“حزب الله” والاحتلال.. الحرب الثالثة؟
بعد نحو سنة من التراشق الصاروخي المحدود والمحسوب بين “حزب الله” والكيان الصهيوني، بدأت طبول الحرب الشاملة تدقّ بقوة بعد أن شنّ الاحتلال 1300 غارة جوية عنيفة يوم الاثنين، استهدفت مناطق واسعة بجنوب لبنان وشرقه وأدت إلى استشهاد 492 لبناني وإصابة 1645 آخر في يوم واحد، وهو تصعيد بالغ الخطورة يدفع إلى الاعتقاد بأنّ الحرب الشاملة قد بدأت فعليا من دون إعلان رسمي من الجانبين، وقد تتوسّع لاحقا إلى حرب إقليمية كبرى.
في البداية، لا بدّ أن نلاحظ بأنّ الردّ المحتشم لـ”حزب الله” على اغتيال قائد أركانه فؤاد شكر في 30 جويلية الماضي، وعلى تفجيرات “البايجر” والهاتف اللاسلكي الأسبوع الماضي، هو الذي شجّع الاحتلال على ضرب الضاحية الجنوبية لبيروت واغتيال إبراهيم عقيل و16 من كبار قادة “وحدات الرضوان”، ثم القيام يوم الاثنين بغارات عنيفة وغير مسبوقة على لبنان منذ سنة كاملة، ولو تخلى “حزب الله” عن تردّده وحذره وسياسة “ضبط النفس” التي يتبعها وكان ردّه قويا على اغتيال فؤاد شكر قبل نحو شهرين، لما تجرّأ الاحتلال على كلّ هذا التصعيد.
ومع ذلك، فإنّ ما يروّجه وزير دفاع العدو، المجرم يوآف غالانت، من تدمير نصف القدرات الصاروخية لـ”حزب الله” في ضربات الاثنين، أي نحو 75 ألف من مجموع 150 ألف صاروخ، والقضاء على وحدات كاملة من قوات “الرضوان”، النخبة القتالية لـ”حزب الله”، هو مجرّد كذب بواح وسخيف لا يمكن لأيّ عاقل أو متتبّع منصف تصديقه؛ فهل بلغ الحزب من السذاجة إلى درجة تخزين صواريخه في بيوت المواطنين، كما يدّعي العدو، وهو يعلم بأنّ ذلك سيسهّل رصدها ويجعلها فريسة سهلة لطيران الكيان؟
الجميع يعلم، وأوّلهم الكيان الصهيوني، أنّ “حزب الله” أقام منظومة أنفاق معقدة وعميقة وحصينة في جنوب لبنان لا تقلّ عن شبكة أنفاق “حماس” في غزة، إن لم تتفوّق عليها، وفيها يخزّن الحزب صواريخه وطائراته المسيّرة وأسلحته المختلفة، وقد بثّ قبل أسابيع فيديو من أربع دقائق عن أحد نماذجها، فكيف يتجاهل العدو هذه الحقيقة الصارخة ويزعم أنّ الحزب يترك أنفاقه الحصينة ويخزّن صواريخ “كروز” والصواريخ الثقيلة والدقيقة وغيرها في البيوت المكشوفة للمواطنين البسطاء بجنوب لبنان؟
مهما يكن من أمر، فقد استعاد الحزب أنفاسه بعد ضربات الاثنين وبدأ يوسّع دائرة الاستهداف الصاروخي للمزيد من المستوطنات ومصانع أسلحة وقواعد جوّية بشمال فلسطين، وهو لم يستعمل سوى جزء ضئيل من قدراته العسكرية، ولم يشرع بعد في استعمال الصواريخ الدقيقة وفرط الصوتية، وإذا تصاعد الصراع، فسنشهد غارات يومية صهيونية وحشية على بيروت ومختلف مدن جنوب لبنان ووقوع المزيد من المجازر المهولة والدمار كما حدث في غزة، ولكنّ بالمقابل، سيتلقى العدو آلاف الصواريخ يوميا وليس نحو مئتي صاروخ فقط كما هو حاصل الآن، وكذا المئات من الطائرات المسيّرة الانقضاضية، وسيلحق دمار كبير بمنشآته المدنية والعسكرية الحسّاسة التي صوّرتها مسيّرة “الهدهد” مرّتين قبل أشهر، ذلك أنّ “حزب الله” لم يكن يريد، منذ أن دخل دائرة المواجهة مع العدو في 8 أكتوبر 2023 إسنادا لغزة، الانجرار إلى حرب شاملة، لكنّ إذا فرضها عليه الاحتلال، فسيخوضها بقوّة وشجاعة، وسينتصر فيها، كما انتصر من قبل في حربي 2000 و2006، ولاسيّما إذا تهوّر جيش العدو وقرّر اجتياح جنوب لبنان بهدف إبعاد “حزب الله” إلى ما وراء نهر الليطاني وإعادة مستوطنيه الهاربين من مستوطنات شمال فلسطين منذ سنة كاملة، وإقامة منطقة عازلة بجنوب لبنان، إذ سيغرق جيش الاحتلال مجدّدا في مستنقع لبنان ويواجه هناك أزيد من مائة ألف مقاتل مدرّب ومسلَّح جيّدا، ويتكبّد هناك خسائر بشرية ومادية كبيرة تنسيه ما تلقّاه في غزة على يد أسود المقاومة الفلسطينية طيلة سنة كاملة من الحرب.
لقد راهن قادة الاحتلال على إعادة 120 ألف مستوطن هارب إلى “بيوتهم” بشمال فلسطين بالقوّة، والقضاء على القدرات العسكرية لـ”حزب الله”، وراهن نصر الله على أن لا يعود أيّ مستوطن منهم إلا بعد وقف حرب غزة وعقد صفقة تبادل مع “حماس”، ويبدو أنّ العدوّ سيخسر الرهان في لبنان أيضا كما خسر رهان القضاء على قدرات “حماس” في غزة وتحرير أسراه بالقوّة، علما أنّ “حزب الله” يفوق “حماس” قوّة بنحو 10 مرات.