جيش من المستشارين والمكلفين بالدراسات في الوزارات
لا يكاد يخلو عدد من الجريدة الرسمية الحالية، من مراسيم التعيين لمستشارين ومكلفين بالدراسات والتلخيص أو نواب مدير، وعندما ندخل لمقرات الهيئات الحكومية نجد عددا لا يعد ولا يحصى من المكلفين بالدراسات والتلخيص، وعددا لا يعد ولا يحصى من المستشارين، وعددا لا يعد ولا يحصى كذلك من نواب المدير، في الشركات العمومية، كل حسب صيغة توظيفه، بعضهم معينون بمراسيم صادرة في الجريدة الرسمية وبعضهم، معينون من طرف المدير العام، أو الرئيس المدير العام للمؤسسة، على غرار المؤسسات الاقتصادية التي لا يتطلب تعيين نائب مدير فيها صدور مرسوم رئاسي بل يكفي أن يتخذ مجلس الإدارة أو المدير العام قرارا بتعيينه في منصب مستشار، أو مكلف بالدراسات والتلخيص، أو نائب مدير، وغالبا ما يكونون من أهل الأشخاص الذين يثق فيهم المدير العام أو الرئيس المدير العام.
يقدر عدد المستشارين والمكلفين بالدراسات والتلخيص ونواب المدير الذين يعملون في مؤسسات الدولة والهيئات الحكومية التابعة لها بالآلاف، معظمهم من أصحاب الثقة وليس الخبرة، وأغلب المبالغ التي يتقاضونها تمثل إهدارا للمال العام، حيث يمكن الاستغناء عنهم وتوفير أجورهم لخزينة الدولة، لتشغيل آلاف الشباب العاطلين عن العمل.
ويعمل معظم المستشارين والمكلفين بالدراسات والتلخيص ونواب المدير في مكاتب الوزراء والشركات العمومية والهيئات الاقتصادية والخدماتية، التابعة للقطاع العام، ونجد أن كل وزارة وكل هيئة من هيئات الحكومة توظف عشرات المكلفين بالدراسات والتلخيص والمستشارين ونواب المدير يحصلون على رواتب خيالية لا يحلم بها رؤساء شركات في القطاع الخاص، والغالبية العظمى من هؤلاء لا يفعلون شيئا وتم تعيينهم في منصب المستشار إما بالواسطة أو بدرجة القرابة لمسؤول كبير أو وزير.
وتعتبر هذه المناصب من المناصب المطاطية في الإدارات والهيئات العمومية، لا يقوم أصحابها بأي مهام، ويتمتعون بامتيازات كثيرة، يتقاضون أجورا، ولهم سيارات وسائق خاص، وسكنات وظيفية، من دون أن يتوفر فيهم الحد الأدنى للشروط المطلوبة من مؤهلات أو خبرات، وأغلبهم لا يداوم في الوظيفة يوميا وبعضهم يحضر مرة في الأسبوع… أغلبهم تم تقليدهم هذا المنصب إما تشريفا لهم، أو استنادا إلى علاقات شخصية تربطهم بكبار المسؤولين في الدولة، وذلك دون أن تسند لهم مهام واضحة.
فمنصب مستشار مثلا يوصف بأنه منصب رفيع المستوى، ويمنح في الغالب من أجل ترضية سياسية لبعض الأحزاب، أو تقديرا وإكراما لبعض الشخصيات..وفي جميع الحالات، لا يقوم شاغلو هذا المنصب بأي مهام، رغم أنه في الأصل يتم تعيين المستشارين لتقديم المساعدة للمسؤولين في اتخاذ القرارات الصائبة، كل في مجال اختصاصه، فالإنسان قد يبدع في مجال ولا يبدع في غيره، وبما أن المسؤولين يتخذون قرارات هامة وفي غاية الدقة والتبصر، فلابد لهم من مستشارين من أصحاب الاختصاص لإعانتهم على اتخاذ القرار المناسب، لكن ما يحصل أن المستشارين أصبحوا يعينون استجابة لضغوط الوسطات وغيرها، ومن ثم يتم تعيينهم من دون أن يتوفر فيهم الحد الأدنى من الشروط المطلوبة أو حتى الحاجة الفعلية لخدماتهم.
12 ألف “شيخ” في الوظيف العمومي والتقاعد مؤجل
ويضاف إلى هؤلاء الموظفين بدون مهام، الموظفون المتعاقدون في دوائر الدولة ومؤسساتها، وهم الموظفون الذين تجاوزوا سن التقاعد، ولم يغادروا مناصبهم، بل أصبحوا موظفين بصيغة التعاقد، يتقاضون راتبهم بشكل عادي وفي نفس الوقت يتقاضون معاش التقاعد، نجد أيضا، أن آخر إحصائيات قامت بها المديرية العامة للوظيف العمومي تشير إلى أن عدد الموظفين الذين بلغ سنهم 60 سنة وأكثر، يقدر بـ12035 عون في القطاع العمومي، لكنهم ما زالوا إلى يومنا هذا يشغلون مناصبهم من خلال توقيع عقود مع الإدارات التي يسيرونها، أو يعملون فيها كإطارات أو مسؤولين، وذلك بدلا من تجديد الإدارة العمومية، علما أن قانون التقاعد ينص على أن العمال يحالون على التقاعد عندما يبلغون 60 سنة من العمر، أو 32 سنة في الخدمة الفعلية، منهم المديرون العامون والمديرون المركزيون، والمستشارون ورؤساء المصالح، ورؤساء الوكالات التابعة للدولة، والمديرون المكلفون بالدراسات، والمديرون المكلفون بالموارد البشرية، وآخرون يعينون في مناصب مستشارين أو رؤساء مشاريع بحجة استفادة المؤسسة من معارفهم وخبراتهم داخل المؤسسة لأن التجربة ثمينة، وبعضهم يستغلون نفوذهم كمسؤولين للاحتفاظ بالمنصب فيقومون بتجديد عقود توظيفهم بأنفسهم، بحكم أنهم مسؤولون يخوّل لهم القانون ذلك، في حين استغل عديد منهم العلاقات التي ربطوها بحكم الأقدمية للاحتفاظ بالمنصب عن طريق صيغة التعاقد بعد التقاعد، ويتلقى هؤلاء معاشاتهم من الصندوق الوطني للمتقاعدين مثلهم مثل جميع المتقاعدين، من جهة، ويتلقون من جهة أخرى أجورهم في الوظيف العمومي كموظفين متعاقدين، ومن ثم فهم يعيشون براتبين، الأول من الوظيف العمومي، والثاني من صندوق التقاعد، في وقت ينتظر آلاف المتخرجين من الجامعات فرصة التوظيف منذ عدة سنوات.
وتبرر الإدارات العمومية ذلك بحجة ضرورة الاستفادة من خبرات الموظفين القدامى، غير أن هذه القاعدة تنطبق على أفراد قليلين يمكن الاستفادة من خبراتهم بعد التقاعد في أمور نادرة، ويمكن للإدارة أن تضع نظاما خاصا لهذه الفئة، لكن لا يعقل أن يصل عددهم إلى 12 ألف موظف تجاوزوا الستين.
وفي الوقت الذي تسعى وزارة العمل إلى توظيف العاطلين عن العمل لمكافحة البطالة، تستمر الإدارات العمومية في توظيف عمال بلغوا سن الشيخوخة بدعوى الاستفادة من خبراتهم، وحرمان الكوادر الجدد من تقلد المسؤوليات في الإدارات العمومية، لأن ذلك ينطبق عليه القول “بناء قطاع على حساب هدم قطاع آخر”.