-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الخطاب الرسمي.. وسؤال متى ينتهي غضب الرئيس؟

أ.د بوحنية قوي
  • 965
  • 0
الخطاب الرسمي.. وسؤال متى ينتهي غضب الرئيس؟

كنا قد تناولنا في الجزء الأول الظروف التي تسلم فيها الرئيس عبد المجيد تبون مقاليد السلطة وتبنيه خطابا سياسيا جديدا بمفردات جديدة. واليوم نقف عند العلاقة بين خطاب الرئيس والشارع السياسي والمجتمع المدني.

غضب الرئيس.. الإشكالية

لعل مسألة غضب الرئيس مسألة تنطوي على إشكالية إحراجية، فالرئيس هو أعلى سلطة في البلاد (1) وهو رئيس السلطة التنفيذية، وهو أحد ضحايا النظام السابق القائم على التزاوج بين الاولجارشيا السياسية والاقتصادية، فكيف يستصرخ ولمن يستصرخ؟

إن الإشكالية السابقة تجعلنا أمام مقاربتين تكامليتين، إما أن بقايا القوى غير الدستورية لا تزال تفتك بالجسد السياسي الجزائري وتنتظر الفرصة السانحة لتنقضَّ على مسار يحاول تبون رسمه وهي ما يُسمَّى في الأدبيات الانجلوسكسونية “الدولة العميقة”، أو أننا أمام جهاز بيرقراطي تكنوقراطي تعايش مع النظام السابق وهو يقاوم بأذرع خفية بعضها مالي وبعضها قانوني وإجرائي، وهنا مكمن الخطر.

ومكمن التحدي أمام الرئيس يتمثل في إعداد آليات تنظيف مختلف الأجهزة التنفيذية في مختلف الوزارات والدوائر الحكومية، فهذه الوزارات هي من عطّل ملف الاستثمار والاستيراد وهي من يغفل القدرة الشرائية، وهذا التيار ليس من مصلحته مسايرة نظام الرقمنة الذي يقوم على درجة عالية من المكاشفة والإفصاح والشفافية، وإلا كيف نفسر تحكم اللوبيات في أسعار السلع الواسعة الاستهلاك وتذبذب هذه الأسعار رغم أن العقوبات الجديدة لتجريم المضاربة والتلاعب بالأسعار تضاهي وتقارب عقوبات الأفعال الناجمة عن الإرهاب؟

ويحتاج الرئيس تبون إلى قطيعة مع الإجراءات المالية السابقة خاصة المنظومة البنكية السابقة وتدفق الانترنت (2) وخاصة أن المرحلة الحالية في حاجة إلى تجاوز الهيئات المالية التي تحاول لعب دور الوصاية، ويبدو أن الرئيس يشير إلى هيئات موازية دون الإفصاح عنها في انتظار ردعها بآليات يصعب تجاوزُها مستقبلا.

ولقد راهن الكثيرون على أن الجزائر لا تملك مقومات استرجاع الأموال المنهوبة، لكنَّ الجهاز القضائي تحرَّك وقد أسعفته الظروف الدولية وحاجة الغرب حاليا إلى الجزائر، إنه الغرب الذي تواطأ مع عصابات المال ومافيا الأعمال يجد نفسه في مواجهة أخلاقية مع الضمير العالمي ومع حاجته للغاز الجزائري، وبهذا الصدد أشادت السلطة الرسمية بتعاون الهيئات القضائية الدولية والإقليمية في استرجاع الأموال.

لقد أصبحت الدولة الجزائرية محكومة بشعار الحكم الرشيد والديمقراطية التشاركية التي تستهدف ترسيخ الحكامة المحلية، ولن يتأتى ذلك إلا بإعادة صياغة قانون الجماعات المحلية والإقليمية وتحويل البلديات والولايات إلى مجالات إقليمية مولِّدة للدخل والقيمة المضافة وتغيير عقليات المنتخبين من التسيير الكلاسيكي إلى التسيير العمومي الجديد القائم على المقاولاتية وفتح المجال للاستشارة إلى مكاتب الخبرة التقنية؛ إذ تنتقل من عبء على ميزانية الدولة إلى رافد استراتيجي وشريك في إنتاج الوظائف والثروة، لذلك دعا الرئيس إلى إعادة صياغة قانون الجماعات المحلية بشكل كلي وليس مجرد تعديل شكلاني.

