“الجزائر الناشئة”.. أو حين تصنع ورشات صغيرة حُلما اقتصاديا بـ400 مليار دولار
في الجزائر، لم يعد بعض المقاولين الصغار، يكتفون بالنشاطات البسيطة، أو السوق المحلية فقط، بل بدؤوا يشقون طريقهم نحو صناعات، وأسواق كبرى، لم يكن الوصول إليها يبدو ممكنا قبل سنوات.
مؤسسات انطلقت من ورشات متواضعة، ببضعة أمتار وإمكانات محدودة، أصبحت اليوم تصنع قطعا ومكوّنات تدخل في سلاسل إنتاج عالمية، مع شركات معروفة، مثل “إيرباص” و”فولكسفاغن”، إلى جانب علامات في الألبسة والأحذية، مثل “زارا” و”سكيتشرز”، بعد أن نجحت في فرض الجودة الجزائرية، داخل فضاءات لا تعترف إلا بالمعايير العالية.
بعض هؤلاء الشباب لم يتجاوزوا ثلاثين عاما، ومعظمهم مصنف ضمن الجيل “زد”، أو الشباب المولودين منذ منتصف التسعينيات. هؤلاء عايشوا الثورة الرقمية، وأثبتوا أيضا أنهم جيل ريادة الأعمال، وليس فقط “تيك توك” و”سوشل ميديا”. واللافت، أن مسارهم هذا يتقاطع مع الرؤية الاقتصادية، التي تقودها الدولة في السنوات الأخيرة، تحت توجيهات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، القائمة على دعم الإنتاج الوطني وبناء اقتصاد أقل ارتباطا بالمحروقات، لبلوغ ناتج داخلي خام في حدود 400 مليار دولار، بحلول عام 2027، ولم لا تجاوزه!
قصة طائرات “إيرباص” بقطع جزائرية

قصة حيّرت الكثير في الجزائر، لكنها حقيقية فعلا، مؤسسة جزائرية صغيرة، بمدينة الطاهير، في ولاية جيجل، نجحت في تصنيع قطع ميكانيكية تدخل في سلاسل إنتاج عملاق الطيران العالمي “إيرباص”، الشركة التي تصنع آلاف الطائرات المدنية في العالم، وتفرض واحدا من أكثر دفاتر الشروط صرامة في الصناعات الحديثة.
داخل المنطقة الصناعية بالطاهير، تشتغل شركة “سوميمي”، وما يحدث داخل ورشاتها يتجاوز بكثير صورة “مؤسسة صغيرة”، كما يتخيلها كثير من الجزائريين. فهذه الشركة المتخصصة في الميكانيك الدقيقة والصيانة الصناعية، أصبحت تصنع قطعا ميكانيكية عالية الدقة، لفائدة ممون من الدرجة الأولى لمجمع “إيرباص”، إلى جانب مكونات موجهة إلى الشاحنات، وحتى أجزاء مرتبطة بالأقمار الصناعية.
القصة بدأت سنة 1990، حين تأسست المؤسسة تحت اسم “الشركة المغاربية للميكانيك الدقيقة والصيانة الصناعية”، قبل أن تدخل مرحلة جديدة تماما، بعد سنة 2004، وكان مسيرها وقتها العشريني، عادل بن ساسي، الذي قام بتوجيه الاستثمارات نحو الصناعات الدقيقة، والتجهيزات عالية التكنولوجيا، في رهان بدا للكثير أكبر من إمكانيات مؤسسة جزائرية صغيرة.
لكن، بعد سنوات من العمل، نجحت “سوميمي” سنة 2009، في توقيع عقد لتزويد ممون تابع لـ”إيرباص”، لتبدأ بذلك رحلة طويلة داخل عالم الصناعات الجوية، وهو قطاع لا يعترف إلا بالدقة المطلقة واحترام المعايير الدولية. واليوم، تضم المؤسسة حظيرة تجهيزات صناعية متطورة، باستثمارات ذات قيمة عالية، مع فريق تقني متخصص يعمل على تصنيع قطع ميكانيكية دقيقة، ونماذج أولية، وقوالب صناعية وتجهيزات معقدة تدخل في قطاعات حساسة، ضمن منظومة إنتاج تخضع لمراقبة صارمة في كل المراحل.
