حتى لا نقع في النّكوص!
الممارسات السياسية إما تدفع الناس نحو المستقبل، نحو الأمل، نحو الثقة في النفس، نحو الاستعداد للتضحية لبناء مجتمع متماسك ومتراص، أو تدفعهم نحو الشعور بالعودة إلى ماضٍ تعيس، نحو اليأس، نحو اهتزاز الثقة في الذات والقدرات، نحو الخمول والكسل ومزيد من الأنانية والانغلاق على الذات وتحطيم ما بقي قائما من البناء… وفي مجتمعات مازالت هشة أو هي في طور البناء يمكن لقرارات مهما بدت لأصحابها بسيطة أن تقلب الأمور رأسا على عقب، وأن تحوّل اتجاهها في زمن قصير من التطلع نحو التحول الإيجابي القائم على البناء والتشييد، إلى الانحراف نحو التحول السلبي الذي لا يعرف سوى التحطيم والتخريب. نحن نريد لممارساتنا السياسية أن تعرف الاتجاه الصحيح وألا تدفع بالمجتمع لينكص على عقبيه بعد أن بدا واثقا أنه سيعرف التحول الصحيح في المستقبل.
لعل هذا ما بدا لي اليوم وأنا أتابع موقف الرأي العام مما اُتخذ من قرارات كانت لها علاقة بالتحول الجاري على مستوى السلطة، من تغييرات على مستوى القمة، إلى متابعة بعض الأشخاص قضائيا، أو التضييق على آخرين اقتصاديا، أو إعلاميا… بدا لي أن مثل هذه الممارسات إنما أعادت إلى الأذهان أساليب عملٍ عفا عنها الزمن، وأخطر ما فيها، بغضّ النظر عن الدوافع من ورائها، وما إذا كانت مؤسسة أو غير مؤسسة، أنها أعادت للناس الشعور بأنهم يعودون ربع قرن إلى الوراء.
إن مثل هذه الممارسات غير متطابقة مع طبيعة المرحلة التي وصلت إليها بلادنا، فما بالك أن تكون حاملة لمؤشرات عن أساليب مُثلى في الحكم وفي التسيير ستسود في المستقبل. ومشكلتنا الكبيرة أن يعود هذا الشعور وفي هذا الظرف بالذات، حيث تمر البلاد بضائقة مالية، وتعرف تهديدات من كل نوع على حدودها، وضغوطاً خارجية لا يعلم حجمها إلا من هم في قلب المعركة.
يبدو لي أن هناك خللا في مجال الرؤية في هذا الجانب بالذات، في الوقت الذي بدأ مجتمعنا يحس بأننا يمكن أن نعرف تحولا حقيقيا في السلطة نحو الأفضل، وفي الوقت الذي كاد يجزم أنه تجاوز بسلام مرحلة الخطر وتمكَّن من التكيف مع مقتضيات الوضع الدولي الجديد (بعد ما سُمِّي بالربيع العربي)، وبأن عليه في السنوات القليلة القادمة أن يبني دولته العصرية القادرة على أن تتجاوز ما تعرفه اليوم من مشكلات… في هذا الوقت بالذات تأتي بعض الممارسات ـ الاستعراضية ـ وكأنها تريد قتل المستقبل لدى الناس، ودفعهم نحو النُّكوص نحو ماضٍ بائد وَلَّى وانقضى.
أكبر خسارة هي شعور الناس بأنهم لا يتقدمون إلى الأمام بل يعودون إلى الوراء، وأن لا شيء تغير منذ ربع قرن، وأن الممارسات ذاتها هي التي أودت بالبلاد إلى الهاوية في بداية التسعينيات، وأنه عليهم أن يتخلوا عن كل أمل في المستقبل.
صحيح يبدو للوهلة الأولى أن السلطات قد كشفت عن صرامتها، وأنها بذلك حاولت تأكيد هيبتها وقدرتها، وأبرزت أن يدها مازالت طويلة، ولكن عند التحليل العميق يتبيّن لنا أن ما حققته من مكاسب هو أقل بكثير مما خسرته، وأكبر خسارة هي شعور الناس بأنهم لا يتقدمون إلى الأمام، بل يعودون إلى الوراء، وأن لا شيء تغير منذ ربع قرن، وأن الممارسات ذاتها هي التي أودت بالبلاد إلى الهاوية في بداية التسعينيات، وأنه عليهم أن يتخلوا عن كل أمل في المستقبل.
