الفارس الغريب
يعتبر الرئيس التونسي المنتخب السيد منصف المرزوقي من أندر بقايا أجيال المغرب العربي المسكونين بالوحدة المغاربية التي غذت الأحلام والطموحات والآمال لدى موجات متتالية من الأجيال على مدى عقود وعقود من الزمن على هذه الرقعة المتميزة ولكنها كانت لا تجني في كل مرة إلا مرارة الفرقة والبعاد والتشتت. ولذلك كم يبدو السيد المرزوقي اليوم وحيدا وغريبا في الثبات على هذا الحلم، وكم بدا كذلك خلال زيارته الأخيرة للجزائر وإثارته لموضوع الوحدة المغاربية، إذ كان محل سخرية وضحك دفينين من قبل أعداء هذه الوحدة، وما أكثرهم في الجزائر حين تعدهم، وما أصلب وأقسى وجودهم في مراكز السلطة والقرار على هذا الحلم وغيره من الأحلام.
ربما أن السيد الرئيس يريد أن يظل في الحلم عندما يعتبر الجزائر والمغرب الدعامة الأساسية لبناء الوحدة المغاربية، وربما كان ذلك صحيحا في زمن الحركات الوطنية المغاربية ونضالاتها المريرة المشتركة ضد الاستعمار الفرنسي المباشر والمشترك، لكن عندما تحول هذا الاستعمار، بعد ما يسمى استقلال البلدين المغاربيين المذكورين، إلى استعمار حديث يُمارَس بالوكالة من قبل صنف من “الأنديجان” و”السوبليتيف”، ويعتبر كل تحرك على المحور المغاربي تحركا ضد المصالح الحيوية الفرنسية في المنطقة.. لما أصبحت الحال على هذه الحال، أصبح الحلم مجرد حلم، والمشروع مجرد مشروع، وأصبح الحديث مجرد مضيعة للوقت.
وربما أن دافع الغيرة والتشبث بالحلم هو الذي يجعل فخامته يسقط من حساباته دلالات ومعاني كل النكسات اللاحقة وتغير المعطيات الذي مافتئ يطرأ بالسلب على هذا المشروع، ومن ذلك، خاصة أن آخر قمة مغاربية عقدت في زرالدة بالجزائر بداية صيف 1988 والتي كانت قمة مخيفة لفرنسا ولأعداء التكتل المغاربي على الضفة الشمالية للمتوسط، كان من الممكن أن تتمخض، على الأقل، على شبه تجمع اقتصادي مالي مشابه لما هو قائم في الخليج العربي، لكن الهوس الفرنسي جعلها نقمة من جديد على أهلها وخاصة على الجزائر، إذ لا أحد يستطيع إلى اليوم أن ينفي أن أحداث 5 أكتوبر 88 التي حدثت إنما كانت في بعض أسبابها عقابا فرنسيا، عبر الأنديجان والسوبليتيف إياه، للجزائر على حماسها المغاربي الذي عاد إلى الحياة في تلك القمة والتي لم يتوقف القصاص الفرنسي منها عند هذه الحدود، بل تعداها إلى بث التفرقة والشقاق الذي يبدو أن لا لم للشمل بعده، حيث وصلت الأمور إلى غلق الحدود بين البلدين الأساسيين، وهو ما لم يعد يحدث في أي بقعة في العالم مهما بلغت حدة الخلافات والتناحرات.
ثم هل يمكن أن ننتظر للوحدة المغاربية أحسن من هذا الوضع وهذا المآل في ظل ما آلت إليه سيادة البلد المحوري أمام فرنسا عندما يهب مسؤولون جزائريون إلى الوقوف إلى جانب تمجيد جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر وبقية المغرب العربي، ويعارضون حتى مناقشة مشروع قانون لتجريم هذا الاستعمار في البرلمان الجزائري، وكيف يمكن بناء الصرح المغاربي كما يسمى أحيانا في ظل هذا الضعف والخذلان أمام العدو رقم واحد لهذا المشروع؟
ومع ذلك يستحق الرئيس المرزوقي وقفة إجلال وخشوع على هذا الثبات على المبدأ والتمسك بالحلم الجميل والوفاء للملايين من الأجيال الماضية.