-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري

المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري

من الكتب التي قرأتُها في شبابي، ولم تُسدَل عليها إلى حدّ الآن ستائرُ النسيان، كتابٌ للدكتور زكي نجيب محمود (1905-1993)، فيلسوف “الفلسفة الوضعية” في العالم العربي، قبل أن يتقدّم به العمر وتستحكم تجربتُه، وتكثر قراءتُه للفكر الإسلامي، فبدأ يتخلّص من “عبوديته” للفكر الغربي، ويجنح لقراءة فكر العلماء المسلمين بإيجابياته وسلبياته، فيتبنّى إيجابياتِه ويعرض عن سلبياته.

هذا الكتابُ الذي قرأته منذ نيفٍ وخمسين سنة، وما زلتُ أتذكّره إلى يومنا هذا، هو كتابُ “المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري”، والذي يذكّرني دائما بهذا الكتاب هو ما أقرأه أو أسمعه في بعض الأحيان بقلم هذا الأستاذ، أو على لسان ذلك الخطيب.. وهو كلامٌ يأباه الدينُ الصحيح، ويرفضه العقلُ السليم.

من هذا المسموع اللا معقول ما طرق أذنيَّ حتى كاد يُفقدهما السمعَ من أنّ صحابيا جليلا قُطعت يدُه اليمنى في معركة، وكان يحمل بها “الراية” فتلقّفت يدُه اليسرى “الراية” حتى لا تسقُط، فقُطعت يدُه اليسرى فاحتضن “الراية” بقُضُدَيْه أو ساعِدَيْه.. وتساءلتُ: ألم يألم هذا الإنسان؟ ألم ينزف دما؟

ومن هذا المسموع اللامعقول ما قيل عن أحد العُبّاد الذي حكم الأطباءُ بقطع رِجْلِه المريضة، وتحدّثوا عما سيصيبه من شديد الآلام، فأشار عليهم بأن يفعلوا ذلك عندما يقوم إلى الصلاة.. وهل الصلاةُ تُفقِد صاحبَها الإحساسَ والشعور؟

ومن هذا المسموع ما قيل من أنّ الإمامَ مالكا -رضي اللهُ عنه- كان في مجلس علمٍ مع تلاميذه، فلدغته عقرب سبع عشرة مرّة، ولكنّ الإمامَ، لشدّة إيمانه وتعلّق قلبه بحديث حبيبنا -صلى اللهُ عليه وسلّم- لم يتحرّك، ولم يقطع حديثَه عن حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام.

لقد تساءلتُ عن “خزّان”Reservoir هذا العقرب وما يسع من كمية السم؟ كما تساءلتُ -كما يقول أحدُ الأصدقاء-: هل الإمام مالك بشر؟ إن كان بشرا فلا بدّ أن يكون أصابه ما يصيب كلَّ ملدوغ، وقد يُفضي به ذلك إلى الهلاك، والقرآن الكريم يقول: “ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة”..

ولنفرض أنّ الإمامَ مالكا تحدّى السمَّ وتحمَّل أذاه، فلماذا لا يبادر تلاميذُه إلى إنقاذه لكي يستمرّ في تعليمهم، فكم يوجد مثل الإمام مالك في الأمّة حتى نكون فيه من الزاهدين، ونسلّمه إلى الموت الزؤام؟

قد يظنُّ الناسُ أنّ هذا “الفكرَ” انتهى زمانُه، وولّى أصحابُه المؤمنون به، الناشرون له، الداعون إليه، ولكنّ الحقيقة هي أنّ هذا “الفكرَ” ما يزال موجودا بيننا، وصار المؤمنون به، الناشرون له، يحملون أرقى الشهادات العلمية، ومن ذلك ما صرّح به “بروفيسور” جامعيٌّ في ملإٍ من الناس من أهل العلم الشرعي، من أنّ “بقرة” الشيخ عبد الرحمان الثعالبي لـ”كرامته” أكلت “أسد” الشيخ أحمد بن يوسف الملياني!!! حتى خُيِّل إليَّ أنّ الشيخين الفاضلين -رضي الله عنهما- كانا مدرِّبَيْ حيوانات…

والله بمجرد ما سمعتُ هذه “الكرامة” اتّصلتُ بكلّ من الدكتورين محمد الشريف قاهر، أعلم الجزائريين بحياة الشيخ عبد الرحمان الثعالبي، ومحمد بن بريكة “الخبير العالمي” في التصوّف، فأنكرا ذلك إنكارا شديدا..

