-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الوجه الخلفي لمدينة المسيلة بعد 50 سنة

العمران يلتهم أراض زراعية وبساتين وبقايا أسوار طينية عمرها ألف سنة

ريبورتاج: الطيب بوداود
  • 1597
  • 0
العمران يلتهم أراض زراعية وبساتين وبقايا أسوار طينية عمرها ألف سنة

يخفي الوجه الخلفي لمدينة المسيلة كعاصمة للولاية منذ نحو 50 سنة، أزقة قديمة وسط أحياء عتيقة يعود تاريخها إلى عهود غابرة لكنها لا تزال قائمة تقاوم أذرع العمران التي لطالما وصفت بالعشوائية. عمران لم يبق ولم يذر مساحات كانت بساتين ونخيل ومزروعات حولها إلى غابة من إسمنت وبقايا أسوار من طين عمرها ألف سنة.

معالم وشواهد من تاريخ المدينة.. اختفت
أسوار تحكي تاريخ المسيلة كانت جنات عدن، لكنها تحوّلت في السنوات الأخيرة بقدرة قادر إلى مساحات فارغة خاوية بل خالية، لكنها من حين إلى آخر مهيأة للعمران وأي عمران، أن الوجه الخلفي لما كان يعرف بجنان الكبير ولجعافرة وشتاوة وما جاورها وقرفالة ونوارة ولاروكات وأولاد سيدي محمود وبساتين واد القصب التي اختفت بنسبة تعدت 60% وصارت أشجارها للنار حطبا ومعالم زراعية زالت واندثرت..
مظاهر ومشاهد توحي لأي مستطلع بأنه يتواجد خارج مدينة المسيلة، فهذه الصور التي التقطناها تؤشر على مدى تآكل وانهيار معالم مدينة لها تاريخ بل تؤكد – يقول ممن تواصلوا مع الشروق – حالة زهد الإنسان في كل ما هو تنموي اقتصادي واجتماعي، بل هناك من يعتبرها نافلة، الأمر الذي عصف بكم هائل من الأراضي الزراعية، كانت مصبا لمياه سد القصب، معالم كانت لنا الفرصة التنقل عبرها لكن الأكيد أن البعض لا يزال يجهلها، خاصة إذا تعلق الأمر بالرسميات، التي كثيرا ما تركز على الوجه الأمامي للمدينة، تاركتا الوجه الخلفي للمعاناة والتأكلات والموت البطيء يضيف بعض المواطنين الذين كانوا في كل سؤال وجواب يشيرون بأصابعهم إلى هذه البقايا أو تلك.

أزقة وشوارع وعشوائيات نشأت في صمت
كما نشأت أزقة وسط عمران عشوائي نما وتوسع في صمت طلية 25 سنة الماضية، مخلفا آثارا كارثية عميقة وأخرى جانبية شوارع ترابية ومصاعب جمة وسط عمران هو للفوضى أقرب.. ونبتت أحياء وسط ما كان يعرف ببساتين مدينة المسيلة وأرضيها الزراعية، فعندما تجولنا في عمق الوجه الخلفي لحي جنان لكبير، كانت لنا الفرصة الوقوف على بقايا نخيل وبعض أجزاء أسوار طينية كانت – حسب بعض المواطنين – تحمي البساتين والأشجار المثمرة التي تسقى بمياه سد القصب، عبر سواقي إسمنتية لم يبق لها اثر، فكل شيء اختفى واندثر، لكن هنا وهناك بدت معالم عمران تظهر وتتجلى للعيان، والأكيد أن تلك الأراضي التي كانت مزروعة تحولت بعد أكثر من نصف قرن إلى مساحات مستباحة من طرف الاسمنت والاسمنت فقط، حجة بعض ممن تحدثوا إلينا انقطاع الماء، الأمر الذي ساهم في اختفاء عشرات الهكتارات من أشجار للفواكه ومحاصيل زراعية أخرى، والمثال أيضا في منطقة نوارة، حيث بقدرة قادر تهاوت أشجار المشمش وتحوّلت إلى أكوام من الحطب.

مساحة 900 هكتار مشمش حوّلها العطش إلى حكاية
قطع أرضية للبناء والحجة انقطاع مياه سد القطب وعطش ضرب مئات الأشجار المثمرة في الصميم وحولها إلى حطب لإشعال النيران، ومن المتوقع – يضيف عدد من المتابعين – أن تتحول في الثلاث سنوات القادمة هذه المنطقة وغيرها إلى عمران، والأكيد أن ذلك سيساهم – يضيف هؤلاء- في تقليص المساحات الزراعية وسيخنق عاصمة الولاية ويصعب تنفسها.
وفي هذا السياق، تساءل مراقبون إن كانت التشريعات والقوانين التي تقضي بمنع تغيير نشاط أراض فلاحية إلى نشاط غير فلاحي تنسحب أيضا على الأراضي الفلاحية التي تعود ملكيتها للخواص، وكانت عدة مصادر قد تحدثت عن تراجع مساحات أشجار المشمش من 1200 هكتار من أشجار المشمش بالمسيلة إلى ما دون 300 هكتار، خاصة على مستوى محيط سد القصب الذي فقد العشرات من البساتين بسبب موجة الجاف التي ضربت منطقة المنطقة خلال 7 سنوات الماضية، كما أن الوجه الخلفي لمدينة المسيلة التي يقطنها حاليا أزيد من 400 ألف نسمة شهدت موجة عمران لا مثيل لها توصف أحيانا بالطفرة خاصة في 30 سنة الماضية، حيث امتدت أذرع العمران لتسطو على مساحات معتبرة كانت عبارة عن أراض فلاحية، ومن ذلك منطقة قرفالة، والوجه الخلفي لحي جنان لكبير والجعافرة ومناطق أخرى كتلك الواقعة في الجهة الشمالية الغربية لعاصمة الولاية وبالضبط الأراضي المتاخمة لحي اشبيليا القديم وكذا بعض الأراضي المحاذية للتجزئة الترابية 608 وغيرها من المساحات الزراعية التي كانت مجالا خصبا لمحاصيل الحبوب، لكن ولأسباب مناخية بالدرجة وعوامل أخرى لها صلة بنشاط الإنسان – حسب عدد من الفلاحين- تقلصت بل واختفت بسبب تحوّلها إلى مساحات تصلح لجميع الأنشطة، إلا أن تبقى أراضي زراعية.