لقد تأسست وضعية التبعية والدونية بالنسبة للجماعات المحلية في الماضي على فكرة ذات مرجعية قديمة تقول بضرورة تمثل وتنظيم سلطة الدولة على أساس الوحدة والتركيز وهو ما أفرز عقلية خلَّفت علاقة مغلوطة ومتناقضة بين الحرية والتنمية مفادها إعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية على اعتبار أن الحرية السياسية معَطّلا لهما فكانت للأسف نظرة وتجربة أمنية مفلسة أثبتت أن كبح الحرية في البداية ومصادرتها في النهاية كانا من أهم عوائق التنمية. (3)

إعادة هندسة راديكالية

يبدو أنّ التغيير في الجزائر عن طريق المقاربة الاقتصادية هو السيناريو الأرجح حاليا؛ فالشباب ينخرط بفعالية في تشكيل المؤسسات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وحاضنات الأعمال في ظل تشجيع القوانين على ذلك، بل أن الجامعة الجزائرية أضحت ملزَمة في بعض التخصصات بربط التخرج بتكوين مؤسسة ناشئة، وهذا التفكير على المدى المتوسط والاستراتيجي يتطلب درجة عالية من الشفافية لأن رأس المال جبان كما يقول علماء الاقتصاد السياسي، ولاشك أن البيئة الجاذبة للاستثمار مهمة جدا وترتبط بدورها بالبيئة الأمنية والمستقرة، وهنا لا يمكن أن نرى الوجوه المعتمة فقط من المسار فالنقاط المضيئة كثيرة عقب سنوات عجاب، وهناك ديناميكية تعرفها المؤسسة التشريعية؛ إذ لأول مرة يناقش بيان السياسة العامة بطرح أسئلة شفوية في العمق على الوزير الأول، ولأول مرة نشاهد أن هناك دبلوماسية برلمانية تساهم في تشبيك العلاقات بين المجموعات البرلمانية الجزائرية ونظيراتها من الدول الشقيقة والصديقة، وهذا ملمح لا يمكن إغفاله.

إن السيرورة القضائية مُهمّة في المسار السياسي الجزائري، وهذا مطلبٌ ملحّ، غير أن مسارات دستورية تم استكمالها بفعالية ومنها تأسيس المحكمة الدستورية وفق رؤية لا تخضع لمنطق الكوطة السياسية كما كانت في تجربة المجلس الدستوري وتأسيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والوقاية خطوة بالاتجاه السليم وأول الغيث قطرة كما يقال، لكن ما يمكن إغفاله أن الجزائر لا يمكن أن تعود إلى الوراء في ظل ثقافة شديدة تكسر جميع المسلَّمات التقليدية الكلاسيكية ولا تعترف بالحدود والشخوص والطابوهات، وهو ما جعل الجميع تحت تليسكوب المراقبة الشعبية ابتداء من رأس السلطة التنفيذية وصولا إلى المجالس المحلية المنتخَبة وما يرتبط بها من أجهزة إدارية وتنفيذية داعمة.

نحتاج في الوقت الحالي إلى إعادة صياغة قوانين جديدة لقوانين كنَّا نعتبرها في الماضي قوانين إصلاحية ليظهر لنا مع سيرورة الوقت خواؤها وهزالها، ومنها قانون الجمعيات وقانون الأحزاب وقانون الإعلام وما يسمى أيضا قوانين تكافؤ الفرص أو التمييز الإيجابي بالإضافة إلى تعديل كلي لقانون مكافحة الفساد، هذا الأخير الذي يلجأ إلى التجنيح بدل التجريم نظرا لتفصيله على مقاس العصابة وغيرها من القوانين ذات الصلة بالحقوق المدنية والسياسية لأن هذه المقاربة هي التي تكرس ثقافة الديمقراطية وهي الرهان الذي تحتاجه الجزائر حاليا، “فلا ديمقراطية دون ثقافة ديمقراطية ونخب ديمقراطية”. (4)

إن الثقافة الجديدة كما يراها عالم الاجتماع منصف الوناس سواء أكانت ثقافة عامة أو سياسية هي جهدٌ جماعي تنهض به النخب والأحزاب الوطنية والجمعيات والمنظمات غير الحكومية إذ أنّ هذا الرهان الحالي والآجل لا يقل أهمية عن رهان التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فالديمقراطية ثقافة، فإذا ما انتفت ثقافتها انتفت هي أيضا.