يقول مسير المؤسسة، عادل بن ساسي، لـ”الشروق”، إن التعامل مع مجمع عالمي بحجم “إيرباص” لم يكن أمرا سهلا، لأن الثقة في هذا النوع من الصناعات “لا تمنح بالخطابات، بل تبنى عبر الجودة والانضباط والاستمرارية”، ويضيف: “كان علينا الاستثمار في الكفاءات البشرية، والتجهيزات، والحصول على الشهادات والاعتمادات الضرورية، إضافة إلى ترسيخ ثقافة الجودة والتتبع الصناعي داخل المؤسسة، لأن الصناعات الجوية من أكثر القطاعات تعقيدا في العالم”.
ويشرح بن ساسي أن التعاون مع “إيرباص” مر عبر مراحل طويلة من التدقيق التقني والتحقق من طرق الإنتاج ومراقبة الجودة، قبل الوصول إلى مرحلة الشراكة، مؤكدا أن هذا النوع من التجارب يثبت أن المؤسسة الجزائرية الصغيرة والمتوسطة قادرة على دخول سلاسل القيمة العالمية، عندما تبلغ المعايير المطلوبة.
ومن موقعه، بصفته أيضا رئيسا للمجلس الوطني للتشاور لتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة اليوم، يرى بن ساسي أن الجزائر تعيش حاليا بداية تحول حقيقي داخل النسيج الصناعي، مع بروز مؤسسات صغيرة وشباب اختاروا دخول مجالات كانت تبدو قبل سنوات حكرا على الدول الصناعية الكبرى، مثل الميكانيك الدقيقة، المناولة الصناعية، والحلول التكنولوجية المتقدمة.
ويشير إلى أن الجزائر تضم حاليا أكثر من مليون مؤسسة صغيرة ومتوسطة، غير أن السنوات الأخيرة شهدت بروز ديناميكية جديدة نحو الأنشطة ذات القيمة المضافة العالية، خاصة في مجالات الصناعة التحويلية، التجهيزات، الإلكترونيك، الميكانيك الدقيقة والتكنولوجيات الحديثة… وهي القطاعات التي يعتبرها قاعدة حقيقية لبناء اقتصاد منتج وأكثر تنافسية، خارج المحروقات.
“المقاولات الصغيرة”… كلمة السر في مشروع غارا جبيلات

وفي مطلع فيفري 2026، كانت “الشروق” في الميدان، رفقة رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بولاية بشار، خلال زيارة خصصت لتدشين مشروع السكة الحديدية الصناعي بشار– تندوف، المرتبط بمنجم غارا جبيلات.
وتم، يومها، استقبال أول شحنة من حديد غارا جبيلات، التي وجهت مباشرة إلى وهران، ووصلت إلى مصنع “توسيالي” بتاريخ 2 فيفري، بعد 24 ساعة فقط من انطلاقها. ولم تكن لحظة وصولها مجرد عملية نقل عادية، بل عكست نجاح شباب مقاول، كان وراء المشروع أيضا، إلى جانب المجمعات العمومية الكبرى في الجزائر، وسط أجواء من الحماس، خاصة المناولين وأصحاب المؤسسات المصغرة، الذين كانوا جزءا من هذا المسار، منذ مراحله الأولى.
وفي هذا الإطار، يروي نغاح عبد الرحمن، مدير شركة “سودايا” للتلحيم والحديد وصناعة العربات بتلمسان، في تصريح لـ”الشروق”، مسارا مهنيا بدأه منذ ثماني سنوات، حين أسس مؤسسته الصغيرة، التي تحولت تدريجيا إلى فاعل محلي ناشئ، في مجال تجهيز وصناعة معدات التلحيم ومعالجة الحديد. ويؤكد أن انخراطه في مشاريع الأشغال المرتبطة بخدمة الطرقات، بولاية تندوف، جاء في إطار الحركية التنموية التي رافقت مشروع غارا جبيلات، باعتباره أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في البلاد.
ويضيف المتحدث أن شركته استفادت من هذه المشاريع الميدانية، من خلال توفير عربات التلحيم وتجهيزات الحديد، الموجهة إلى أشغال التأهيل والبنية التحتية بالمنطقة، كما يشير إلى أن التجربة لم تكن فردية، بل فتحت المجال أمام عشرات الشباب المقاولين، للمشاركة في الورشات نفسها، ما أوجد حركية اقتصادية محلية، وأسهم في إدماج المؤسسات الصغيرة، ضمن سلاسل الإنجاز المرتبطة بالمشاريع الكبرى.