يا إخوتنا الأعزّة، إنّ الإسلام دينُ عقل، فلا تُدَرْوِشوه بمثل هذا الكلام اللامعقول.. أفلا تعقلون؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
12
  • merghenis

    تذكرت مقال كتبه الأستا ذ بعنوان :"بقرة تأكل أسدا!!!" نشر في 22/04/2010 فلا بأس وكل متعة و فائدة إن أعيد قراءته .و على كل حال تحميل كتاب " المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري" ممكن .أما التسرع وتأويل كلام الأستاذ فلا.

  • المصحح

    ومن أراد أن يقف علي هذه الكرامات بشيء من التفصيل فليرجع إلي المجلد الخامس من كتاب (أصول الاعتقـاد) لللالكائي، وكتاب (سيف الله على من كذب على أوليـاء الله) تأليف صُـنع الله الحنفي.

  • المصحح

    - وقـد ورد في السنة كرامات كثيرة لأوليـاء الله الصالحين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كأسيد بن حضير، وعباد بن بشير، وعاصم بن ثابت، وغير هؤلاء كثير. وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون وبقية العشرة المبشرين. وكذلك ثبتت كرامات كثيرة للصالحين من التابعين رضي الله عنهم.

  • المصحح

    - ومن الكرامات الواردة في السنة الصحيحة حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلي غار، فنزلت صخرة عظيمة فسدت عليهم باب الغار، فدعا كل منهم ربه وتوسل إليه بأعظم عمل صالح فعله في حياته، حتي فرج الله عنهم وفتح باب الغار. وهو حديث صحيح رواه البخاري و مسلم.

  • المصحح

    كرامات وردت في السنة الصحيحة: - منها ما ورد في (صحيح البخاري) من ح عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "وافقت ربي في ثلاث!!، فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلي فنزلت: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [سورة البقـرة: 125]؛ وآية الحجاب، قلت : يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر فنزلت آية الحجاب؛ واجتمع نساء النبي صلي الله عليه و سلم في الغيرة عليه فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن إن يبدلن أزواجاً خيراً منكن، فنزلت هذه الآية".

  • المصحح

    - ومن الكرامات في القرآن أيضاً ما جاء في قصة سليمان عليه السلام: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [سورة النمل: 40]، وكان الحديث عن عرش بلقيس.

  • المصحح

    - ومنها قوله تعالى عن زوجة إبراهيم الخليل عليه السلام: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴿٧١﴾ قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [سورة هود: 71-72]. قال المفسرون: "ضحكت أي: حاضت، و هي في سن الشيخوخة".

  • المصحح

    وكذلك قوله تعالى في نفس القصة: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [سورة مريم: 25]. ومن المعلوم أن النخلة لا يقدر على هزها لإسقاط الرطب عصبة من الرجال الأقوياء، فكيف تفعل ذلك امرأة في حال الولادة و الضعف؟!! فهي كرامة .

  • المصحح

    نماذج قرانية من اللامعقول وجب الإيمان بها: - قوله تعالى في قصة مريم -عليها السلام-: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [سورة آل عمران: 37]، وقـد ذكر المفسرون في بيان هذة الكرامة أقوالاً كثيرة يرجع إليها في كتب .

  • الحيران

    معنى كلامك يا أستاذ أن أهل الكهف لم يبقوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا قبل أن يرجعوا إلى الحياة لأن هذا مخالف للعقل فليتك بسطت لنا في القول تنويرا لعقولنا جازاك الله خيرا فالنماذج المخالفة للعقل والواردة في القرآن الكريم والسنة المطهرة كثيرة كمولد المسيح من دون أب والاسراء المعراج وانشقاق القمر ووو ماذا نفعل الآن بكل هذا؟

  • حموش صادق بجاية

    شكرا جزيلا لأستاذنا القدير الهادي الحسني على هذا التنوير ،ووقد ذكرني بهذا الكتاب الذي ما زال عالقا في ذاكرتي التي تنبهني إلى اللا معقول الذي تتسع مساحته في الفكر الإسلامي كلما تخلى الأنسان على عقله ليتقبل الغث والسمين فيه فمن الأمثلة على ذلك أن مؤلفا لكتاب على الإمام الشافعي ذكر أن متتبعي دروسه يزيد على مأتي ألف ! !!!! فكيف لمكان أومسجد يسع هذا العدد الهائل وهل لصوت افمام معجزة الوصول إلى آذان السامعين وغيرها كثير

  • عبد الرحمن

    ومن اللامعقول أن نسمع بعض المسؤولين يصرحون قائلين : بعض إخواننا التجار يمارسون الاحتكار ! والمعقول أن يقولوا : جميع إخواننا التجار يمارسون الاحتكار ! وشكرا جزيلا.