الحداثيون في عالمنا الإسلامي 2/2
تكلّمنا في الحلقة الأولى من هذا المقال، عن مبررات هذا الموضوع، وشرعنا في عرض المدارس الفكرية الحداثية، ونواصل هنا الكلام في بقية الموضوع، لننتهي في الأخير إلى النقائص التي تعتري مدرستي المحافظين والحداثيين، وحالت دون التقائهما، وحرمان لكل منهما من فضائل الآخر؛ بل وتسببت في الكثير من الشك والتردد وسوء الظن فيما يطرح كل منهما من قضايا فكرية وإصلاحية، فلم يحصل اللقاء بينهم إلا في فترات قليلة أملتها الضرورة، ومنها ما أشرنا إليه في مقال سابق، أيام مقاومة الاستعمار في إطار الحركات الاستقلالية، يوم آمن الجميع بضرورة الالتحام في سبيل تحقيق الاستقلال.
للإجابة عن تلك التساؤلات (المعروضة في الحلقة الأولى) تدخلت المدرسة الصراعية، أو ما يعرف بالماركسية، ورائدها الأول الفيلسوف الألماني كارل ماركس (1818- 1883)، وهي امتدادٌ للجدلية التاريخية، ويطلق عليها أيضا “الديالكتيك”، لتقرر أن المسألة الاقتصادية هي الأساس، وكل ما عدا ذلك يعدُّ امتدادًا لها.
ترى هذه المدرسة أن المحرك الرئيس للمجتمع برمته هو الصراع الطبقي، على اعتبار أن الحاجة هي التي تدفع الإنسان إلى طلبها، إذ إن كل ما ينتجه المجتمع من اقتصاد أغلبه يتحقق باليد العاملة، حتى إن مجرد طلب الرزق يمكنه أن يرتقي إلى مستوى الاستعداد للتضحية في سبيل ذلك، ولكن المستفيد من أرباح تلك الجهود وما تثمره من منتجات هم أصحاب المصانع والمالكون لوسائل الإنتاج، وربما وقع الغبن على العامل الذي قد لا يكفيه ما يُعطى من أجل العيش، فيضطر إلى فعل شيء ما من أجل استرداد حقه الضائع أو بعضه، فيقع الصدام بين طرفي المعادلة: العمال من جهة، وأرباب المصانع من جهة أخرى، فتقع ثورة الطبقة الكادحة -البروليتاريا- على الملّاك ورؤوس الأموال، لامتلاك وسائل الإنتاج، لتصبح هي المالك الحقيقي لهذه الوسائل، وتتحول البروليتاريا شريكا في وسائل الإنتاج، أو هي مالكتها الحقيقية بواسطة التأميم وتحويلها إلى مُلك عامّ، فيتحقق العدل والاستقرار الاجتماعي، الذي ستعقبه الشيوعية، التي يستغني فيها المجتمع عن مؤسسات الحكومة وعن مؤسسات الدولة التي كانت تحفظ له التوازن.
وبعد الماركسية، جاءت المدرسة التفاعلية الرمزية، بالجمع بين الفردية والجماعية في الحراك الاجتماعي، بعرض ما بينهما من علاقة تفاعلية، ومن بين مصطلحات هذه المدرسة “الأنا” المعروف في علم النفس، والأنا الاجتماعي، الذي يمثل أنا الجماعة. وربما ما ساعد رائد هذه المدرسة، الأمريكي جورج هربرت ميد (1863- 1931)، على تبني هذا الطرح، تأثره بالمدرسة البراغماتية، وتخصُّصه في علم النفس وعلم النفس الاجتماعي. والبراغماتية وعلم النفس ينطلقان من الإنسان الفرد، وليس من الجماعة. ورغم أن اجتماعية الفرد توحي بتقديم المجتمع على الفرد، إلا أن الجانب الوظيفي للمجتمع يبقى مرهونا بمدى تفاعل الفرد مع الواقع الاجتماعي، سواء في سبيل تحقيق مصالحه الخاصة، التي سيكون لها بالضرورة انعكاسها على المجتمع برمته، أو في سبيل تحقيق مصلحة جماعية، وهي من باب أولى محقِّقة للبُعد الاجتماعي.
ثم كانت المدرسة التفهُّمية، التي تُنسب إلى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864- 1920)، الذي اطّلع على المدارس الثلاث السابقة، ولم يكتف بمجرد التعرف على المجتمع كشخصية معنوية مستقلة، أو بوصفه متفاعلا مع الواقع والطبيعة والمحيط، وإنما ذهب إلى ما يصدر عن الإنسان، وهو الفعل الاجتماعي، وعلاقة مقاصده به، إذ إن حركة المجتمع ليست خاضعة بالضرورة إلى ما يكتشف من قوانين قياسية تاريخية، أو تفاعلية عفوية، أو الصراع بين قوى المجتمع، وإنما هي خاضعة للفعل الاجتماعي، الذي يقوم به أفراد المجتمع، ولفهمه وفهم دوافعه للوصول إلى معنى للظاهرة الاجتماعية، وذلك متعلقٌ بالفرد وأهدافه ومقاصده… إلخ. وذلك لا يتحقق بمجرد معرفة ظاهر ما يصدر عن الأفراد من أقوال وأفعال، وعلاقتها بمقاصدهم التي يرمون إليها، وإنما يتحقق بفهم المقاصد ومدى تأثيرها على الواقع.
