-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المال‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬نوعية‭ ‬المعيشة

عابد شارف
  • 5277
  • 2
المال‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬نوعية‭ ‬المعيشة

قبل شهرين، كان الشارع الجزائري ينتظر أزمة اجتماعية خانقة. وقال المحللون إنه لا مفر من الانفجار بسبب تراكم المصاريف المفروضة على العائلات الجزائرية، مع تزامن شهر رمضان وعيد الفطر والدخول المدرسي. ورغم هذا الكلام الذي يعلن عن الكارثة، ورغم ارتفاع الأسعار، صام‭ ‬الناس‭ ‬بصفة‭ ‬عادية،‭ ‬وقضوا‭ ‬عيدهم‭ ‬بصفة‭ ‬هادئة،‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬الدخول‭ ‬المدرسي‭ ‬ولم‭ ‬يعرف‭ ‬اضطرابا‭ ‬يذكر‭.‬

  • ومع اقتراب عيد الأضحى، عاد نفس الخطاب الذي يتنبأ بالكارثة. وأكد الخبراء أن أسعار الأضحية بلغت مستوى لا يطاق، وأن العائلات الجزائرية ذات الدخل الضعيف تعيش أزمة خانقة، وأنها ستنفجر عن قريب لأنها لا تستطيع أن تضمن مصاريف العيد كاملة. ومع ممر الأيام، تبنى الشارع الجزائري هذا الكلام، وأصبح الناس يرددونه صباحا ومساء، لكنهم في نفس الوقت يستعدون للقيام بالمناسك الدينية بصفة عادية، وكأن الأزمة لن تغير الكثير في تصرفاتهم. ولعل عدد الأضحية سيبلغ هذه السنة رقما لم تعرفه البلاد في السابق، لأن السياق العام في المجتمع الجزائري يشير إلى وضع عادي لا يوجد فيه ما يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات بمناسبة عيد الأضحى. وعكس ما كان منتظرا، فإن الجزائريين، ورغم انزعاجهم، فإنهم يواجهون مصاريف العيد بهدوء، رغم كلامهم التقليدي عن غلاء المعيشة.
  • هل يشكل هذا التصرف استسلاما أمام الأمر الواقع؟ هل ضاع الأمل من الجزائريين إلى درجة أنهم أصبحوا عاجزين حتى عن التعبير عن قلقهم وغضبهم؟ أم هل أن الجزائريين من ذوي الدخل الضعيف والمتوسط قرروا التخلي عن بعض المصاريف الأساسية ليركزوا مجهودهم نحو المصاريف الدينية؟ وكيف يمكن تفسير هذا الفارق بين الخطاب الشائع حول غلاء المعيشة من جهة، وبين ميول الجزائريين إلى الاستهلاك من جهة أخرى؟ كيف يمكن لفئة يقال عنها أنها ذات دخل ضعيف أو متوسط، كيف يمكن لها أن تبقي على استهلاكها التقليدي رغم أن الخطاب الشائع يوحي بكارثة اقتصادية وانفجار اجتماعي في أقرب الآجال؟ إن المحلل للوضع الاجتماعي يبقى حائرا أمام هذا التناقض، حيث يجد نفسه أمام مواطنين فقراء، لكنهم يستهلكون الكثير، حيث أن نسبة العائلات التي تشتري أضحية العيد مثلا مازالت مرتفعة جدا.
  • وهكذا، توفر الجزائر سلسلة من التناقضات في الميدان الاجتماعي، من أبرزها أن تحسن الوضعية المالية للعائلات لا يعني بالضرورة تحسنا في نوعية المعيشة. ويمكن للجزائري أن يكسب كل لوازم الرفاهية، من منزل وسيارة وأثاث منزلي وغيره، لكن حياته تبقى رديئة لأن الحياة اليومية صعبة جدا، ولأن المحيط ليس ملائما. وعكس ذلك، نجد أن بعض العائلات ذات الدخل الضعيف تعيش بصفة مقبولة، لأنها تحسن استعمال بعض العوامل البسيطة. ومن أشهر هذه العوامل التي تكلم عنها الاقتصاديون، يمكن أن نذكر التضامن العائلي، ووجود عدة أفراد ذوي دخل في منزل واحد،‭ ‬واللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الخدمات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المجانية‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬موجودة،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الوسائل‭ ‬الملتوية‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بتلطيف‭ ‬قسوة‭ ‬الأيام‭.‬
  • وفي نهاية المطاف، فإن الأرقام حول الدخل الفردي لا تكفي لوحدها لتحديد مستوى المعيشة ونوعيتها. والمواطن الجزائري مثلا يحظى بدخل أعلى من المواطن التونسي، ويتمتع بعدد من الخدمات المجانية أو شبه المجانية، لكن ذلك لا يعني أن مستوى معيشته أحسن من المواطن التونسي. فالدخل لوحده لا يحدد مستوى المعيشة، وتؤكد ذلك ظاهرة بسيطة تتمثل في أن ما يقارب المليون جزائري يسافرون سنويا إلى تونس، بينما نلاحظ أن عدد التونسيين الذين يسافرون إلى الخارج يبقى ضعيفا جدا..
  •  
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • أحمد

    البحبوحة المالية التي تعيشها بلادنا حاليا ليست بالضرورة دليل على ارتقائها الى مصف الدول المتقدمة، ولنا أن نقارن بين حجم المبالغ المرصودة للتنمية من جهة وواقع الحال التي لا تخفى على أحد التي يراها حتى العميان، لذلك قيل المال لا يصنع السعادة.
    L'argent ne fait pas le bonnheur

  • hocine

    je suis un alegerien qui aime son pays et je souhaite de tout coeur que dieu bennisse notre pays ainsi que notre peuple