُدرج أو قاعة تدريس تطؤها قدمه.
هذه الحالة هي نتيجة ضياع الجامعة بين أن تقدِّم المعرفة لأجل المعرفة وأن تُقدّمها لسوق العمل، بين التخصُّصات الأكاديمية وتلك التي تُسمَّى مهنية، حسب تعبير النظام التعليمي الجديد “ل م د”، وهي قبل ذلك نتيجة وضع اقتصادي عامّ تعرفه البلاد ناتج هو الآخر عن خياراتٍ سياسية معروفة شجّعت الاستيراد والاستهلاك على السعي إلى إقامة اقتصادٍ منتِج بإمكان الجامعة أن تعرف طلباته وتقوم بالتكوين المناسب له.
وقد تفاقم هذا الوضع في العقدين الأخيرين بعد أن تحولت الجزائر إلى سوق كبيرة للمنتجات الأجنبية بدل أن تستعيد الديناميكية الاقتصادية التي بدأت تعرفها في السبعينيات من القرن الماضي بسبب تدهور مداخيل المحروقات والعشرية السوداء التي منعت كل انطلاق وفي جميع المجالات. ونتج عن ذلك أن الجامعة لم تعد تعرف نوعية التكوين الذي ينبغي أن تقدمه ولِمَن ينبغي أن يتوجه؟ وبدل أن يُطلَب منها سياسيا التفكير في البدائل الأنسب للسياسات العامة التي ينبغي ان تُتَّبع، وفي صوغ رؤية استشرافية للمستقبل، (وهنا يأتي دور العلوم السياسية والدراسات الاجتماعية المختلفة)، أُعطيت دور الحاضنة لمئات الآلاف من حملة البكالوريا تحتضنهم كيفما شاء الأمر لأربع أو خمس سنوات وبعدها ليحدث الله أمرا لكل منهم.
وهي الحقيقة بعينها التي عشناها، وعاشها مراسلنا اليوم، لا أحد يعرف ما الذي يكون عليه؟ ولماذا؟ حتى أنه لم يبق لنا إلا أن نحاول إقناع طلبتنا بأنه عليهم أن يُحصِّلوا العلم لأجل العلم، لأجل التكوين الشخصي، أما العمل فتحكمه قواعد أخرى لا علاقة لها بالكفاءة والقدرة على العطاء…
وهكذا ساد جو اللاّ اهتمام الذي انعكس على الجميع، أساتذة وطلبة ومجتمعا، إلى أن أصبحت اللامبالاة هي سيِّدة الموقف، والنجاح والرسوب عند الجميع سيَّان.. ولم نفلح لا في أن نُكوِّن أكاديميا لأجل المعرفة ولا مهنيا لسوق العمل حتى أن مستقبلي الخريجين من أرباب العمل (القليلون) أصبحوا يعيدون تكوين من يُفتَرض أنهم حصلوا على أعلى أنواع التعليم.
هذه الوضعية في تقديري تحتاج إلى حلول سريعة وأخرى متوسِّطة المدى وثالثة بعيدة لعلَّ الوضع يستقيم خلال عقد أو عقدين من الزمن. وهذه الحلول ينبغي أن ترتكز على ثلاثة مبادئ رئيسة:
ـ أولها سياسي يتمثل في إعادة النظر في الخيارات الكبرى للبلاد من حيث الاعتماد على الذات وبناء اقتصاد وطني غير ريعي تابع للسوق الدولية، يُمكِّن مِن خلق ديناميكية جديدة على كافة المستويات.
ـ ثانيا: إعادة النظر في نوعية التخصّصات التي ينبغي أن توفرها الجامعة وإذا اقتضى الأمر غلق بعض الفروع لخمس أو عشر سنوات، وتحويل أساتذتها إلى ميادين أخرى يمكن إعادة تكوينهم فيها أو رسكلتهم ليتمكّنوا من تخصّصات جديدة يحتاجها الاقتصاد الوطني أو المجتمع.
ـ ثالثا الانفتاح على العالم من حيث طرق التدريس ونوعيته من خلال الشراكة مع جامعات أجنبية وأساتذة أكفاء من جميع الجنسيات لإعطاء ديناميكية للتعليم، وهذا يستلزم الانفتاح على اللغة الانجليزية كلغة عالمية تُتيح لنا مجالات اختيار أكبر، وتُخرجنا من التقوقع في اللغة الفرنسية التي تلزمنا بحلول محدودة وبتعاون من نوع خاص.
ـ رابعا ترشيد استهلاك ميزانية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي يذهب قرابة نصفها في الخدمات الجامعية غير المتناسبة مع الظروف التي يعيشها الطالب، وتمكين الطلبة منها مباشرة مما يساعدهم على تسيير حياتهم الجامعية بطرق أفضل ودفع حتى بعض الرسوم إن اقتضى الأمر.
ـ خامسا اعتماد سياسة أجور جديدة للأساتذة تعتمد على مردودية كل منهم وعلى عطائه العلمي والبيداغوجي بدل سياسة “المساواة” غير العادلة بين الكفاءة والرداءة داخل التخصص الواحد.
وفي كل مجال من هذه المجالات نحن في حاجة إلى الانتقال عبر مراحل تكون واضحة ومحدَّدَة ضمن رؤية استراتيجية متكاملة، وهي المهمة الأشمل التي ينبغي أن نقوم بها إذا ما أردنا ألا يكتب لنا طلبتنا رسائل مثل هذه بعد عشر سنوات من الآن يقولون لنا فيها: نريد أن نبدأ من الصفر !