-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الشيعة والحوار الغائب(3)

عدة فلاحي
  • 2565
  • 0
الشيعة والحوار الغائب(3)

مما لا شك فيه أن الدساتير والقوانين الحديثة قد تجاوزت الأحادية في الرأي والتفكير بل وحتى في المعتقد وأغلب المفكرين والسياسيين يرون أن ذلك لا يتحقق إلا في ظل دولة مدنية علمانية لا تناصب العداء للدين ولكن البعض الآخر يرى غير ذلك وهو أن الخلافة الإسلامية قد سمحت بذلك ولم تكن هناك ملاحقات او مضايقات إلا لأسباب تتعلق بالحكم والتنازع على السلطة..

 لقد تواجد أهل الكتاب من مسيحيين ويهود حتى في بعض المناصب في الدولة كما وأنهم وأجروا مناظرات عقائدية مع الأئمة المسلمين بكل حرية حتى في الممارسة لدرجة أن الشاعر الأخطل قد لقب بذي الصليب لنصرانيه وحمله لصليب بحجب كبير على ظهره يجره سيرا بالطرقات حينما يكون مخمورا، ولم يتوقف الأمر عند جدال أهل الكتاب وفقط وإنما شوهدت حالات عديدة من الإلحاد يمكن الرجوع إليها بالتفصيل للدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه “من تاريخ الإلحاد في الإسلام”، بل ولم يعرف شعر الخمريات والغلمان بالجاهلية وإنما ظهر وشاع في زمن الخلافة بداية من عهد بنوا أمية إلى أن وصلت رحلة “الخروج عن النص” بالأندلس التي ازدهرت بها  الموشحات والطرب الذي أبدع فيه كل من زرياب وابن زيدون ، هذا الأخير الذي قال فيه أمير الشعراء أحمد شوقي (أنت في القول كله _ أجمل الناس مذهبا) بأبي أنت هيكلا _ من فنون مركبا ( شاعرا أم مصورا_كنت أم كنت مطربا) ترسل اللحن كله _ مبدعا فيه معربا ( أحسن الناس هاتفا _ بالغواني مشببا)، هل يمكن القول بأن السلطة الدينية منعت انتشار الفنون والمعارف بالعكس السلطة الدينية نفسها أكلت بعضها بعضا في بعض الفصول التاريخية لدوافع ودواع سياسية تحت نظام حكم كانت في يوم ما شريعة حكمه الإسلام ولم يكن يسمع بعد بالقوانين الوضعية التي نعارضها كلها.

  لا يمكن الحكم على من يمارس حقه في الكتابة على أنه إما عميل للسلطان أو للشيطان، فالتثاقف قائم على الاشتباك الفكري وطرح الإشكاليات وعرض الرأي من وجهة نظر وزاوية مختلفة ليس بالضرورة يتفق حولها جميع الناس فهذه غاية لا يدركها حتى الأنبياء والرسل، وعلى حد قول الأديب محمود العقاد فإن الحياة لا تبحث عن اللذة أكثر مما تبحث عن الألم وربما كان الطالبون للذة القانعون بها هم أقل الناس نصيبا من دوافع الحياة، وبالتالي يجب أن يعلم الذين يظنون أنني أتحامل عليهم بكتاباتي لغاية غير شريفة وفي مقدمتهم السلفيين الذين لهم كل قلبي وليس كل عقلي بأنهم لا يجب أن يهدئوا مطمئنين للأفكار والمعتقدات التي يبشرون بها وإلا كان نصيبهم من دوافع الحياة قليل وإذا وقعوا في ذلك فليعلموا أن الخطر يتهددهم بعدما تقلصت المسافات بين الشعوب والأمم التي أوصى الله تعالى أن تتعارف فيما بينها للاستفادة من بعضها البعض وليس فرض الوصاية والرأي الواحد الذي سقطت منه القداسة في العصر الحديث بعد نضال مرير .

 إن الحيوية والديناميكية التي يتمتع بها النظام الشيعي الإيراني الذي لا نريد استنساخه في بلادنا كما لا نريد استنساخ الطبعة الوهابية التي يصدرها النظام السعودي المتخلف، تفرض علينا إعادة قراءة النظام الإيراني من جديد دون تعصب مذهبي أو سياسي أو علمي وهنا لا نتفق مع الشيخ فركوس حينما يقرر أنه لا طائل من الحوار مع أهل الشيعة الذين كفرهم وإلا حكم على نفسه وعلى أتباعه بالإقصاء من الجهات التي تعترض على وجوده وليثق كل الثقة أنني لست واحدا منهم وإذا انتقدته فلا يعني ذلك أنني أقلل من شأنه حاشا لله، فحينما ينفي وزير الشؤون الدينية والأوقاف ما أشيع أن هناك نشاطا شيعيا يمارس داخل الكشافة الإسلامية بفوج باتنة ويعلن بأن تشخيص الأمر كان مجانبا للصواب والحقيقة، فهذا يعني أن هناك حربا خفية ودعاية إعلامية تريد زرع الخوف في نفوس الجزائريين من التشيع وبالخصوص في الأوساط الشبانية داخل الكشافة والمدارس الرسمية والقرآنية، وهذه الحرب بالتأكيد هي لصالح السلفيين وبعض الطرقيين الذين لا يعترفون بفتوى العلامة محمود شلتوت شيخ الأزهر التي أجاز فيها التعبد بالمذهب الشيعي والذي يحسب لأتباعه بأنهم لم يغلقوا باب الاجتهاد مثل أهل السنة واستطاعوا التوفيق والتمايز بين السياسة والدين وهي المعضلة التي أخفقنا في حلها منذ أن طرحها الشيخ علي عبد الرازق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم” الذي يجب إحياءه ودراسته من جديد ولكن ليس على طريقة غلاة العلمانية ولا غلاة الإسلاميين الذين يزرعون الوهم واليأس في نفوس الناس.  

.      

* كاتب وبرلماني سابق

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!