الصحراء للقصْر والسلاح لإسرائيل والمجد لترامب…ماذا بقي للمغاربة؟!
المغرب الرسمي يقول إنه ينتصر. ينتصر في واشنطن، ويتقدم في باريس، ويراهن على مدريد، ويجمع المكاسب الدبلوماسية في ملف الصحراء، ويبني الموانئ والطرق والقطارات والملاعب، ويستعد لكأس العالم 2030. صورة براقة، تكاد توحي بأن المملكة وجدت أخيرا الوصفة السحرية للنجاح. لكن هناك طرفا يكاد يغيب عن الصورة: المواطن المغربي نفسه.
الأرقام الرسمية تفسد الحفل قليلا. ففي سنة 2025 بلغ معدل البطالة 13 بالمائة، ووصل بين الشباب من 15 إلى 24 سنة إلى 37.2 بالمائة، وبين حاملي الشهادات إلى 19.1 بالمائة، وبين النساء إلى 20.5 بالمائة، فيما بلغ عدد العاطلين نحو 1.621 مليون شخص. وتؤكد منظمة التعاون والتنمية والبنك الإفريقي للتنمية الأرقام نفسها استنادا إلى المندوبية السامية للتخطيط. [1] هذه ليست أرقام الجزائر، ولا البوليساريو، ولا «أعداء المملكة». إنها أرقام المؤسسات التي تراقب الاقتصاد المغربي نفسه. وللأرقام عيب مزعج: إنها لا تعرف كيف تصفق.
في ديسمبر 2020، اعترف دونالد ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، بالتزامن مع دخول الرباط مسار التطبيع مع إسرائيل. ثم عاد ترامب لاحقا ليؤكد أن واشنطن تعتبر المقترح المغربي للحكم الذاتي «الأساس الوحيد» لحل النزاع. [2] بالنسبة إلى الرباط، كان ذلك مكسبا دبلوماسيا كبيرا لا يمكن التقليل من شأنه. لكن السياسة لا تُقرأ بالتصفيق، بل بالسؤال القديم: من أخذ ماذا؟
المغرب أخذ الاعتراف الأمريكي. واشنطن أخذت شريكا أكثر اندماجا في هندستها الإقليمية واتفاقات أبراهام. أما إسرائيل، فلم تأخذ صورة تذكارية ولا سفارة فقط، بل علاقة أمنية وعسكرية أصبحت أكثر عمقا ومأسسة. ففي مطلع يناير 2026 انعقد في تل أبيب الاجتماع الثالث للجنة العسكرية المشتركة المغربية الإسرائيلية، وانتهى بتوقيع خطة عمل عسكرية مشتركة لسنة 2026 تشمل الحوار العسكري وتطوير القدرات والتعاون والتدريب. [3] وهذا يأتي بعد مذكرة التعاون الدفاعي الموقعة سنة 2021 وسنوات من صفقات الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية.
أي أن المسألة تجاوزت التطبيع الدبلوماسي إلى بناء علاقة استراتيجية مؤسساتية. وهذا مهم، لأن السفراء يمكن أن يعودوا إلى بيوتهم، والبيانات يمكن أن تتغير، أما الجيوش حين تبدأ في التدريب والتخطيط وربط القدرات والتكنولوجيا والصيانة، فإن العلاقة تدخل إلى أعصاب الدولة نفسها.
وليس الأمر هامشيا بالنسبة إلى إسرائيل. ففي 2025 بلغت صادراتها العسكرية رقما قياسيا قدره 19.2 مليار دولار، بزيادة تقارب 30 بالمائة في عام واحد، وفق وزارة الدفاع الإسرائيلية نفسها. [4] إسرائيل لا تصدر السلاح فقط؛ إنها تستخدم صناعة الدفاع أداة لبناء الشراكات والنفوذ. وزارة دفاعها قالت ذلك بوضوح في يونيو 2026 عندما وصفت توسيع الصادرات الدفاعية بأنه وسيلة لـ«تشكيل السياسة الخارجية» وتعزيز الاقتصاد والصناعة العسكرية الإسرائيلية. [5]
هنا يصبح السؤال مشروعا: من ربح أكثر على المدى الطويل؟ المغرب الذي حصل على موقف أمريكي بشأن الصحراء، أم إسرائيل التي حصلت على شريك عسكري في أقصى الغرب العربي، مقابل مضيق جبل طارق، وعلى بوابة الأطلسي وإفريقيا والساحل؟
المغرب حصل على اعتراف. وإسرائيل حصلت على موقع
وتزداد المفارقة قسوة أمام غزة. الشعب المغربي، مثل غالبية الشعوب العربية، ظل شديد التعاطف مع الفلسطينيين، بينما استمر المسار الأمني والعسكري للدولة مع إسرائيل. المواطن ينظر إلى أطفال غزة، والمؤسسة العسكرية تنظر إلى التكنولوجيا والتوازنات الاستراتيجية. وهكذا ولد أحد أغرب شعارات عصر التطبيع: القلب مع فلسطين… والعقيدة الأمنية تتجه نحو تل أبيب.