وهنا تتجلّى لنا مشكلة خطيرة ينبغي التنبيه إليها: أن دخول مجتمعنا في مثل هذه الحالة من النكوص ليست أبدا مؤشرا على استقراره، وإن بدا ذلك على السطح، إنما هي مؤشرٌ على أنه يمكن أن يتحول في أية لحظة من اللحظات إلى اليأس من كل شيء وإلى الانكفاء على الذات، إلى الأنانية، إلى البحث عن طوق نجاةٍ شخصي لا جماعي، إلى الابتعاد عن أي عمل مشتَرك يمكنه أن يدفع باتجاه التقدم أو بناء الدولة العصرية وهي نتائج سالبة بكل المقاييس. وإذا أضفنا إلى ذلك أن تحوّل أي مجتمع إلى حالة الخوف من واقع تعيس هي مرحلة أولى لعودته الفعلية إلى مثل هذا الواقع، فإننا سنكتشف أكثر خطورة مثل هذه الممارسات.. إنها ستتجه بنا نحو استبدال مجتمع المستقبل المتطلع للبناء والتقدم، بمجتمع الماضي (التعيس) الذي كان عنوانه التخريب والتحطيم.
ولدينا في تاريخنا الحديث والقديم، وفي تاريخ الشعوب والأمم المعاصرة، ما يؤكد ذلك. ما دخلت الدول والمجتمعات العربية وحتى غير العربية في حالات من الاضطراب والفوضى والحروب إلا في ظل ممارسات تسلّطية لم تتمكن من صناعة مستقبل للناس، وما بنت الدولُ العصرية ازدهارها وتفوقها إلا من خلال فتح البدائل المستقبلية الواسعة أمام مواطنيها.
لم تكن سياسة الغلق أو العودة إلى الوراء في أية تجربة تاريخية مُجدية، سواء الغلق السياسي، أو الغلق الاقتصادي، أو الغلق الثقافي.. باستمرار، كانت السياسات المتطلعة نحو المستقبل هي الأكثر قدرة على البقاء والازدهار، وهي الأكثر قدرة على إرساء أركان الدولة العادلة وعلى بناء الحضارة.
ماذا فعلت الحكومات المغلقة بإعلامها المغلق واقتصادها المغلق ودوائر القرار المغلقة التي لا يعرف أحدٌ كيف تُدار، سوى أن عجلت سقوطها أو تسببت في انهيار مجتمعاتها وتفككها؟
ما دخلت الدول والمجتمعات العربية وحتى غير العربية في حالات من الاضطراب والفوضى والحروب إلا في ظل ممارسات تسلّطية لم تتمكن من صناعة مستقبل للناس، وما بنت الدولُ العصرية ازدهارها وتفوقها إلا من خلال فتح البدائل المستقبلية الواسعة أمام مواطنيها.
وعلينا نحن في هذا الظرف بالذات أن لا نختار هذا الطريق.
لقد بات المجتمعُ الجزائري منذ سنوات يتطلع أكثر إلى المستقبل بعد أن طَوى ورقة ماضيه القريب (العشرية السوداء) إلى غير رجعة، ولم يعد يرغب في أية ممارسات من شأنها أن تذكره بذلك الماضي التعيس الذي عرفه منذ رُبع قرن، بل كل تطلعه الآن هو أن يستفيد من أخطاء هذا الماضي وأن يفتح باب المستقبل على مصراعيه. لقد وصل الجزائريون بالفعل إلى مثل هذه القناعة مباشرة غداة العشرية السوداء، وكان يمكن أن تكون تلك بداية الانطلاقة نحو الالتحاق بالأمم العصرية والتقدم، لولا أن طالت مدة الانتظار وكادت تنقضي، حتى ما إذا ما بدت تلوح في الأفق في السنوات الأخيرة بعض القوى القادرة على تجديد هذا الأمل قبل فوات الأوان، بدأنا نشعر اليوم وكأن قوى مضادة تريد منعنا من ذلك، بل والدفع بنا مرة أخرى إلى التفكير في إمكانية عودتنا إلى تلك الأساليب التي إن كان في مقدروها استعادة شكل هيبة الدولة، لا يمكنها إطلاقا استعادة جوهرها، الأكثر أهمية بكل المقاييس.