هنا زاوية أبو جملين.. وبقايا أسوار ونخيل وبيوت طينية
الأكيد أن صورة الوجه الخلفي لعاصمة الولاية بكل ما يحمل من مشاهد ومتناقضات فرضها واقع اليوم، قلما تنكشف بعض ملامحه وصوره، ففي حي الجعافرة العتيق كانت لنا جولة، وصور لبيوت طينية بنيت في الزمن الغابر قد يعود تاريخها إلى زمن الثورة التحريرية أو أكثر، بيوت قاومت كل المتغيرات وصمدت في وجه الظروف المناخية بل وقاومت سلوك الإنسان وثقافته الحديثة العابثة أحيانا بكل ما خلفه الآباء والأجداد من موروث حضاري وقيمي ينطوي على تاريخ، سلوك متحفز للهدم والإطاحة بكل ما هو قديم فالتخلص منه حسب اعتقاد البعض واجب بل وفريضة، كهذا فضل مرافقنا أن يعبر عن سخطه وتأسفه لعبث الإنسان، لكن رغم كل ذلك لا تزال منازل وأزقة بحي الجعافرة وغيره صامدة صمود بقايا أشجار نخيل منتشرة هنا وهناك، تحكي تاريخ مدينة عندما كتب عنها الشاعر وقال المسيلة “جنات عدن” (خليلي أين الزاب مني وجعفر وجنات عدن بنت عنها وكوثر) إن بقايا النخيل التي التقطنا لها صور في الجهة الخلفية لحي اجنان لكبير الأكيد أنها كانت في زمن مضى حدائق وبساتين، منها قوت ساكنة المدينة، وغير بعيد عن هذا المكان بدا وجه ” الكدية ” الخلفي الاسم الذي ارتبط كون المكان عبارة عن مرتفع، كان في الزمن الغابر بنايات ومعالم وبيوت يعود تاريخها إلى العهد العثماني، فثمة كما أشار مرافقنا مناطق الشتاوة والكراغلة وخرب التليس وزاوية ابوجملين، التي هي أيضا تحكي مآثر رجل، جاء من أقصى الأرض ليؤسس منارة للعلم والمعرفة.

أسوار إسمنتية من دون هندسة معمارية
بعدما تخرج منها المئات هاهي الآن تعود لتتأسس كواحدة من المعالم التاريخية والعلمية بمدينة المسيلة، إذا لاشيء يعلو فوق صوت الزحف العمراني وليته – يقول عدد من المختصين- كان في الاتجاه الصحيح فأجزاء منه اختارت الوجهة حيث الأراضي الزراعية وأحياء تحسب ضمن الأقطاب الحضرية الجديدة بنيت وسط مجاري مائية اعتقد بأنها خمدت إلى الأبد لكنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى خطر قائم يطارد ساكنتها كلما اضطربت الأحوال الجوية، والأكيد أن حادثة فيضان “الواد الجايح” الذي أصبح يطلق عليه منذ تلك اللحظة “بالواد الجانح”، حيث داهمت فيضاناته بعض عمارات “الكيا” أصبحت بمثابة الهاجس لمن يسكن الطابق الأرضي دون أن ننسى في هذه الجولة الأسوار الإسمنتية التي تحولت في 15 السنة الأخيرة إلى ظاهرة عمرانية من نوع خاص، مع أن جدار برلين تم هدمه 1989، أن ظاهرة الجدران أو الأسوار الإسمنتية الممتدة هنا وهناك تحوّلت في كل مرة إلى حديث الخاص والعام، فتساءل بعضهم أي جمالية أو أي ذوق عمراني تنطوي عليه تلك الأسوار الممتدة.
وهنا وجب التمييز بين أسوار وأسوار فهناك أسوار بنيت حول مؤسسات فهي من عمارة المؤسسة، لكن هناك أسوار ممتدة بلا مبرر حتى وان كانت بنايتها مبررة، فالوجه الخلفي لمدينة المسيلة بلا شك أنه يخفي الكثير من الشواهد والمعالم التي قلما تقع عليها العين أو عدسة الكاميرا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!