بعد أزمة الطاقة: حسابات جيواستراتيجية جديدة لنا
تسعى الجزائر في المدة الأخيرة إلى تغيير الفضاء الاقليمي الذي تتحرك ضمنه، من أوروبا وأمريكا إلى آسيا إلى بقية العالم؛ أي إلى تغيير حساباتها الجيواستراتيجية بعد نحو 20 سنة من الانتماء إلى الحلف الغربي واللّعب على محور التوازن بين الولايات المتحدة وفرنسا.. هل في هذا إشاراتٌ إلى تحوّل أساسي في المستقبل؟ أم هي مجرد حالة مؤقتة ناتجة عن ردة فعل مباشرة جراء انخفاض أسعار النفط وما بدا أنه فتور في العلاقات مع الفرنسيين؟ وأي سبيل لنظرة جيواستراتيجية وجيوسياسية مستقلة وفعالة لبلادنا في ظل التحولات الحاصلة في عالم اليوم؟
بدا وكأن الجزائر اليوم تريد أن تَتَحَوَّل من الغرب إلى الشرق، أن تُغيِّر التعامل من محور باريس ـ واشنطن، إلى محور التعامل موسكوـ بيكين.. عودة معلنة وقوية للعلاقات مع روسيا، واتصالات كثيفة مع الصين، وسعيٌ لبناء محور جديد فيه الكثير من خلفيات الماضي ـ المنتمي للمعسكر الشرقي ـ من خلال الزيارة إلى دمشق والعلاقات المتينة مع القاهرة والتحول التدريجي للتعامل مع إيران كحليف استراتيجي أساسي لكل من بيكين وموسكو.
هل هذا التحوّل مبنيٌ على تقييم حقيقي وفعلي لأكثر من عقدين من الزمن من العلاقات الدولية لبلادنا؟ أم هو فقط ردّة فعل عما طرأ في المدة الاخيرة من اضطراب على مستوى العلاقات الفرنسية الجزائرية والأمريكية الجزائرية نتيجة الموقف من مرض الرئيس وضرورة الانتقال إلى مرحلة جديدة وإلى رئيس جديد؟
يبدو أن هناك أكثر من عامل اليوم بدأ يتدخل لتغيير الحسابات الجيواستراتيجية للجزائر، إذ بعد انهيار اسعار البترول انكشفت أكثر من حقيقة لبلادنا على صعيد التعامل الخارجي لعل أهمها:
ـ التعامل مع الأمريكيين لم ينتقل من حالة المناولة في قضايا مكافحة الارهاب والضغط على أوروبا في مجال الغاز إلى الشراكة الاستراتيجية الحقيقية. لقد تبين أن المغرب في الحسابات الأمريكيةـ الفرنسية مازال هو الشريك الأضمن في هكذا مواقف. كما أن هناك عملا واضحا من قبل الفرنسيين لمنع أي تقارب جزائري مغربي من خلال اللعب على عدة أوراق اقتصادية (الاستثمار) وسياسية (الصحراء الغربية)، إن لم نتحدث عن مناورةٍ كبيرة لإشعال نار الفتنة بين الجارين. كما أن للأمريكيين علاقات ودّ واضحة مع المملكة المغربية منعتها من أن تتخذ موقفا صريحا من دعم مسألة تقرير المصير للشعب الصحراوي. ويكاد جميع الأوروبيين يقفون ذات الموقف من هذه القضية التي طال أمدُها.
ـ وفي جانب التعامل مع البلدان العربية، أضحى موقف المملكة السعودية المتحالف مع قطر بالدرجة الأولى وتركيا في المقام الثاني، وكأنه يريد أن يبني حلفا في مسائل الشرق الأوسط بعيدا عن الدور الجزائري إن لم يكن مضادا له.
ـ وفي جانب ثالث بدت إيران كقوّة صاعدة مستعدّة للتعاون مع الجزائر إلى أقصى الحدود، خاصة في مجال نقل التكنولوجيا، وتطوير المنشآت البترولية ومنشآت الطاقة وغيرها من الميادين، مما أصبح يُثير حفيظة المملكة السعودية أوما يُعرف بالمحور السني الذي تريد أن تقيمه في مواجهة إيران باعتبار تعامل إيران مع الجزائر كدولة سنية مالكية سيُكذِّب ويدحض فكرة المذهبية في العلاقات الإيرانية الخارجية ويُعطيها بُعدها الاقتصادي والتعاوني الحقيقي.
هذه الحقائق الثلاث الأساسية تكون قد دفعت بالجزائر إلى التحوّل نحو محورها التقليدي المتَّجه نحو الشرق والذي كثيرا ما أزعج الغرب وخاصة الفرنسيين والأمريكيين.. فهل هي العودة إلى الوجهة الصحيحة؟ أم أن ذلك يحدث بعد فوات الأوان؟
بالنظر إلى الرصيد الكبير والإيجابي للسياسة الخارجية الجزائرية مقارنة مع سياستها الداخلية، فإن التحليل الأوّلي لهذا التحوّل يُفيد بأنه يَحدُث في الوقت المناسب وسيحقق مزيدا من الفعالية إذا ما تم تعزيزه بإجراءات تجعل منه تحوّلا بعيد المدى وليس تحوّلا ظرفيا ما يفتأ أن
ينتهي بعد حين.
