الديمقراطية التي تخيفنا.. والبديل الذي نحتاجه!
بين أن نُواصل بناء الديمقراطية بالطريقة السائدة في محيطنا المباشر وغير المباشر ونتحمل ما نَتج عنها من نتائج كانت في معظمها سلبية مثل ما يتحملها غيرنا اليوم، أو أن نرفض هذا البناء ونعود إلى سابق الحكم الأحادي بمساحيق ديمقراطية ونقبل مجددا ما سيترتب عن ذلك من نتائج كانت هي الأخرى في معظمها سلبية، أو أن نَبحث عن صيغ جديدة للممارسة السياسية تكون توافقية بين الجميع ليست بالديمقراطية على الطريقة المُصَدَّرة لنا ولا بالاستبداد والأحادية المعروفين عندنا… تلك هي البدائل التي يبدو أنه علينا أن نختار بينها اليوم وقد تعاظمت التهديدات من حولنا وأصبحت الديمقراطية محل سؤال في أكثر من بلد انتقلت إليه، فهل مازالت أمامنا فرصة للاختيار؟
هل الشعوب غير الأوروبية غير متوافقة بطبيعتها مع الديمقراطية؟ أم أن الشكل الديمقراطي الذي سعى الغرب لفرضه على هذه الشعوب هو الذي منعها من استيعابه وأفرز ردود فعل رافضة له تجلت في مظاهر سالبة على خلاف ما كان ينبغي أن يكون؟ أم أن هذه الشعوب ـ وبخاصة المرتبطة بالدائرة الإسلامية ـ في حاجة إلى نمط سياسي مغاير لما هو مطروح اليوم، كان عليها أن تبتكره ولم تتمكن من ذلك، بل ومُنعت في أكثر من مرة من محاولة ذلك؟
أسئلة تطرح نفسها اليوم بقوة نتيجة ما نرى من ترابط عضوي بين ما عرفناه من تزامن مريب بين موجات الديمقراطية والعنف والإرهاب والحرب الأهلية.. فحيثما حلت الديمقراطية حل الإرهاب والعنف والاقتتال والتطرف والجماعات المسلحة؟ هل ذلك محض صدفة؟ أم انه التعبير الوحيد المتبقي للقوى الرافضة للتغيير؟ أم أنه المطلوب ابتداء من الديمقراطية، خلق الفوضى اللازمة لصناعة مجتمعات أخرى تكون مُهيأة للاندماج في ما يعرف بحظيرة الأمم المتمدينة ـ المنتمية للغرب كحضارة بتعبير أدق؟ أم أنه الرد الطبيعي من مجتمعات غير غربية تبحث عن صناعةِ بديلها بنفسها؟
أكثر من سؤال يُطرح بحق في هذا المجال حينما نقارن بين التكيف السريع وقليل التكاليف مع الديمقراطية في أوروبا الشرقية، حيث كان الحكم المركزي وأحيانا الدكتاتوريات سائدة، وتلك الردود الدموية في بلداننا ـ من العراق إلى سورية إلى اليمن إلى مصر وليبيا وأخيرا تونس ـ والجزائر قبل هذه الدول في العشرية السوداء، نتيجة أول تعاطي مع الديمقراطية ومع الانفتاح السياسي…
وتزيد الأسئلة إلحاحا حينما نرى أنفسنا اليوم وبعد أكثر من ربع قرن من قدوم هذا الوافد الجديد، نكاد نعود إلى نقطة البداية في شكل تهديدات تحيط بنا خارجيا وتحاول المساس بوحدتنا وأمننا داخليا. هل نحن اليوم أمام آلية جديدة من الآليات المرافِقَة للحلول الديمقراطية، التهديد بالخارج إذا ما تمكن الداخل من الصمود أو نجح في مواجهة العنف الداخلي؟ يبدو أننا بحق نعيش حالة ضاغطة تستدعي مِنا تفكيرا أعمق أكثر لإيجاد بديل للحكم من شأنه أن يمكننا من تجنب الوقوع في الفخاخ الكثيرة المنصوبة حولنا وقبل ذلك التحكم في مصيرنا بأيدينا بعيدا عن حسابات القوى الغربية واستراتيجياتها في المنطقة.
وهنا نحن اليوم أمام البدائل الثلاث التي ذكرناها آنفا:
ـ إما إبقاء الوضع مفتوحا لكافة القوى تتحرك كما تشاءـ باسم مواصلة المسار الديمقراطي ـ وانتظار ما سيسفر عنه مثل هكذا حراك من تداعيات، ثم التكيف معها وفق التطورات الميدانية إما سلبا أو إيجابا.