وهناك أيضا، تحصلت “الشروق” على وثائق من وزارة المحروقات والمناجم ـ قبل فصلها عن قطاع المحروقات ـ تتضمن كتيبا من 18 صفحة بعنوان: “غارا جبيلات… الركيزة الإستراتيجية لصناعة الحديد والصلب في الجزائر”، يبرز أن المشروع لا يقتصر على استغلال الثروة المنجمية فقط، بل يمتد أثره إلى أداء دور محوري في تطوير النسيج الصناعي الوطني، عبر خلق فرص معتبرة للمؤسسات المصغرة والمتوسطة في مجالات اللوجستيك والصيانة والخدمات. وتعمل هذه المؤسسات ضمن منظومة المشروع، بالتنسيق مع شركة “فيرال”، الذي يُنتظر استكماله على مرحلتين، الأولى تمتد من 2024 إلى 2032، والثانية من 2033 إلى 2040، مع إشراك مناولين محليين ومؤسسات مصغرة تحولت، في الواقع، إلى “كلمة السر” في نجاح هذا المشروع الضخم.
شهادات شباب بدؤوا من “تحت الصفر”

وخلال سبعة أشهر من تغطية المعارض الاقتصادية والصناعية التي احتضنتها الجزائر، جمعت “الشروق” عشرات الشهادات لشباب آخرين يقودون تجارب صناعية وتكنولوجية ناشئة، بعضها بدأ من ورشات صغيرة قبل أن يجد طريقه نحو علامات ومشاريع كبرى.
وفي ولاية باتنة، لم تكن بداية عبد النور إسماعيل تشبه قصة شاب بدأ من الصفر فقط، بل شاب اختار الصناعة رغم صعوبتها على الاستيراد، وأسس مصنعه لخزانات “سيرغاز” وهو في الثامنة والعشرين من عمره، لكنه لم يعد يتحدث اليوم عن ورشة صغيرة أو إنتاج محدود، بل عن مصنع يستعد لبلوغ 92 ألف خزان سنويا، وعن مصنع سيارات كهربائية صغيرة، يجري التفاوض حوله مع شريك صيني.
ويقول إسماعيل عبد النور لـ”الشروق”: “في البداية، سعيت لتصنيع الخزانات المعدنية في الجزائر. وكنا أول مستثمرين في شمال إفريقيا. أما اليوم، فأبحث في صور النماذج الأولية للسيارات الكهربائية، مع شريك صيني. وأطمح إلى أن ترى هذه الفكرة النور، وتحظى بالتسهيلات. فطموحنا أصبح أكبر بكثير من فكرة مشروع مصغر”.
وفي العاصمة، داخل معرض العلامات العالمية المصنّعة في الجزائر. كان المشهد مختلفا تماما عن الصورة التقليدية للصناعة المحلية. هناك، كانت “زارا” تعرض منتجات ملابس تصنع داخل الجزائر، بالتعاون مع مصنع “تايال” للنسيج وشباب جزائريين يملكون ورشات مناولة صغيرة، بعضهم لم تتجاوز سنه الثلاثين.
ولم يكن الأمر مجرد عرض رمزي، إذ أكد مدير شركة “أزاديا” المسوّقة لعلامة “زارا”، وليد شاهين، لـ”الشروق”، أن العلامة “تنتج حاليا في الجزائر وتُصدّر منتجاتها إلى 96 بلدا عبر العالم”، موضحا أن حجم الإنتاج السنوي يعادل نحو 700 ألف متر من القماش.
الأهم في حديث مسؤولي “زارا”، كان الرهان الواضح على الشباب الجزائري، فقد كشف شاهين عن خطة لتوسيع النشاط الصناعي محليا، بالاعتماد على شباب صغار السن، عبر إنتاج القماش وتحويله إلى ملابس جاهزة داخل الجزائر، مع توجيه جزء من الإنتاج نحو التصدير، أو حتى تصدير القماش نفسه لفائدة علامات عالمية أخرى.