محور الشرق هو الأكثر أمناً بالنسبة لنا من الغرب، والأكثر خدمة لمصالحنا الاقتصادية، حيث لم نتمكن من بناء قاعدة اقتصادية مع فرنسا بعد 54 سنة من المعاملة المفضلة، ولم نتمكن من تحقيق قوة عسكرية نوعية مع الولايات المتحدة بعد أكثر من 10 سنوات ونحن نتقدم جبهة مكافحة الارهاب في منطقة الساحل وشمال افريقيا…
لقد كانت للجزائر سياسة خارجية قوية ومبدئية منذ بداية الاستقلال استمدّت جذورها من ثورتنا التحريرية، وبرغم العلاقات الاقتصادية التي كانت في معظمها مع الغرب، إلا ان حركات التحرر المناهضة لهذا الغرب، وكبار المناضلين العالميين، والساسة المعادين للإمبريالية كانوا جميعهم بالجزائر وهي قبلتهم الأولى. وفي تصرّفاتها الخارجية مع القضية الفلسطينية ومع حركات التحرر لم تكن أبدا تخضع للشروط الاقتصادية للغرب الرأسمالي. وتجلت مواقفها المبدئية بوضوح شديد، خاصة بالنسبة للأمريكيين في قضية تحرير الرهائن في السفارة الإيرانية بطهران دون مقابل سياسي أو اقتصادي.. ومازالت بارزة أكبر اليوم في كون الجزائر هي من البلدان العربية القليلة التي لا تُميِّز في علاقاتها مع الفلسطينيين بين غزة ورام الله، ولا تربطها علاقاتٌ سياسية أو دبلوماسية مع اسرائيل، دون أن تَرفض قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بحق الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشريف ضمن حدود 1967.
هذه المواقف بدا وكأنها في فترة من الفترات أصبحت محلّ نقاش، خاصة بعد سنة 2004، حيث توطدت العلاقات الجزائريةـ الأمريكية بشكل كبير، لاسيما في المجال الاقتصادي ومجال مكافحة الارهاب، وأصبحت للولايات المتحدة الهيمنة شبه المطلقة على حقول النفط والغاز الجزائرية مقارنة بالفرنسيين وغيرهم الذين لم يبق لهم سوى الفتات.. وتَنَبّأ البعض بأن الجزائر ستتحول إن عاجلا او آجلا إلى الموقف الأمريكي من قضايا السياسة الخارجية وبخاصة تجاه البلدان المنتمية إلى فضاء ما يعرف بالشرق الاوسط وشمال افريقيا حسب المصطلحات الأمريكية، فإذا بالموقف الرافض لتدخّل الحلف الأطلسي في ليبيا أولا، والمؤيد لكل من مصر وسورية في صراعهما مع المعارضة ثانيا، والاقتراب من الموقف الإيراني في هذه المسألة الأخيرة خاصة، يُعطي انطباعا بأن السياسة الخارجية الجزائرية تريد العودة إلى منطقها الأول الذي يقوم على قَبول التعامل اقتصاديا مع الغرب ورفض التعامل عسكريا وسياسيا معه..
هل ستنجح هذه السياسة في المستقبل؟ أم ستكون لها انعكاسات غير حميدة على الاستقرار الوطني والجغرافية السياسية بالمنطقة؟
يبدو أن الوعاء التقليدي للسياسة الخارجية الجزائري هو الوعاء الشرقي وليس الغربي، فقط علينا أن نعترف بأن تشابك العلاقات الدولية اليوم بفعل العولمة أصبح يثير مصاعب كبيرة لكافة الدول وليس لبلدنا فحسب، وعليه فإنه لا بديل عن ربط أي تعامل خارجي جديد لنا مع تعزيز الجبهة الداخلية، إنْ من حيث البناء الاقتصادي صناعةً وفلاحةً، أو الأمني وسائل الدفاع ومكافحة الإرهاب، أو السياسي عدم التدخل في الشأن الداخلي.
هذه المعايير الثلاثة هي التي ينبغي اعتمادها في تصحيح حساباتنا الجيواستراتيجية في المستقبل وعلى ضوئها يتم التعامل مع أيّ قوة دولية، وإن بدا واضحا بالنسبة لنا أن محور الشرق هو الأكثر أمناً بالنسبة لنا من الغرب، والأكثر خدمة لمصالحنا الاقتصادية، حيث لم نتمكن من بناء قاعدة اقتصادية مع فرنسا بعد 54 سنة من المعاملة المفضلة، ولم نتمكن من تحقيق قوة عسكرية نوعية مع الولايات المتحدة بعد أكثر من 10 سنوات ونحن نتقدم جبهة مكافحة الارهاب في منطقة الساحل وشمال افريقيا… لذا فإنه لم يبق لنا سوى أن نُعيد طرح شروطنا لتعامل خارجي من نوع جديد متى تعززت جبهتنا الداخلية بديمقراطية أفضل، وذلك بالطبع موضوع يخصنا وحدنا ولنا فيه حديث آخر…