ثم يأتي ترامب، الرجل الذي يصعب معه أحيانا تحديد أين تنتهي الدبلوماسية وأين يبدأ الـBusiness. يجب هنا أن نكون دقيقين: لا يوجد دليل منشور يثبت أن ترامب أو شركاته تلقوا مقابلا ماليا شخصيا نظير الاعتراف بالصحراء، وأي ادعاء من هذا النوع دون وثائق يضعف النص بدل أن يقويه. لكن ما يمكن إثباته هو شيء آخر: ترامب حوّل القرار إلى رصيد سياسي شخصي، ويقدمه باستمرار باعتباره أحد إنجازاته. وهنا تصبح الدبلوماسية شبيهة بعالمه التجاري: قرار، صفقة، اسم، علامة، وربح سياسي.
ومشكلة ترامب أن «Trump» ليس مجرد اسم رئيس. إنه Brand عالمي أيضا. لذلك يصبح الفصل بين رأس المال الرمزي للرئيس ورأس المال الرمزي للعلامة أكثر صعوبة مما كان عليه مع معظم أسلافه. وهذا لا يثبت فسادا، لكنه يطرح سؤالا مشروعا عن نموذج دبلوماسي تتحول فيه السياسة الخارجية إلى سلسلة من الـDeals التي يستطيع صاحبها أن يقول بعدها: «أنا الذي فعلت ذلك».
في الأثناء، لا يمكن تغطية الشمس بغربال المغرب الاقتصادي: طنجة المتوسط، صناعة السيارات والطيران، الفوسفات، السياحة، الطاقات المتجددة والبنية التحتية. والاقتصاد المغربي سجل نموا قويا بلغ نحو 4.6 بالمائة في 2025. لكن منظمة التعاون والتنمية نفسها، وهي ليست جمعية ثورية، تلاحظ أن البطالة ظلت مرتفعة، خاصة بين الشباب والنساء. [1]
وهنا تظهر الفجوة بين المغرب الذي يُعرض والمغرب الذي يُعاش. المستثمر يرى المطار والميناء والقطار. المواطن يرى الأجر، والسكن، والمستشفى، والمدرسة وفرصة العمل. الأول يقرأ مؤشرات الاستثمار؛ والثاني يقرأ فاتورة آخر الشهر.
ثم جاءت سبتة في نهاية يوليو 2026، فانهار جزء من الديكور في ساعات. عشرات الآلاف حاولوا دخول الجيب الإسباني من المغرب. وقدرت وكالة «أسوشيتد برس» العدد بنحو 50 إلى 60 ألف شخص في موجة غير مسبوقة، بينما تحدثت «رويترز» عن نحو 50 ألف محاولة عبور خلال يومين وعن عشرات الضحايا. [6] وشهادات نقلتها «أسوشيتد برس» عن شبان مغاربة تحدثت بوضوح عن البحث عن فرصة وحياة أفضل، فيما ربط باحثون الظاهرة باليأس وضيق الفرص وانتشار الدعوات عبر شبكات التواصل. [7]
هذه الشهادات أهم من ألف خطاب
شاب في الحادية والعشرين يريد فرصة.
عامل موسمي يبحث عن أفق.
آلاف يتجمعون أمام أوروبا.
وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف يمكن لدولة توصف بأنها قصة نجاح إقليمية أن تنتج هذا القدر من الرغبة في الرحيل؟
يمكن مناقشة مسؤولية شبكات التهريب، والإشاعات، والمنصات الرقمية، والسياسات الإسبانية، والرقابة المغربية. ويمكن التحقيق في كل فرضية سياسية. لكن لا ينبغي اختراع ما لا نملك دليلا عليه. لا دليل قاطعا حتى الآن يسمح بالقول إن الرباط «نظمت» موجة سبتة. بالعكس، تحدثت تقارير عن مواجهات بين قوات الأمن المغربية ومجموعات حاولت الوصول إلى الحدود. [8]
لكن حقيقة واحدة لا تحتاج إلى نظرية مؤامرة: عشرات الآلاف كانوا مستعدين للمغامرة للوصول إلى أوروبا.
والمفارقة أكثر قسوة من أي افتتاحية صحفية: المغرب يطالب بسبتة… وبعض المغاربة يخاطرون بحياتهم للوصول إلى سبتة.
أما إسبانيا، فتجد نفسها أمام معادلة لا تحل بالشعارات. تحتاج المغرب في الهجرة والأمن والتجارة، وتحتاج الجزائر في الطاقة والتوازن المغاربي والمتوسطي. ومدريد تستطيع تغيير خطابها، لكن لا تستطيع تغيير الخريطة. أما أوروبا، التي تعشق كلمة «الاستقرار»، فعليها أن تفهم أن استقرار القصور ليس دائما استقرار المجتمعات. عندما يكون أكثر من ثلث الشباب في الفئة 15-24 سنة عاطلين، تصبح البطالة نفسها متغيرا جيوستراتيجيا، لا مجرد مشكلة اجتماعية.
