-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحلم الجزائري: سبيلنا إلى محور القوة

الحلم الجزائري: سبيلنا إلى محور القوة

عندما صنّف مالك بن نبي- رحمه الله- العالم إلى محورين: محور القوة، حيث الصناعة والتقدم والقدرات العسكرية والأيديولوجية المهيمنة، ومحور البقاء حيث المواد الأولية والتبعية الاقتصادية والقابلية للاستعمار، كان يريد أن يُنبِّهنا إلى ضرورة وعي الذات الحضارية والانطلاق في مشروعنا المستقبلي، قبل أن يتعولم العالم ويُقضَى على حلمنا، أن يكون لنا دور ريادي فيه كما كان لنا عبر التاريخ.

وقد نبَّهنا في أكثر من موقع من كتاباته إلى الأساليب المتعدّدة التي سيلجأ إليها محور القوة لكي نبقى دون القدرة على منافسته أو التمكن من إعادة بناء صرح حضارتنا من جديد. ولعل تأكيده على ضرورة تفعيل محور طانجا  جاكارتا لإعادة الفعالية إلى العالم الإسلامي، كان يحمل أكثر من بُعد لم ننتبه إليه في حينه، بل سرنا عكس اتجاهه تماما عندما بدا لنا أننا يمكن أن نستعيد مكانتنا منفردين أفارقةً أو عربًا أو مسلمين فضلا عن أن نقوم بذلك دولا قطرية، كل واحدة منفصلة بذاتها عن الأخرى، سواء من خلال تأسيس الجامعة العربية أم منظمة الوحدة الإفريقية أم غيرها من محاولات توحيد الجهود الإقليمية التي لم تتمكن أبدا من أن ترى النور حقيقة فاعلة في المحيط الذي توجد فيه (اتحاد المغرب العربي، مصر والسودان، الاتحاد العربي مصر وسورياالخ) كلها كانت محاولات محدودة انتهت بالفشل.

وإذا استثنينا مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي له خصوصية تتعلق بالقدرات المالية الكبيرة لأعضائه، فإننا بما قمنا به من محاولات على الصعيدين الإفريقي والعربي لم يكن بالخطوة الصحيحة في الخروج من محور البقاء إلى محور القوة والمجد. عكس ذلك، كان لهذه المبادرات الأثر السلبي الكبير في مواجهة محور القوة، حيث اتجهنا نحو بدائل فرعية لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن ترقى إلى بديل العمل المشترك الإفريقي الآسيوي الذي بدأ في مؤتمر باندونغ سنة 1955 وأسس لكتلة عدم الانحياز.

كان ذلك هو الطريق الصحيح الذي يستطيع وحده أن يمكننا من مقارعة محور القوة والوقوف نِدا له، إلا أننا لم نفعل. وكان من نتائج ذلك، الحال التي أصبحنا عليها اليوم. بدل قوة عالمية إفريقية آسيوية تستطيع أن تواجه محور القوة أصبحنا كيانات فردية أو شبه جماعية معزولة لا تقوى على الدفاع عن وجودها.

وهو ما تُرجم في شكل انفراد للسياسات الغربية بمجتمعاتنا ودولنا:

لقد أصبحنا نعيش ظاهرة التكديس بكل معانيها، حيث السلع والخدمات تتدفق علينا باستمرار من كافة أنحاء العالم، وفقدنا الإنسان القادر على الإنتاج والفعل، وانفصلنا عن آسيا التي كان بإمكانها أن تكون رافعة Levier لقدراتنا على المواجهة، فإذا بنا لا نستطيع الدفاع عن موروثنا الحضاري، فما بالك بالتأثير في الآخرين. وازداد وضعُنا تأزّما عندما تمكّنت بعض الدول الآسيوية من الإقلاع الاقتصادي وإعادة بناء دولها بطرق جديدة واستمر وضعنا يتدهور باستمرار.