الصورة نفسها، بدأت تظهر أيضا في قطاع الأحذية الرياضية، حيث تستعد علامة “سكيتشرز” الأمريكية لتوطين جزء من نشاطها بالجزائر، بالتعاون مع شركة “تراديفوت” وشباب جزائريين أصحاب ورشات صغيرة.
أما في جناح المؤسسات الناشئة بمعرض التجارة البينية الإفريقية، فكان المشهد مختلفا، لكن بالروح نفسها. الشابة العشرينية، سارة قاسي، كانت تعرض بثقة مشروع “لابلابي”، وهي شركة ناشئة تأسست سنة 2021 لتطوير منصات تدريب في تقنيات الاتصالات والذكاء الاصطناعي. تقول سارة لـ”الشروق”: “لاحظنا أن كثيرا من المهندسين يتخرجون نظريا، لكنهم يفتقدون مساحات تجريب حقيقية”، قبل أن تشرح كيف تسمح منصتهم للمستخدمين بالتدرب على تقنيات “جي 4″ و”جي 5” والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، وصولا إلى أدوات متقدمة مثل “Docker” و”Kubernetes”.
وبعد سنوات قليلة فقط، أصبحت الشركة تقدم خدماتها لمتعاملين كبار، مثل “أوريدو” بقطر و”أورانج” و”اتصالات الجزائر”، مع طموح لمزيد من التوسع نحو الخارج، وتطوير أدوات تدريب أكثر تطورا.
شبكة لربط 2500 متعامل “دي زاد” بالمصانع الكبرى
وخلف هؤلاء الشباب، تنمو في الظل شبكة واسعة من المناولين المحليين، تحولت تدريجيا إلى أحد أعمدة الصناعة الجزائرية الجديدة، إذ يرى رئيس بورصة المناولة للغرب الجزائري، رشيد بخشي، في تصريح لـ”الشروق”، أن المناولة خرجت من هامش النشاط الاقتصادي، لتصبح شبكة إنتاج وطنية حقيقية تضم أكثر من 2500 مناول ناشط، أغلبهم مؤسسات مصغرة بدأت تجد مكانها داخل المنظومة الصناعية الجزائرية.
لكن، ما يلفت الانتباه في هذا التحول، بحسبه، أن بورصة المناولة لم تعد مجرد هيئة تنظيمية أو فضاء للوساطة، بل أصبحت تبحث فعليا عن الفرص الصناعية، وتفتح الصفقات، وترافق المؤسسات الصغيرة للوصول إلى كبار المنتجين داخل الجزائر وحتى إلى شركاء صناعيين في الخارج.
وتظهر هذه الديناميكية، بشكل واضح، داخل قطاعات إستراتيجية، مثل السيارات والميكانيك، النفط والغاز، الصناعات الكهربائية والإلكترونية، الطاقات المتجددة والصناعات التحويلية، حيث بدأت المؤسسات الصغيرة تدخل تدريجيا في سلاسل الإنتاج، بعدما كانت بعيدة تماما عن هذا النوع من النشاط، قبل سنوات قليلة فقط.
ويشير بخشي إلى أن مؤسسات عمومية كبرى، مثل “سوناطراك”، “سونلغاز”، “كوسيدار” و”صيدال”، إلى جانب متعاملين دوليين ينشطون في الجزائر مثل “ستيلانتيس”، “جيلي” و”فولفو تروكس”، أصبحوا يعتمدون بشكل متزايد على المناولين المحليين، سواء في قطع وتجهيزات صناعية أم خدمات تقنية مرتبطة بالإنتاج.
كما يؤكد أن الدور الجديد لبورصة المناولة لم يعد يقتصر على الربط بين العرض والطلب، بل أصبح يتمثل في اكتشاف المؤسسات المصغرة القادرة على الإنتاج، مرافقتها وتأهيلها، ثم إدخالها في عقود حقيقية مع كبار المتعاملين، بما يسمح لها بالخروج من النشاط المحلي المحدود إلى فضاءات صناعية أوسع وأكثر تعقيدا.
ورغم ذلك، لا يخفي بخشي وجود تحديات حقيقية، أبرزها صرامة المعايير الدولية، خاصة في قطاع السيارات، إضافة إلى صعوبات التمويل والعصرنة الإدارية، وهي ملفات تعمل البورصة على معالجتها عبر برامج مرافقة وتكوين وتأهيل مستمر.