وهنا السؤال الذي لا يحب كثيرون سماعه: من يربح من المغرب الجديد؟
القصر يربح الاعتراف والنفوذ والدبلوماسية. واشنطن تربح شريكا. إسرائيل تربح موقعا استراتيجيا وسوقا أمنية وعسكرية وعلاقة مؤسساتية. ترامب يربح قصة نجاح تحمل توقيعه. المستثمرون يربحون الفرص. أوروبا تربح شريكا ضروريا على بوابتها الجنوبية.
والمواطن المغربي؟
يربح في كثير من الأحيان حق التصفيق.
يطلب عملا، فيحدثونه عن الصحراء. يطلب مستشفى، فيشيرون إلى المشاريع الكبرى. يطلب مدرسة جيدة، فيحدثونه عن 2030. يسأل عن الغلاء، فيحدثونه عن الاستثمارات. يسأل عن المستقبل، فيطلبون منه المزيد من الصبر.
وأستعمل كلمة البؤساء هنا لا ازدراء للمغاربة، بل بالمعنى الذي جعل فيكتور هوغو من البؤساء ضمير المجتمع: أولئك الذين تنمو الدولة من حولهم أسرع مما تتحسن حياتهم. الشاب صاحب الشهادة الذي لا يجد عملا، والأم التي تنتظر العلاج، والعامل الهش، والفلاح الذي أنهكه الجفاف، والأسرة التي تحسب ثمن الغد، والشاب الذي ينظر إلى البحر فلا يراه منظرا بل مخرجا.
هؤلاء لا يملكون شركات ضغط في واشنطن، ولا منظومات دفاع، ولا صناديق استثمار.
لديهم شيء واحد يفترض أنه أغلى من كل ذلك:
المغرب.
كل الأنظمة تعرف وصفة الوطنية التعويضية. عندما يشتد السؤال الاجتماعي، تحدث عن الحدود. عندما يسأل المواطن عن الأجر، حدثه عن السيادة. عندما يطالب بحصته من الثروة، اطلب منه المزيد من الالتفاف حول الوطن.
لكن الوطنية، مهما كانت نبيلة، لا تدفع الإيجار. الإنسان لا يأكل الخريطة، ولا يعالج ابنه ببيان أمريكي، ولا يسدد فاتورته باعتراف دونالد ترامب. وفي نهاية الشهر، حتى أكثر الناس وطنية يلتقون بالحقيقة عند صندوق الدفع.
فلنحسبها إذن بلا زينة: القصر ربح معركة دبلوماسية، واشنطن ربحت حليفا، إسرائيل ربحت موقعا وشراكة عسكرية تتعمق، ترامب ربح انتصارا سياسيا يحمل اسمه، أوروبا اشترت بعض الوقت، والمستثمرون حصلوا على الفرص.
أما الشعب؟
فالسؤال هو: كم وصل إليه من الأرباح، وكم بقيت له من الفاتورة؟
الدول لا تصبح عظيمة لأن الآخرين يعترفون بخرائطها فقط. تصبح عظيمة عندما يرى أبناؤها مستقبلهم داخلها، لا خلف البحر. وعندما يصبح البحر بالنسبة إلى آلاف الشباب باب خروج، ينبغي التوقف قليلا عن عدّ الانتصارات.
قد تربح دولة واشنطن وباريس ومدريد وعشرات البيانات الدولية، لكنها إذا خسرت ثقة جيل كامل فقد خسرت المعركة الوحيدة التي لا يستطيع ترامب ولا إسرائيل ولا أوروبا أن يربحوها نيابة عنها.
المغرب للمغاربة.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي، بعد كل البيانات والصفقات والأسلحة والخرائط، ليس فقط:
من يعترف بسيادة المغرب؟
بل السؤال الأكثر إحراجا:
لماذا لا يشعر كل مغربي بأن هذه السيادة تعترف به أولا؟
المراجع الأساسية
[1] المندوبية السامية للتخطيط المغربية، بيانات سوق الشغل 2025؛ OECD Economic Outlook 2026؛ African Development Bank, Morocco Economic Outlook 2026.
[2] رسالة دونالد ترامب إلى الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش، كما نشرتها المصادر الرسمية المغربية؛ تأكيد الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية ودعم مقترح الحكم الذاتي باعتباره «الأساس الوحيد» للحل.
[3] الاجتماع الثالث للجنة العسكرية المشتركة المغربية-الإسرائيلية وخطة العمل العسكرية لسنة 2026، يناير 2026؛ إعلان الجيش الإسرائيلي وتقارير صحفية مغربية متقاطعة.
[4] Israel Ministry of Defense, All-Time Defense Export Record: Israel Crosses the $19 Billion Threshold, 2 June 2026.
[5] Israel Ministry of Defense, تصريحات حول توظيف صادرات الدفاع في توسيع الشراكات وتعزيز السياسة الخارجية والصناعة، 22 June 2026.
[6] Associated Press وReuters، تغطية أزمة سبتة، 30 يوليو–1 أوت 2026.
[7] Associated Press، شهادات مهاجرين مغاربة سعوا إلى «فرصة» و«مستقبل أفضل» في سبتة، 1 أوت 2026.
[8] Reuters، مواجهات الفنيدق ومحاولات العبور والإجراءات الأمنية المغربية، 31 يوليو 2026.