وهكذا أصبح لزاما علينا اليوم أن نُعيد طرح سؤالنا المركزي الذي ما فتئ يؤرقنا: ما السبيل إلى التقدّم وصناعة الحلم من جديد؟

يبدو أن بلوغنا أدنى مراتب التدهور اليوم من خلال ما نراه من نتائج وخيمة على كافة الأصعدة بعد ما عُرف بموجة الربيع العربي، وبخاصة على صعيد التفكك الحاصل في أكثر من دولة عربية، وبروز أكثر أشكال التطرف بها في رمزيةداعشوما شابهها من جماعات تتسم بالغلو في كل شيء، هذه الحالة التي فاقت في تدهورها مرحلة ما بعد استعادة الاستقلال لأكثر من دولة، بلا شك ستكون التحدي الذي سيعيدنا إلى مرحلة صوغ البدائل القادرة على الدفع بنا نحو الخروج من محور البقاء إلى آفاق أرحب وأوسع حتى من محور القوة.

وهذا يستلزم إعادة النظر في علاقاتنا الإفريقية العربية الآسيوية، إعادة بناء حركة آفرو آسوية جديدة. التعاطي بفعالية مع القوى الصاعدة  في آسيا: تركيا، إيران، إندونيسيا، ماليزيا وإعادة ربط علاقات جديدة معها خارج نطاق النزاع المصطنع الذي يؤججه في الغالب محور البقاء، ثم ربط علاقة استراتيجية مع العملاق الآسيوي الصيني. وبلا شك سيبدو مثل هذا الاتجاه ملائما لإعادة إنتاجباندونغجديدة تكون فيها مكانة لدول إسلامية أخرى كباكستان ودول ذات ثقل اقتصادي وبشري معتبر كالهند التي كان لها باستمرار دورٌ ريادي في المحور الذي ننتمي إليه.

لعل هذا التصوّر هو الذي بإمكانه أن يعيد للجزائر دورها على الصعيد العالمي، وأن يُخرجنا من بديل العزلة الذي بدا اليوم وكأنه استنفد قدراته، إلى بديل الفعل الإيجابي الذي كان تاريخياً الأكثر تطابقا مع موروثنا التاريخي وحلمنا الكبير الذي به فقط نستطيع أن نبني قوتنا الداخلية وأن نخرج من حالة انتظار لقمة العيش يؤمّنها لنا الآخرون، إلى العمل مع حلفائنا الاستراتيجيين لنصنع عوامل القوة القادرة وحدها على تحصيننا مما يخطط لنا من انزلاقات وتقسيم وتهديد لوجودنا ذاته. أما دون ذلك، فإننا لن نخرج من حالة التفكير الضيق، وسنُقزِّم أنفسنا إلى درجة الانشطار. وتلك حالة مناقضة تماما لحلمنا الكبير ولتعاملنا بفعالية مع محور البقاء.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • صمادي سفيان

    أي هناك حلول مريرة يصعب على النخوة الجزائرية أخضها بسبب عثرات إيديولوجية سياسية عثرات تخطتها دول الخليج بإنتقادات الأضداد الإتحاد و بسبب العلاقات الموطودة التقليدية المبنية على مصلحة البقاء بخاتم سليمان دول العضمى الإتحاد الأوروبي وبالخصوص الولايات المتحدة الأمريكية ،الذي كان سابقا لرئي العام غير واضح صار اليوم على المباشر ،الجزائر بالحكمة يمكنها أن تغير إستراتجيتها المستقبلية و لو تضع قفزات اليد لتعامل مع أي دولة كانت فتعدد الشراكات هو تقسيم المخاطر ، هند برازيل إيران صين ماليزيا ...كيف بزغوا ؟

  • صمادي سفيان

    كوريا الشمالية اتبعت العزلة و الإنغلاق أو أقول لحصار فكوبيا انفتحت في وقت البقاء للأقوة و أزمة إقتصادية و تعاملاتها مع أي دولة إلى بموافقة البيت الأبيض و كوريا الشمالية ليونا هذا لا نسمع عنها سوى إطلاق صواريخةكتجارب باليستية أو ...، فالندرس هذه الحالتين و نقابله بما تفعله الجزائر ، أي تنوع شراكاتها و تعاملاتها بكل المحاور دون المساس لسيادتها ، ماو أسس أكثر من مائة إذاعة لصوت الصين بكل اللغات ...هل أكادميات اللغات مثلا مستعدة لتكوين جيل من المترجمين دون استثناء لغة منطلق الحضرات من الصفر أستاذ