ويرى المتحدث أن أهمية هذا المسار لا تتعلق فقط بالمناولة في حد ذاتها، بل بكونه يساهم في إعادة تشكيل الاقتصاد الجزائري من الداخل، عبر تقليص الاستيراد، ورفع الإدماج الوطني، وتمكين المؤسسات الصغيرة من دخول سلاسل القيمة العالمية، بما يسرّع الانتقال نحو اقتصاد قائم على الإنتاج والتصدير.
وفي هذا السياق، تكشف بورصة المناولة عن برنامج لسنة 2026 يرتكز على لقاءات أعمال دورية بين المؤسسات الصغيرة وكبار المنتجين، وتكوينات في الاقتصاد الأخضر والصناعة الذكية والتحول الرقمي، إضافة إلى بعثات مهنية لفتح أسواق خارجية أمام المتعاملين الجزائريين.
ويعود بخشي ليؤكد أن مؤسسات صغيرة جزائرية اشتغلت بالفعل، خلال الأشهر الأخيرة، مع علامات عالمية، مثل “فولكسفاغن”، “جيلي” و”ستيلانتيس”، في مؤشر على أن ورشات صغيرة بدأت فعلا تجد مكانها داخل سلاسل إنتاج دولية معقدة.
حلم السيارة الجزائرية… البناء الصحيح يبدأ من الأسفل
وبما أن السيارات وقطع الغيار أحد المجالات التي يراهن عليها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في تنويع الاقتصاد، يرى رئيس النادي الاقتصادي الجزائري ورئيس لجنة قطع الغيار، سعيد منصور، في حديثه لـ”الشروق”، أن النقطة الحاسمة ليست فقط في استقطاب مصانع كبرى وماركات عالمية، بل في بناء قاعدة محلية تبدأ من الأسفل، تقودها المؤسسات الناشئة والصغيرة والمتوسطة وتعتمد على الشباب المبتكر.
ويشرح أن المؤسسات الناشئة اليوم لم تعد مجرد مشاريع أو أفكار على الورق، بل أصبحت جزءا أساسيا من الصناعة الحديثة، وظيفتها الأساسية الابتكار، إيجاد حلول جديدة للمشاكل التقنية، تطوير أدوات الإنتاج، وإدخال الرقمنة إلى المصانع. لذلك، فهي لا تنافس الشركات الكبرى، بل تكملها، فالكبار يوفرون الاستقرار والإنتاج الواسع، والصغار يأتون بالأفكار والتجديد.
وفي الحالة الجزائرية، يرى أن الشروط الأساسية موجودة فعلا، وهي شباب متعلم، سوق داخلية كبيرة، ومطالب صناعية واضحة في مجالات مثل الإنتاج، الصيانة، وسلاسل التوزيع، لكن الإشكال ليس في نقص الأفكار، بل في كيفية تحويلها إلى إنتاج فعلي، عبر ربط هذه المؤسسات الصغيرة داخل شبكات صناعية منظمة، بدل أن تبقى تعمل بشكل فردي ومعزول، وهو ما يعمل النادي على تشجيعه في قطاع السيارات بالدرجة الأولى.
وبرز، مؤخرا، متعاملون صغار ينتجون البطاريات، المصابيح، المصدّات، الكوابل الكهربائية، وفلاتر المحركات، إضافة إلى بعض المكوّنات البلاستيكية والمطاطية الموجهة لخطوط التجميع، كما بدأت وحدات صغيرة محلية في الاندماج تدريجيا في سلاسل التوريد العالمية، عبر تصنيع أجزاء تُستخدم في مركبات علامات دولية تُركّب داخل البلاد، ونجد هذه المؤسسات خاصة في الغرب الجزائري، قسنطينة، سطيف العاصمة، تلمسان، تيزي وزو، المدية وولايات أخرى.
ويعتبر منصور أن قطاع السيارات هو النموذج الأنسب لهذه الفكرة، لأنّه يقوم أساسا على سلسلة طويلة من المكونات، قطع صغيرة، تجهيزات دقيقة، وخدمات تقنية. وهنا، يمكن للمؤسسات الناشئة أن تدخل بقوة، سواء في تطوير أدوات القياس، أو حلول الصيانة الذكية، أو إنتاج بعض المكونات البسيطة، ما يسمح ببناء صناعة محلية تدريجيا بدل الاعتماد الكلي على الخارج.