ثم جاءت المدرسة البنيوية، التي انصبَّت اهتماماتها على النظم التي تحكم المجتمعات، وليس على الأفراد الذين تتكون منهم المجتمعات، باعتبار أن تلك النظم تمثل بنيات ثابتة متوارثة، تفسَّر في ضوئها حركات الإنسان أفرادا وجماعات، فنظام الأسرة مثلا تحكمه قيم ونظم معينة، والعلاقات بين الأزواج فيها لها طقوس معينة، والسلطات الممارسة فيها لها عادات وتقاليد ثابتة لا محيد عنها.
والمقصود بالنظم ليس النظم السياسية والاجتماعية المحدَثة، وإنما النظم الطبيعية التي توارثها الإنسان ومارسها بالفطرة والعادة، حتى أصبحت قوانين ثابتة؛ لأن سنن التاريخ الناظمة للحياة تعد مصدرا مهما للعلوم الإنسانية فيما يعرف بالخبرة التاريخية، وما شهد التاريخ على صحته لا يمكن نفيه إلا تعسفا.
في ظل هذه الإضافات الهامة التي فرضتها نقائص الوضعية، المتسرعة في الحكم على خبرة الإنسان، إذ لم تخلُ مدرسة من نقد حاد وقوي، وربما كان أهم الكاشفين لهذه النقائص المدرسة التفكيكية، التي تبناها الفيلسوف الناقد جاك دريدا (1930- 2004)، الذي غاص في علاقة اللغة بالمعنى الذي يؤسِّس للقيم الاجتماعية، والتي تدعو إلى النظر في العلاقة بين النص والمعنى، وما ينبثق عن ذلك من قضايا لم تكن محلَّ نظر ونقاش من قبل، مثل: هل المعنى يتضمَّنه اللفظ الذي وُضع له؟ أم أن المعنى لاصقٌ بالشيء، ثم جاء اللفظ ليعبِّر عنه؟
إن المدرسة التفكيكية مدرسة جديدة في الفكر الإنساني والفلسفة، ولا تزال العطاءات تتتابع إلى يوم الناس هذا، ولا يزال الباب مفتوحا للإضافة في الفكر الإنساني، بسبب النقائص التي تميزت بها الحداثة وما بعد الحداثة، جراء تنكُّرها لعالم الغيب، الذي هو مكوِّنٌ أساسي في حياة الإنسان، مكتفية بالتعلُّق بالمعنى، وحصر مهمة الغيب “الدين خاصة” في هذا المعنى، رغم أن تعلق الإنسان بالغيب يهدف إلى الخلود، وليس لمجرد المعنى الذي قد يكون آنيا وينتهي بانتهاء حصول المتعة واللذة.
وما يهمني هنا هو عرض التيار الحداثي كما هو، ثم مدى علاقته بالتيار الإسلامي، الذي لم يستطع أن يقبل به أو يُقنعه بجدوى طروحاته، خاصة فيما يتعلق بالموقف من الدين، فالحداثيون يرون أنه “منتهي الصلاحية” فيما يخص القدرة على حل مشاكل الناس، بينما التيار الإسلامي لا يؤمن بما تقول به الحداثة، بل يعتبر أن الدين هو الإطار المرجعي للأمة.
لا شك أن ما تحقق في إطار الحداثة، على المستوى المعرفي، ماديا ومعنويا، فتوحاتٌ كبيرة للإنسانية، ولكن هذه الفتوحات بقيت رهينة نقيصة تطاردها، ولا تزال تقف في طريقها مانعا لها من الكمال والاستقرار المعرفي، هي التنكُّب للغيب والدين والإيمان، كمسألة أساسية للوجود الإنساني، إذ لا يمكن للعقل الإنساني أن يتجاوز هذه النقيصة، ما لم يرتق إلى وضع الغيب في موقعه الذي جُعل له.
وكذلك بالنسبة للمحافظين الذين يضعون الاهتمام بالدنيا وملذاتها موضع الشبهة أو النقيصة؛ لأن العقل الذي لم يكتمل بمجرد الإحاطة بالعلوم الكونية والاجتماعية، بمعزل عن الإيمان بالغيب، فإنه لا يتمكن من معرفة الوجود وفهم رسالته فيه، إلا بالإحاطة بالمعرفة الكونية والإنسانية، إلى جانب الإيمان بالله واليوم الآخر، والعلم والعمل بمقتضياتهما، وكما جاء في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ القصص: 77.
لا شك أن ما تحقق في إطار الحداثة، على المستوى المعرفي، ماديا ومعنويا، فتوحاتٌ كبيرة للإنسانية، ولكن هذه الفتوحات بقيت رهينة نقيصة تطاردها، ولا تزال تقف في طريقها مانعا لها من الكمال والاستقرار المعرفي، هي التنكُّب للغيب والدين والإيمان، كمسألة أساسية للوجود الإنساني، إذ لا يمكن للعقل الإنساني أن يتجاوز هذه النقيصة، ما لم يرتق إلى وضع الغيب في موقعه الذي جُعل له.