  • صمادي سفيان

    حيث الصين المحال صار محالا بفضل بصيرة ماو المستقبلية ، كان لنا كل شيئ فأسأنا التصرف بسبب الإختلافات الباطنية الغير المعلنة و التصفيقات الوهمية بمصافحة شكلية ، و لا ننسى دور الأساتذة و الدكاترة الذين أسسو مركز البحوث الإقتصادية الجزائرية من أمثال الراحل بن حمودة و ما آلت إليها بحوثهم و تصنيفاتهم ، أي كانت هناك إرادة لكن الأضداد متنوعة ، حال اليوم هو انحلت و تفككت التحالفات و التكتلات و بزغت قوة إنفرادية بتحكم إقتصادي سياسي كبير ، إما اتباع سياسة العزلة و الإنغلاق لكن لكم من الوقت كوبا و كوريا ش..

  • صمادي سفيان

    مالك بن نبي رحمه اللَّه عاش في وقت أين نضرياته كان من واجب الحكومات ما قبل تسعينيات الأخذ بها كيف و الصهاينة درسوها بجد في جامعاتهم و ترجمت إلى لغات متعددة في وقت كان هناك ريادة جزائرية في كل الإتجاهات عضويتها القوية في محور عدم الإنحياز الأوبك ، الإتحاد الإفريقي ، و كان هناك حليف قوي الإتحاد السوفياتي ، بن نبي حينها كان يحث على تأسيس بنك المواد الأولية و إنطلاق الحضاري من الصفر و أعطى أمثلة عن ألمانيا ، لكن كان موجبا ثورة ثقافية مثلما قام بها ماو في الصين و نرى اليوم نتائجها الإجابية ، ..يتبع

  • الدكتور محمد مراح

    مقال يدعو إلى إحياء فكرة الإفريقية الأسيوية ؛ يجدد فيه الدكتور قلالة النظرة الاستراتيجية التي رسمها مالك بن نبي لهذا المحور ، ومستقبل العالم الإسلامي ضمنه ، في مواجهة (محور القوة ) كما سماه .
    و مما يمنح إعادة إحياء الفكرة أهميتها وحيويتها ، أن الدول المركزية الآسيوية بالطبع ضمن هذا المحور قد أقلعت حضاريا كالهند ، واصطفت ضمن الكبار تكنولوجيا ، وذريا . كما تسير بعض الدول الإسلامية في الإتجاه نفسه ، وهو عامل إيجابي يخدم الفكرة لو وجدت إهتماما مجددا بها .

  • حوار

    اضيف عن الجرائد /
    ومادا عن عاصفة نسيان العمل الجدي .....وجرائدنا فيها تبويب عشوائي منها باب للاساطير . متى الاستدراك لادراج باب الشؤون الاجتماعية ..لانه نصف الحياة العامة .

  • مواطن

    لا أوفقك الرأي اليوم لأن قوة أي بلد تكمن في إمكانياته الداخلية البشرية والاقتصادية أما سياسته الخارجية فهي وسيلة لتصدير منتجاته الصناعية والفكرية.ولإقامة تلك الثروة يجب بناء دولة تعتمد على طاقتها البشرية.بدون تعليم متطور وفق الأسس العلمية الحديثة المعتمدة على التنافس الفكري والتكنلوجي لا يمكن ظهور أية علامة للخروج من التخلف الذي يفرضه علينا نظامنا القمعي والطبقة الإقطاعية المبنية على الابتزاز.إن مشكلتنا الكبرى هي منظومتنا التربوية المتخلفة وسياسة بلدنا الباعثة على الجهالة.انظروا إلى أحوالنا...