ولا يمكن التعويل على التهريج في إظهار الحقائق والتخفيف من معاناة المواطنين، وقد حذر تبون الولاة من حركات آلان دونو الاستعراضية والتهريج بحثا عن نجومية باهتة، وهنا يمكن أن نقتبس من كتاب الباحث الان دونو نظام التفاهة وهو يصف هذه الحالة قائلا إن التظاهر بالعمل لا يتطلب سوى نتيجة ظاهرية أو بالأحرى محض إمكانية لتبرير الوقت المنقضي، فالتحقق من النتائج وتقييمها إنما يتم من قبل أشخاص متورطين في التظاهر مرتبطين به وذوي مصلحة في استمراره. (5)

ولا شك أن هذا الملمح خطير إذا لم تعقبه نتائج عملية تنعكس إيجابا على حياة المواطن، إذ لم يمكن أن الجزائر تسعى للمحافظة على هويتها الاقتصادية والمتمثلة في لعب دور دولة الرعاية الاجتماعية والمحافظة على الطابع الاجتماعي للدولة.

ملاحظة ختامية وهي أن من يريد تغيير الواقع بكل تفاصيله دون أن يمتلك أدوات التغيير سيعود خالي الوفاض، لذلك كان التخوف الكبير من ديكتاتورية الشارع ولغة التخوين وكنا في الجزائر أمام فريقين: من يملك المبادرة في الاقتراح وأدوات التغيير، ومن يمتلك خيار الإلغاء والتصفية تحت شعار “يتنحاو قاع” دون تقديم نواة صلبة قادرة على التضحية والمفاوضة بين الخيارين كان لابد من اختيار المقاربة التي يجب حتى لا تنهار الدولة، إذ أن إسقاط النظام عملية سهلة لكن بناء الدولة عملية عويصة، وهنا يمكن استحضار السوسيولوجي عبد الله العروي في دراسته عن الدولة بقوله كل من أراد إسقاط الدولة بغير منطق الدولة لا محالة منكسر دون مطمحه. (6)

النمط التواصلي الجديد

يبدو أن الرئيس عبد المجيد تبون استحدث نمط تواصليا جديدا Rhétorique وهو أسلوبٌ يجمع بين إستراتيجية الدفع بالمواجهة، وهي مقاربة تجمع بين عدة استراتيجيات، منها القطع مع القواعد الروتينية التي يقوم عليها الاتصال السياسي منذ عشرات السنين، ويتناسب هذا الأسلوب مع إستراتيجية القطع مع النخب الميكيافيلية وأساليبها (7)، وهذا الأسلوب للرئيس يهدف إلى تمييز الفاعل عن النخب السياسية كلها بخطاب سياسي وبأسلوب جديد.

لقد مكن الرئيس من تشكيل طيف سياسي غاضب معه، أغلبه من البرلمانيين سلطة ومعارضة ناهيك عن شرائح واسعة من الشعب وكأنّ لسانها يقول بلغة واحدة: ساعدوا الرئيس أو انسحبوا من المشهد. وهذا النوع من النقاش المحتد أصبح المواطن في الجزائر يسمعه في نقاش أحيانا يصل إلى الصدام بين النواب وبعض الوزراء في الطاقم الحكومي.

أصبحت الدولة الجزائرية محكومة بشعار الحكم الرشيد والديمقراطية التشاركية التي تستهدف ترسيخ الحكامة المحلية، ولن يتأتى ذلك إلا بإعادة صياغة قانون الجماعات المحلية والإقليمية وتحويل البلديات والولايات إلى مجالات إقليمية مولِّدة للدخل والقيمة المضافة وتغيير عقليات المنتخبين من التسيير الكلاسيكي إلى التسيير العمومي الجديد القائم على المقاولاتية وفتح المجال للاستشارة إلى مكاتب الخبرة التقنية؛ إذ تنتقل من عبء على ميزانية الدولة إلى رافد استراتيجي وشريك في إنتاج الوظائف والثروة.

وصفوة القول إن هندسة الخروج الآمن تتطلب تشبيك جهود الجميع دون إقصاء، ويبدو رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الرجل الذي يتحرك في الاتجاهات سيتمكن منذلك في حالة تظافر الجميع والتفاف الجميع حول مشروع خروج مجتمعي يسمِّيه الرئيس نفسه “الجزائر الجديدة” القوية، غير أنه ومن خلال التجارب الميدانية فإن الدولة القوية والديمقراطية صنوان وعندما تضعف الدولة فإن أول ضحاياها هي الديمقراطية، وهذا للأسف ما تتغافله وتتناساه الديمقراطية التي ترى باتجاه واحد ديمقراطية اللون الواحد.

