الحداد على الطريقة الجزائرية
كشفت جنازة الرئيس احمد بن بلة عن تدهور في ثقافة الحداد الوطني وتشويه متعمد للتاريخ ورجالاته، واستخدام مفرط لـ”الموسيقى الكلاسيكية” الغربية بديلا عن القرآن الكريم، فهل ما حدث وصية المرحوم أم قرار من يريدون تسيير الشأن الجزائري ما بعد تشريعيات 10 ماي 2012م.
القرآن غير المرغوب فيه
لا توجد دولة عربية أو إسلامية يقام فيها الحداد الوطني دون تلاوة القرآن الكريم في وسائلها السمعية البصرية وتنكيس الأعلام في مؤسساتها الرسمية، ولم تعرف الجزائر أثناء موت الرئيس الراحل هواري بو مدين أو اغتيال محمد بوضياف حدادا بدون ترتيل القرآن الكريم مدة أيام الحداد بالرغم من أن من جاؤوا بالرئيس محمد بوضياف كانوا اشد تطرفا إزاء الدين وكانوا يمنعون بث الأذان في التلفزيون.
ولا يوجد ما يفسر اللجوء إلى (كوكتال من السنفونيات) العالمية خلال فترة الحداد على الراحل بن بلة، فهل صارت تلاوة القرآن الكريم في الإذاعة ممنوعة في غير إذاعة القرآن الكريم؟ ومتى صارت تلاوة القران على الموتى تدخل في الحسابات السياسية؟.
البعض ادعى بأن الحداد الوطني على الرئيس أحمد بن بلة فرصة للتيار الإسلامي لاستخدام الدين في حملته الانتخابية، والبعض الآخر زعم بأن الجمهورية الثانية بدأت مع رحيل احمد بن بلة باستخدام الموسيقى الجنائزية الغربية.
قراءات متعددة
تحول هذا الموقف اللا أخلاقي من القيام بحداد وطني لا يحمل البصمة الدينية إلى قراءات سياسية في مواقف الرجل، فهناك من يقول بأن السلطة في الجزائر لم تنس ما قام به الرئيس احمد بن بلة عندما خرج من السجن عام 1981م والتحق بالمعارضة وشكل تحالفا مع الزعيم حسين آيت احمد سنة 1985م بلندن، وقد أدى إلى اغتيال علي مسيلي الذي قام بدور كبير في هذا الاتفاق (العربي الامازيغي)، وهناك من يدعم هذا الرأي بالقول بأن الفضل في التوقيع على (العقد الوطني) للمصالحة الوطنية لعام 1995م بروما يعود إلى المرحومين عبد الحميد مهري وأحمد بن بلة.
أما الطرف الآخر فيقول بأن المعارضين داخل السلطة أرادوا التقليل من شأن الرئيس احمد بن بلة لأنه وافق على الالتحاق بقيادة الأركان للجيش الوطني عام 1962م بعد رفض محمد بوضياف وحسين آيت احمد ذلك بحجة أنهما ضد الانقلاب على الحكومة المؤقتة التي كان يرأسها بن يوسف بن خدة، والذي ترك وصية بعدم دفنه في مقبرة العالية، وأنه أبلغ الرئيس الحالي الذي كان يقوم بدور الوسيط آنذاك.
الرؤساء والخطاب الإعلامي
لا تستطيع هذه الجنازة الرسمية أن تعوض الرئيس الراحل الـ 15 سنة سجنا، ولكنها كشفت عن المستور داخل السلطة الجزائرية والسلطة المغربية، فعلى مستوى البروتوكول داء انسحاب الوفد المغربي في غير موضعه، لأن صحفا مغربية قالت بأن أحمد بن بلة هو أول رئيس جزائري من أصول مغربية، وأخرى ادعت أنه قاد حربا ضد المغرب، وهي مغالطات تاريخية، أما على المستوى الإعلامي الجزائري الرسمي فقد صفات النقل المباشر بسبب عدم القدرة على الاسترسال وشح المعلومات المتعلقة بالفقيد، بحيث أن تجاهل الحديث عن فرحات عباس (أول رئيس حكومة جزائرية) وبن يوسف بن خدة (ثاني رئيس)، وعن الشخصيات التي كانت تظهر مع المرحوم في الصور التاريخية.
والحقيقة التي تجاهلها الإعلام الجزائري ان بن بلة هو أول من رفض حذف العروبة والإسلام من برنامج حزبه (الحركة من اجل الديمقراطية في الجزائر) في الوقت الذي استجابت فيه الأحزاب الإسلامية واللائكية والوطنية لشروط قانون اعتماد الأحزاب الذي يمنع استخدام عناصر الهوية في العمل الحزبي، مما أدى إلى عدم الاحتفاظ بالحزب.
ثقافة النسيان
من المفارقات أن السلطات الجزائرية تنسى بأنها أدخلت بتهوفن وموزار وشوبان وباخ وغيرهم من نجوم الموسيقى العالمية إلى بيوتنا عندما أرادوا تهميش الفنانين الجزائريين، وها هي اليوم تعود إلى هؤلاء لتفريغ الحداد الوطني على الرئيس بن بلة من محتواه الديني، كما أنها بدأت بعملية تسفيه الذكرى الخمسين لاسترجاع السيادة الجزائرية بدعم أولئك الذين رضعوا حليب فرنسا وما يزالون يرضعون أطفالهم منها ويطالبون (فرض لائكية اللغة وفصل العربية عن الإسلام) واعتبار التعريب (جريمة ضد الإنسانية) وهو (اخطر من الاستعمار نفسه) على حد تعبير بوعلام صنصال، وليس غريبا أن تنطلق الاحتفالات الفنية من فرنسا يوم عيد سمكة افريل وكأن هذا الاحتفال مجرد أكذوبة.