ثقافة “المُؤتمرات الصّحفية”
ظلّت المُؤتمرات الصّحفية للناخب الوطني الجزائري جمال بلماضي منذ خريف 2018، تتجاوز فترة السّاعة من الزّمن، وأحيانا تصل إلى ساعتَين.
ويتميّز بلماضي بِكونه رجلا يمتلك شخصية غير مُتحفّظة، ومع عطش الإعلاميين والجمهور الجزائري لِمعرفة كلّ شاردة وواردة عن أخبار “محاربي الصّحراء”، كانت المُؤتمرات الصّحفية تطول.
لكن لجوء هيئة الرئيس جهيد زفيزف إلى تقليص المدّة إلى ثلاثين دقيقة، مردّه البقع السّوداء التي لطّخت سجّل المُؤتمرات الصّحفية السابقة، وتلاسن بلماضي مع بعض المُنتسبين إلى مهنة الإعلام، إلى درجة أن الأمور كادت تنحرف إلى ما لا يُحمد عقباه.
ووجب في هذا التقرير إظهار بعض الحقائق والمُعطيات، مع محاولة إنصاف كلّ طرف قدر الإمكان.
– كانت المُؤتمرات الصّحفية في السّاحة الإعلامية الرياضية الجزائرية أشبه بـ “بدعة” (بِالعامّية الجزائرية وليس بِالمفهوم الدّيني)، وبِمعنى آخر، يلعب المنتخب الوطني مقابلته الرّسمية أو الودّية ولا يلتقي الناخب الوطني بِرجال الصّحافة. ونتحدّث هنا عن فترة تسبق سنة 2005، وليس بعد هذا التاريخ.
– يجب التّشديد على أن ثقافة المُؤتمرات الصّحفية كانت غائبة تماما عن ذهنية أو أجندة مسؤولي “الفاف” ورابطة الكرة المحترفة، وبل وحتّى إدارة التلفزيون العمومي الجزائري.
– خلية الإعلام التابعة للهيئة الكروية لِدالي إبراهيم تتحمّل جزءا في التعتيم والضّبابية و…التسلّي مع جمهور مواقع التواصل الاجتماعي بعد منتصف اللّيل، بدلا من تنوير الرّأي العام في الوقت المُناسب، وبلا تسريبات.
– في البطولة الوطنية، ولِمَن قاموا بِتغطية المقابلات، وأتحدّث هنا عن فترة تنظيم لقاءات القسم الأوّل كل أسبوع بعد ظهيرة الخميس (والإثنين لكن في مناسبات قليلة)، كانت الأمور سيّئة جدّا، وأحيانا يضطرّ الصّحفي إلى محاورة المدرب أو اللاعب في غرف حفظ الملابس، أو فوق المستطيل الأخضر، أو حتّى خارج أسوار الملعب، بل لِنقل والمدرب يهمّ بِركوب الحافلة والعودة مع اللاعبين إلى البيت (بِالنسبة للأندية الزّائرة). خذ مثلا ملعب “زيوي” (حسين داي) أيّام اللاعبين رفيق حليش وسمير عليش (الأوّل مدافع والأخير مهاجم) والشريف عبد السلام وحمزة ياسف وتوفيق كابري وسمير بن الطيب وإبراهيم جرادي..كان هناك رواق ضيّق أشبه بِزُقاق لِبائعي “الدلالة” يلتقي فيه الصّحافيون بِمدربي ولاعبي الفريقَين!
– انتهى عصر صورة عامر بن علي (صانع ألعاب مولودية الجزائر سابقا) التي تتصدّر الصّفحات الأولى للجرائد الرياضية، والجمهور ما عاد يهتمّ بِالبطولة الوطنية، بِقدر ما يُتابع مقابلات وأخبار اللاعبين المُغتربين، والمنتخب الوطني.
– حدث منذ نحو 12 سنة خلت أشبه بِاندفاع ثم انفجار إعلامي في قطاع السّمعي البصري، لم تسبقه مرحلة تهيئة أرضية الانطلاق، ونعني هنا التكوين المُحترف وطويل المدّة (ليس “كيف تُصبح…في ثلاثة أيّام”).
– لا يُمكن أن نلوم الصّحافيين ومسؤولي الكرة، ونغفل عن الجمهور الذي يتحمّل بِدوره نصيبا من المسؤولية. والذي ابْتُلي بِعشق السّاحرة المستديرة، وكان يُطالع الكتب بِشغف، ويتفرّج على التلفزيون بِانتباه، ويُتابع المباراة في المدرجات بِاحترام شديد للمُتنافسين، بل وحتى السكّان الذين يُقيمون بِجوار المنشأة الرياضية، صار فصيلة دم نادرة هذه الأيّام. تجد أحدهم مُنهمكا في مداعبة هاتفه المحمول من طلوع الشمس إلى غروبها، يسرح ويمرح ويجترّ في “مراعي” التواصل الاجتماعي، وهو ساخط يشتم يمينا وشمالا مِن مسؤولي اتحاد اللّعبة إلى بلماضي إلى الصّحافيين إلى اللاعب الفلاني إلى…وقد سقط بعض المُنتسبين إلى مهنة الإعلام في فخّ هذا النّوع من الجماهير، بِالتنافس في تدليله وكلّ ما يُلبّي “نزواته”، ولو بِالتصادم مع بلماضي.