ويبدو المتابع للشأن الجزائري أنه أمام لغة جديدة سياسية جديدة تتبناها مؤسسة الرئاسة، وأمام حراك جمعوي جديد ليس خارجا من رحم السلطة وإنما يخرج تباعا من ارهاصات الشارع وأوجاعه وانشغالاته. والتعويل كبير على إعادة هيكلته بشأن يحوِّل نسبة الشباب إلى طاقة خلاقة تعمل في المدى المنظور على عملية بناء القدرات والإعداد لقيادات جديدة، لكن صوت النقد البنّاء يجب أن لا يهدأ ولا يستكين لأنه لا قوة لأي نظام سياسي إلا في قوة إعلامه ومعارضته وجمعياته واقتصاده.

نحتاج في الوقت الحالي إلى إعادة صياغة قوانين جديدة لقوانين كنَّا نعتبرها في الماضي قوانين إصلاحية ليظهر لنا مع سيرورة الوقت خواؤها وهزالها، ومنها قانون الجمعيات وقانون الأحزاب وقانون الإعلام وما يسمى أيضا قوانين تكافؤ الفرص أو التمييز الإيجابي بالإضافة إلى تعديل كلي لقانون مكافحة الفساد، هذا الأخير الذي يلجأ إلى التجنيح بدل التجريم نظرا لتفصيله على مقاس العصابة وغيرها من القوانين ذات الصلة بالحقوق المدنية والسياسية.

لقد فرض الرئيس تبون منطقا جديدا في تعاطي الإعلاميين ووسائل التواصل معه، فحتى أولئك الفاشلون من المسؤولين والذين كانوا يدبجون كلامهم بتسمية “فخامة الرئيس” كنوع من فاتحة الكتاب يجدون أنفسهم مع مرور الوقت في الزاوية الضيقة، فلا شرعية إلا شرعية الإنجاز والبقاء.

سيتنفس المجتمع الجزائري الصعداء ويملأ رئتيه من الهواء النقي عند غياب الفساد بشكل نهائي وإعادة هيكلة منظومة الحياة الحزبية وتحسين القدرة الشرائية بشكل ينسجم مع حجم الإنتاج المحلي في الجزائر.

الجزائر التي تفرض نفسها بهدوء في النقاش السياسي الدولي وفي الهيكلية الجديدة، هي الآن أمام محطات مفصلية، لكن هذه المحطات لا تبنيها مؤسسة الرئاسة بمفردها بل تتظافر في العملية جميع الهيئات والتشكيلات والسلطات.

الهوامش

(1) ترتبط المواد بسلطات رئيس الجمهورية من المادة 84 إلى المادة 102 وهي سلطات جوهرية ترتبط بحالات السلم والحرب والتعيينات.

(2) لأول مرة يتجاوز معدل انتشار الانترنت معدل متوسط المواطنين الذين يتصلون بالانترنت مقارنة بمجموع السكان سقف 60 بالمائة وهو ما يمثل زيادة تفوق 7,3 بالمائة مقارنة بسنة 2021- تقرير تحليل النشاط الرقمي دراسة تحليلية لتقرير الجزائر الرقمي 2022 أبريل 2022.

(3) محمد العجمي، القانون التأسيسي المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية تغيير مراكز السلطة أم تركيز سلطة التغيير؟، أحمد السوسي، في الثورة والانتقال والتأسيس، منشورات مجمع الأطرش للكتاب تونس، 2013 ص 185 بتصرف بسيط.

(4) المنصف وناس الشخصية التونسية محاولة في فهم الشخصية العربية الدار المتوسطة للنشر 2011 تونس ص 295.

(5) الان دونو نظام التفاهة ترجمة وتعليق مشاعل عبد العزيز الهاجري 2019 دار سؤال بيروت لبنان ص79

(6) محمد جابر الأنصاري العرب والسياسة أين الخلل؟ جذر العطل العميق دار الساقي بيروت ط 1998

(7) حول الأسلوب الاتصالي وعلاقتها، الإطار التبسيطي والصدامي والشعبوي، يطالع الدراسة المتميزة للباحث التونسي الصادق الحمامي، ديمقراطية مشهدية الميديا والاتصال والسياسة في تونس، دار محمد علي للنشر 2022 ص 193 وما بعدها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!