ـ أو العودة إلى حكم مركزي قوي بتعددية سياسية في الحدود الدنيا في انتظار الانتقال إلى نموذج سياسي متميز يُصنع بالتدريج…
ـ أو إيجاد صيغ توافقية بين جميع القوى السياسية حول مشروع رؤية شاملة للبلاد تقوم على اتفاقات واضحة حول كيفية ممارسة السياسة في الميدان ـ بمختلف مكونات هذا الميدان ـ تبدأ بتطهير الميدان السياسي من جميع أنواع الزيف المتراكم حوله جراء عقود من الزمن وتنتهي بوضع الأسس المتينة لبناء جزائر الغد المنسجمة والقادرة على أن تتحول إلى قوة صاعدة في العقد القادم.
ـ البديل الأول من شأنه أن يترك الممارسة السياسية تبدو وكأنها تسير على الطريق الصحيح ـ نحو الانتقال إلى النموذج الديمقراطي على الطريقة الغربية ـ وهي في الواقع تسير نحو مزيد من التقوقع ضمن ثقافة الانقسام والتشتت المؤدية في الغالب نحو مزيد من الانهيار، وهو ما يبدو جليا في تلك الظاهرة الانشطارية بين القوى السياسية التي يكاد يصبح من اللازمة لها أنها تجتمع اليوم لتفترق غدا أو لتنشق على بعضها البعض بعد حين. يكفي ما نراه من خلاف بين أكبر حزبين مواليين للسلطة (حزب جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي) بشأن لقاء يوم 30 مارس 2016، كما يكفي ما نراه من اعتذار هذا أو ذاك عن الحضور في لقاء المعارضة في نفس اليوم (جبهة القوى الاشتراكية، رئيس الحكومة السابق مولود حمروش) لنعرف أن الممارسة السياسية خارج نطاق رؤية واضحة لمستقبل البلاد لن تتمكن
من الرّسو على قاعد صلبة، بل ستُكرس باستمرار ثقافة الانقسام وتمنع من تشكل معنى موحد للمصالح العليا للدولة التي هي فوق الجميع.
حيثما حلت الديمقراطية حل الإرهاب والعنف والاقتتال والتطرف والجماعات المسلحة؟ هل ذلك محض صدفة؟ أم انه التعبير الوحيد المتبقي للقوى الرافضة للتغيير؟ أم أنه المطلوب ابتداء من الديمقراطية، خلق الفوضى اللازمة لصناعة مجتمعات أخرى تكون مُهيأة للاندماج في ما يعرف بحظيرة الأمم المتمدينة ـ المنتمية للغرب كحضارة بتعبير أدق؟
ـ أما البديل الثاني فإنه يبدو للوهلة الأولى مناسبا لحال بلد مثل بلدنا تتقاطع نحوها الكثير من التهديدات، إلا أن النظر إليه على المدى البعيد يدرك أنه سيكون رد فعل لظرف مرحلي وليس استباقا لما ستعرف البلاد والعالم من تطورات. فالقوى العالمية الكبرى لن تقبل بالعودة مرة أخرى للحكم الواحد، بل وتعتبره تهديدا لمصالحها، ومنشئا لحالات أخرى مثل ـ كوريا الشمالية ـ والقوى الداخلية التي سيكون بيدها القرار لن تجد القوى المضادة التي تصحح مسارها ومن ثم ستسير باتجاه العودة إلى مرحلة الرأي الواحد، وإلى منطق من ليس معي هو ضدي، المدخل لكل حال استبداد وقهر وإقصاء نحن في غنى عنها جميعا.
ـ أما البديل الثالث فهو الذي ينبغي أن يناقش بإمعان وقوامه ثلاث ركائز أساسية إذا أردناه أن يتحقق:
1ـ الأولى أن يتم التوافق حول رؤية وطنية شاملة لمستقبل البلاد تمتد للخمسين سنة القادمة تبرز تصورنا لطبيعة الدولة ومؤسساتها وتوضح أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية، ومجال الهُوية الوطنية، وما الذي نريد أن نفعله بالإقليم الجزائري، وكيف ينبغي علينا أن نصوغ علاقاتنا الدولية…
2ـ الركيزة الثانية أن تتم حماية هذه الرؤية دستوريا لتصبح فوق الجميع.
3ـ الركيزة الثالثة أن يتم التنافس ضمن هذه الرؤية بين القوى السياسية لاختيار أفضل الرجال والنساء القادرين على مرافقتها عند التطبيق، وسيكون الاختلاف بين هذه القوى ليس حول الأهداف الكبرى إنما حول آليات ووسائل التطبيق والموارد التي ستخصص لذلك، والتقييم الذي ينبغي أن يتم بين المرحل والأخرى… الخ.
بهذا، يمكننا أن نتجاوز بسلام مرحلة التهديدات الحالية، دون أن نقع في منطق ردود الفعل وننسى بناء المستقبل ونحن نحرص على الحفاظ على الحاضر.