ويستحضر منصور تجربة شركات عالمية مثل “تسلا”، التي بدأت كمؤسسة صغيرة جدا لشاب في مقتبل العمر، قبل أن تتحول إلى فاعل غيّر طريقة صناعة السيارات في العالم، ليؤكد أن الفكرة وحدها يمكن أن تتحول إلى صناعة إذا وجدت البيئة المناسبة.
أما في الجزائر، فيشير إلى أن هناك بداية تحول فعلي نحو دعم التصنيع المحلي وتشجيع الاستثمار وربط الصناعة بالشراكات ونقل التكنولوجيا، لكن هذا المسار يحتاج إلى ترابط أكبر بين الفاعلين الاقتصاديين، وهو موضوع دراسة وتطوير لدى النادي الاقتصادي الجزائري، خاصة وأنه تم اليوم جرد عدد الناشطين في القطاع من طرف وزارة الصناعة.
1700 مؤسسة جزائرية صغيرة تصدر إلى أسواق العالم

وفي الميدان، لم تعد المؤسسات الصغيرة تنتج فقط، وإنما تصدّر أيضا، وتفرض حضورها في أسواق إفريقيا والخليج وأوروبا وحتى أمريكا. ويؤكد نائب رئيس الجمعية الوطنية للمصدرين، علي باي ناصري، لـ”الشروق” أن هذه المؤسسات ليست فاعلا ثانويا، بل العمود الفقري للصادرات غير النفطية، خصوصا في قطاعات الصناعة الغذائية والتحويلية.
ويشير إلى أن عدد المؤسسات المصدرة ارتفع من نحو 1300 إلى أكثر من 2000 مؤسسة خلال أربع سنوات، من بينها نحو 150 مؤسسة كبرى، مقابل ما يقارب 1850 مؤسسة صغيرة ومتوسطة، ما يعكس- بحسبه- أن ديناميكية التصدير باتت قائمة أساسا على هذا النسيج.
ويضيف أن “أكبر المصدرين اليوم هم الشركات الصغيرة”، خاصة في مجالات التعليب والصناعات الغذائية، بفضل مرونتها وسرعة تكيفها مع متطلبات الأسواق الخارجية، كما تكشف الأرقام عن نشاط شبه دائم لنحو 1700 مؤسسة مصغرة في التصدير، خاصة في التمور وبعض المنتجات الفلاحية، مثل البصل والبطيخ. وهو ما وسّع قاعدة المتعاملين في هذا المجال.
وفي الصناعات الغذائية، تصل مساهمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى نحو 90 بالمائة من الصادرات، لتتحول إلى الفاعل الأول خارج المحروقات، ويبرز هذا التحول في التظاهرات الدولية، حيث شاركت الجزائر في معرض نواكشوط بموريتانيا، مطلع ماي الجاري، بـ300 مؤسسة، أكثر من 250 منها صغيرة، ما يعكس توسع حضورها في الأسواق الخارجية.
غير أن هذا التوسع، بحسب ناصري، يظل مرتبطا بضرورة المرافقة والتأطير، لأن التصدير يتطلب معرفة دقيقة بالأسواق الخارجية وقوانين الصرف واللوجستيك وإجراءات التجارة الدولية.
وفي هذا السياق، يشدد على أهمية الوكالة الوطنية للتصدير وبرامج الدعم العمومي، من مساعدات الشحن والنقل إلى آليات التمويل، خاصة في قطاعات مثل التمور ذات الكلفة اللوجستية المرتفعة.
ويدعو إلى إعداد خارطة وطنية دقيقة للمصدرين عبر البطاقة الوطنية للمصدر، التي أمر بها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بما يسمح بتوجيه أفضل لهذه المؤسسات نحو الأسواق العالمية.
دروس اقتصادية من إيطاليا وسنغافورة وسلوفينيا
وغير بعيد عن ذلك، يقول الوزير الأسبق للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مصطفى بن بادة، في حديثه لـ”الشروق”، إن هذه المشاريع الصغيرة المصدرة، أصبحت ضرورة عالمية لا يمكن تجاهلها، فالجزائر تملك كل المؤهلات للاستفادة منها، خاصة من خلال طموح الشباب صغار السن، الذين يرغبون في خوض غمار الاستثمار والمبادرة الاقتصادية، بما يسمح بالانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد قائم على الجهد والإبداع والابتكار.
ويستحضر، في هذا السياق، تجارب دولية ناجحة، مثل إيطاليا وإسبانيا والبرتغال، وصولا إلى نماذج أكثر ديناميكية كسلوفينيا، إضافة إلى تجارب صاعدة في إفريقيا وآسيا، مثل مصر وجنوب إفريقيا وكينيا وسنغافورة وماليزيا وفيتنام، حيث لعبت المؤسسات الناشئة والشباب دورا محوريا في التحول الاقتصادي.
ويشير إلى أن الجزائر شهدت، منذ مطلع الألفينات، مبادرات مهمة في هذا المجال، رغم أن المفهوم لم يكن قد تبلور بشكل دقيق آنذاك، حيث تم إنشاء آليات تمويل وهيئات دعم، من بينها صناديق ضمان القروض ووكالات تطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تنظيم تظاهرات عربية وقتها، لتحفيز حملة المشاريع، أبرزها المؤتمر العربي الرابع للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بالجزائر، الذي أشرف عليه هو شخصيا وقتها كوزير، وتوّج بميثاق عربي خاص.
غير أن تلك المرحلة لم تحقق النتائج المنتظرة، بسبب عدة عوامل، أبرزها ضعف البنية التحتية، وغياب الرقمنة، وثقل البيروقراطية، إضافة إلى محدودية ملاءمة بعض الآليات المالية لطبيعة السوق، إلى جانب مقاومة بعض الذهنيات الإدارية التقليدية.
ومع تسارع التحولات العالمية في مجالات الابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أصبح من الضروري إعادة مراجعة المنظومة بالكامل. وهو ما شرعت فيه الجزائر ميدانيا، من خلال تحديث الإطار القانوني للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ودمج بعض الآليات، وإنشاء أجهزة جديدة لدعم وتمويل المؤسسات المصغّرة واستبدال “أونساج” سابقا، أي الوكالة الوطنية لدعم وتشغيل الشباب، بـ”نسدا” حاليا، أو الوكالة الوطنية لدعم وتنمية المقاولاتية.
ويؤكد بن بادة أن البلاد تشهد اليوم ديناميكية جديدة، مع إنشاء 10 آلاف مؤسسة ناشئة، وفتح معاهد ومدارس عليا متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المتقدمة، في محاولة لبناء بيئة حاضنة لهذا النوع من الاقتصاد.
كما يشدد على أهمية الاستثمار في البنى التحتية الرقمية بشكل أكبر، وتحسين شبكة الإنترنت، وتطوير وسائل الاتصال، باعتبارها شروطا أساسية لدمج الاقتصاد الوطني في التحولات العالمية، إلى جانب تنشيط مناخ الاستثمار وتوسيعه ليشمل الخدمات إلى جانب السلع.
وفي ظل التحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي، حيث تستحوذ شركات التكنولوجيا الكبرى على حصة معتبرة من الناتج العالمي، يرى بن بادة أن الجزائر لا تزال تملك هامشا واسعا للاستدراك، خاصة عبر تمكين الشباب من الاستثمار في هذا المجال، وهو ما تم الشروع فيه فعلا.
ويخلص بن بادة إلى أن “مستقبل الاقتصاد الجزائري لن يُبنى فقط على الموارد التقليدية، بل على قدرات الشباب صغار السن والمؤسسات الناشئة والابتكار التكنولوجي”.
ونحن عائدون على متن طائرة الجوية الجزائرية، بعد تدشين خط السكة الحديدية الصناعي تندوف ـ بشار، بدا واضحا أن جيلا جديدا برز في الجزائر، جيل “زد”، الذي سخر منه الكثير، ووصفوه بجيل “تيك توك”، يتحول اليوم إلى جيل يتحدث بلغة المصانع والذكاء الاصطناعي والتصدير. وربما، لهذا، يكرر الرئيس عبد المجيد تبون دائما أن الجزائر لن تبقى رهينة النفط، لأن المعركة الحقيقية أصبحت في عقول شباب قادرين على تحويل ورشات صغيرة إلى اقتصاد كبير.